مصادر ومراجع الدين

مصادر الأمور والعلوم الدينية

الجدول

لأمور الدين الكبري والأساسية مصدر واحد هو كتاب الله تعالى، فهو كلمة الله العليا والرسالة الخاتمة، وهو النص الوحيد الذي تكفَّل الله عز وجل بحفظه للعالمين وألزمهم باتباعه، ولا يجوز أن يقارن أي مصدر آخر بهذا المصدر الأسمى كما لا يجوز أن يقارن المخلوق بالخالق.

فالكتاب العزيز هو المصدر الرئيس والأعلى للمعلومات والمعارف الدينية؛ وهو بالتحديد المصدر الأوحد للأمور الدينية الكبرى، والمصدر الرئيس للأمور الدينية الثانوية، وكل مصدر آخر إنما هو مصدر فيما يتعلق بالأمور الثانوية فقط، وهو إنما يستمد شرعيته ومصداقيته ووزنه مما ذكره كتاب الله، فلكتاب الله العزيز الهيمنة على المصادر الأخرى، وتلك المصادر الأخرى إنما هى لخدمة كتاب الله وللمساعدة على تدبره وفقهه أو لمساعدة أولي الأمر على استنباط ما يتفق معه أو مع ما سبق استنباطه منه مما يحتاجه أهل كل عصر ومصر، ولا يجوز أبدا القول بأنها تقيده أو تفصله أو تقضي عليه، ولا يجوز أبدا تحكيمها فيه أو إلزامه بمقتضياتها، أما القول بأن قولا من مصدر ثانوي ينسخ آية قرءانية فهو كفر مبين وتجديف خطير.

والأوامر باتباع كتاب الله والاعتصام به وتدبره والسجود إذ قُرئ حجج دامغة على كل من غلا في شأن المصادر الثانوية المذهبية، ولا يجوز لأحد تأويل أو ليّ عنق آية قرءانية ليضرب بها القرءان، والأمر باتباع الرسول أو طاعته هو أمرٌ باتباع هذا القرءان، وليس أمرًا باتباع مصادر مذهبية لم تُكتب إلا من بعد أن تمزقت الأمة وتفرَّق الدين، وبالطبع ليس أمرًا بجعل هذه المصادر حاكمة على القرءان أو قاضية عليه.

ومن البديهي أن ما ذكره الله تعالى في كتابه وأكَّده وشدد عليه أهم بكثير مما لم يذكره صراحةً أو لم يذكره مطلقًا، خاصة وأنه قد أعلن أن كتابه مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء.

*******

إن حجية أي مصدر من مصادر المعرفة أو أي أصل من الأصول لا يجوز أن تستمد إلا من مصدر أعلى منه بطريقة قطعية يقينية، ولا يجوز أن تستمد من نفس الأصل، إلا الكتاب العزيز، فلا مصدر أعلى منه ليقرر أي شيء بخصوصه، فحجيته مستمدة منه، ذلك لأنه كلام الله تعالى، ولابد للمسلم من الإيمان بذلك، فهو يعلو ولا يُعلى عليه، وهو بنفسه برهان على صدق نفسه، وهو الذي يقرر ما هو الواجب بالنسبة لنفسه، فهو يتضمن الأدلة والبينات والبديهيات والمسلمات Evidences, axioms and postulates وما يجب أن يؤمن به كل إنسان وينطلق منه ويستند إليه، وهو المهيمن على كل مصادر العلوم الدينية الأخرى.

أما من لم يؤمن بذلك فلا كلام معه، فهو ليس بمسلمٍ على المستوى الجوهري.

لذلك لا يجوز الاستدلال على حجية أي أصل أو مصدر آخر كالآثار مثلا أو الإجماع أو القياس أو الاستحسان أو سدّ الذرائع .... إلخ إلا بالاستناد إلى الكتاب العزيز، وعلى سبيل المثال ولهذا السبب فإن ما يسمى بالإجماع والذي اختلفوا حتى في تعريفه لا يمكن أن يكون أصلا أو حجة أو مصدرا لأي حكم أو تشريع ديني، ذلك لأنه لم يرد ما يثبت حجيته بطريقة قطعية الدلالة، بل ورد في القرءان ما يقوض حجيته تقويضا ويجتثه من جذوره! فالقرءان نصَّ على أن الناس سيظلون مختلفين، وأن السابقين وأصحاب اليمين قليلون، ولم يذكر الأكثرية إلا في موضع الذم، فلا سلطان إلا للبرهان المبين المستند إلى بينات ومسلمات القرءان الكريم.

ومن الضلال المبين قولهم بأن ما يسمونه بالسنة -ويقصدون بها الآثار التي نسبوها إلى الرسول- حاكمة على كتاب الله وقاضية عليه، وكذلك قولهم بأن حاجة القرءان إلى سنتهم أشد من حاجتها إليه، أما قيامهم بنسخ (إبطال وإزالة) أحكام آيات قرءانية باستعمال هذه (السنة) فهو اعتداء على دين الحق وكفر جزئي به.

وهم بالإضافة إلى كل ذلك يقترفون عدوانًا سافرًا على مصطلح قرءاني جليل، ويؤولونه تأويلا سيئا لفرض تصوراتهم المذهبية الشركية على الإسلام، ثم هم بعد ذلك يريدون فرض أوهامهم بالقهر والإرهاب.

ولا يجوز هاهنا الخلط بين مصادر المعرفة ووسائل التعامل معها، ووسائل التعامل مع مصادر العلم أو المعرفة هي أساسا ملكات الإنسان الذهنية المعروفة عند الناس جزافا بالعقل، فهذا العقل لا يوضع مع مصادر العلم في معادلة واحدة بمثل ما أنه لا يجوز جمع الزمن على الوزن مثلا، والعقل هو أداة للتعامل مع النصوص والمظاهر وفقهها والاستنباط منها، فمصادر العلوم هي مجال العقل، فلا مجال للمقارنة بينهما، وإنما يمكن مقارنة مصدر بمصدر.

والعقل نسبي مقيد بمدى ما هو عليه من رقي وإحاطة ومقدرة وفعالية، ومدى ما هو مزود به من علوم أولية ومنطق، والإنسان الآن أعظم قدرة من السلف على التعامل مع المفاهيم القرءانية المتعلقة بالزمان والمكان، وذلك بحكم تعرفه على المفاهيم العلمية المكتشفة حديثا، واعتياده عليها وعلى التعامل معها.

كذلك لا يجوز تحريف دلالة مصطلحٍ ما ثم البحث عن حجيته بعد هذا التحريف كما حدث بالنسبة لمصطلح السنة، فالسنة الحقيقية لها معانيها القرءانية الراسخة والتي لا علاقة لها بما اختلقه الناس لها من المعاني، فلا يجوز الاعتداء عليها أو تحريفها عن مواضعها، فالسنة هي القوانين الكونية والسنن الشرعية والأنماط السلوكية وسبل الهدى والرشاد الماثلة في كتاب الله تعالى، والفرع لا يثني الأصل ولا يؤدي إلى تعدده.

والسنة لا تمثل كيانا مستقلا قائما بجوار كتاب الله، ذلك لأن الرسول هو عبد محض لله، فهي لا تقابل كتاب الله تعالى كأصل من الأصول وإنما هو الذي يتضمنها وهو مصدرها الأوحد بالنسبة لما عظم أمره منها، وهو المصدر الرئيس لجانبها الثانوي، والقول بأن السنة هي آثار أو اقوال كانت تتداول شفهيا هو خطأ ديني وخطأ لغوي ومخالفة منطقية، فهو خطأ متعدد الأبعاد وخيم العاقبة.

أما الآثار المنسوبة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ المتعلقة بالسنن العملية كإقامة الصلاة وصيام رمضان وحج البيت فلم تنشأ من العدم، وإنما كانت موجودة ويمارسها من بقوا على الدين الأصلي وهو الإسلام من أتباع الأنبياء السابقين؛ فهي أساسا من ملة إبراهيم عليه السلام، وتم تعديلها وتطهيرها من تحريفات الناس وتيسيرها في الرسالة الخاتمة، وبذلك اكتمل الدين الإلهي الواحد، فتلك السنن إنما حُفظت وانتقلت بالتواتر العملي المجتمعي.

أما كل ما هو من دون ذلك من الآثار فهو مرويات آحادية إلا قليلا، وتلك المرويات تحوطها الظنية من بين يديها ومن خلفها ويتضمن بعضها أمورا غير مطروحة أصلا، ولا يوجد ما يلزم الناس بها بل إن الإنسان منهي عن اتباع الظن، ولا يجوز له أن يتبع مروية ظنية إلا بعد أن يثبت عنده بطريقة قطعية أنها تشير إلى سنة حقيقية، ولكي يثبت ذلك فلا بد من قرائن قوية، وأقوى القرائن هي اتساقها مع مفردات وعناصر منظومات دين الحق الذي يتضمنه القرءان بحيث يمكن اندراجها في هيكله العام.

لكل ذلك فالمصدر الأوحد لأمور الدين الكبرى والرئيس للأمور الثانوية هو الكتاب العزيز كأمر كلي واحد متشابه متسق يصدِّق بعضه بعضا ويبيِّن بعضه بعضا ويفصِّل بعضه بعضا، والكتاب يتضمن آياته وفحوى آياته ومقتضياتها، والآيات القرءانية بما تتضمنه يمكن التعرف عليها بالقراءة والتفكر والتدبر والتذكر والتفقه أي بإعمال كافة الملكات الذهنية والوجدانية ولابد كذلك من توفر معرفة لغوية كافية وسليقة لغوية، والآيات القرءانية التي تشترك في معالجة مسألةٍ ما كلها متكافئة وكل آية منها لها حجيتها الكاملة، وهي أشبه بمصابيح موصلة على التوالي، وهي بذلك تضيء كافة جوانب المسألة؛ لا يجوز لأحد فصل أحدها أبدا ولا استبعاد أحدها أبدا، وإلا فلن يرى حقيقة المسألة.

إنه لا يجوز إهمال أو استبعاد أية آية من الآيات التي تعالج إحدى المسائل عند البحث عن القول القرءاني في هذه المسألة تحت أية حجة من الحجج، ورغم أن بعضهم يزعم أنه يأخذ بذلك إلا إنه عند الجد لا يأخذ من الآيات إلا ما يتوافق مع رأيه المسبق، وهو في الحقيقة يقتطع آية من كافة سياقاتها ليلوي عنقها وليستنطقها بما يريده منها، ثم يضرب بها الآيات الأخرى، وهو بذلك يتجاهل المنهج المنهج القرءان؛ فيَضل، ويُضل.

ومن الحجج الباطلة للاستبعاد الزعم بأن الآية منسوخة أو أنها تتضمن حكما مرحليا، أو إنها من القصص النبوي (كما يقول أحد المجتهدين الجدد!!).

والكتاب العزيز هو المصدر الأوحد الذي له المصداقية التامة والحجية الكاملة، فهو الآن الكتاب الديني الأوحد الموثق توثيقا تاما، فهو المصدر الأوحد للأمور الدينية الكبرى والمصدر الرئيس للأمور الدينية الثانوية.

إنه بقدر علو الله تعالى على خلقه وعلو قدره على قدر كل من هو من دونه فقد علا كلامه على كلامهم، لذلك فمن الشرك أن يذكر أي مصدر آخر مقارنًا لكتاب الله، فكل المصادر الأخرى تليه وتستند إليه وتستمد مصدريتها وشرعيتها ومصداقيتها منه.

ولا ريب أن الناس يتفاوتون تفاوتا هائلا في القدرة على التعامل مع آيات القرءان لاختلافهم في الملكات والقدرات اللازمة لذلك ومنها القدرات الذهنية والملكات الوجدانية والسليقة اللغوية، هذا أمر طبيعي، ولكنه لا يبرر لأحد التورط في الشركيات والضلالات والكفريات!

وبعد إحكام هذا الأصل وبيان أنه لا يجوز أن يُقارن أي مصدر آخر بالكتاب العزيز فيمكن ترتيب المصادر الأخرى للعلوم الدينية كما يلي مع الأخذ في الاعتبار أن للكتاب الأولوية العظمى والتقدم المطلق والهيمنة التامة عليها:

أولا:

السنن العملية التي انتقلت بالتواتر العملي الحقيقي جيلا عن جيل، من معلومات تتعلق بالشعائر مثل كيفيات إقامة الصلاة والصيام والأذان والطهارة والحج .... الخ، وهي من البقايا الصحيحة لملة إبراهيم عليه السلام، وقد تعرضت للتطهير والتنقيح والإكمال في العصر النبوي، فقد كان مفوَّضا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مهمة ضبطها الضبط النهائي ففعل، واختار الأيسر لأمته فقد كان كما قال الله تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، فاختار مثلا أن يكون الحج مرة واحدة في العمر كما اختار بعض صيغ الذكر والتسبيح في الصلاة اهتداءً بالقرءان، وكذلك ما حفظ من أمور السيرة النبوية الثابتة أو ما وصل إلى الأمة من نصوص مكتوبة وموثقة مثل بعض رسائله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ  إلى ملوك الأرض، وكذلك معاني وأساليب اللغة العربية.

ثانيا:

الآثار والأخبار التي نسبها الرواة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ من سيرة أو سلوك أو قول أو فعل أو خُلُق أو تقريرات أو رسائل، وهى بصفة عامة آثار ظنية تفتقد شروط الثبوت المقررة قرءانيا وهي أن تكون في وثائق مكتوبة في حضور الشهود الحقيقيين العدول، ولا يجوز اعتبار تلك الآثار صادرة عن النبي بطريقة قطعية، ولا يملك أحد أن يقطع بذلك ولا أن يلزم أحدا بما يعتقده بهذا الخصوص، ذلك لأن من أكبر كبائر الإثم الكذب على الله ورسوله، كما أنه لا يجوز لأحد إلزام الناس بعقائد لا أصل لها في كتاب الله.

لذلك لزم التثبت وطلب القرائن حتى لا يقع المرء تحت طائلة الكذب على الرسول، والقرينة الأكبر هي مدى اتساق الخبر المنسوب إلى الرسول مع دين الحق المستخلص من القرءان الكريم وإمكان اندراجه في إطاره العام، فيجب الأخذ بالمروية التي تحقق هذا الشرط وإن ضعَّفها الرواة، أما المروية التي تتعارض مع أي عنصر من عناصر دين الحق الماثل في القرءان فلا يؤخذ بها، وما عدا ذلك فهو أمر غير مطروح يُترك لعلماء التاريخ واللغويات ومقارنة الأديان وغيرهم.

ولا يجوز رفض أية مروية رفضًا تامًا دون تقديم براهين دامغة وحججا ساطعة، ولابد من تمحيص ما نسب إلى الرسول باستخدام منهج علمي صارم يفيد من تقدم أساليب البحث الحديثة، هذا بالإضافة إلى أن الكثير مما صدر عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بالفعل كان موجها بصفة أساسية إلى قومه وصدر أكثره قبل اكتمال الدين، ولا يمكن اعتباره نصوصًا مطلقة لها نفس مرتبة الآيات القرءانية؛ فالقرءان كلام الله فليس كمثله كلام وهو العلي الحكيم، فالأثر لا يؤخذ به إلا إذا كان من الممكن اندراجه في الإطار العام لدين الحق الذي يتضمنه القرءان.

ثالثا:

الآيات النفسية والكونية، فهي من مصادر المعرفة العلمية والذوقية بالسمات والأفعال والسنن الإلهية، وهي كذلك مما يبين للناس سبل تحقيق المقاصد الوجودية، ويمكن التعرف عليها باستخدام كافة الحواس والملكات الإنسانية والآلات والأدوات اللازمة بالإضافة إلى التجارب واتباع المناهج العقلية والعلمية المعلومة، وجماع ما ثبتت صحته فيما يتعلق بتلك الآيات هو العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، فهذه العلوم تساعد الناس على إدراكٍ أفضل لما ورد في الكتاب العزيز، وعن طريقها يأتي تأويل بعض آيات القرءان حينا بعد حين وباطراد التقدم.

رابعا:

الآثار والأخبار المنسوبة إلى السابقين الأولين الحقيقيين من المهاجرين والأنصار الذين لم يبدلوا تبديلا، وعلى رأسهم الإمام علي والصديق أبو ذر وعمَّار وسلمان وابن مسعود وحذيفة وأكابر النصار...، فقد كان هؤلاء يرشدون الناس إلى سنة النبي بسلوكهم العملي وأقوالهم هم مخافة الوقوع تحت طائلة الكذب عليه، وبالطبع لابد من التثبت منها مثلما ورد في البند السابق، ولا بد أيضًا من تمحيصها، أما ما ثبتت نسبته إلى أئمة الفئة الباغية من سلوك وعمل فيجب أيضًا العلم به حتى يمكن اجتناب التحريف وسوء التأويل الذي أحدثوه في الدين، ولابد من تمحيص كل ذلك باستخدام منهج علمي صارم.

خامسا:

بقايا الكتب السابقة مع إعمال نفس القواعد المعلومة، فالمسلم مطالب بالإيمان بكتب الله تعالى، فلا يجوز الرفض المطلق لكل ما ورد فيها.

ومن المعلوم بالطبع أن القرءان مصدق لها ومهيمن عليها، فلا يجوز رفض ما اتسق مع القرءان، ويجب النظر فيما لا يتعارض معه، ولكن يجب بالطبع رفض ما تعارض معه تعارضًا لا يمكن دفعه.

سادسًا:

الوقائع التاريخية، ولكن يلزم أيضاً التثبت والتحقق التفصيلي من صحتها، وهذا من أعمال علماء التاريخ المتخصصين وليس سدنة المذاهب.

سابعًا:

ما وصل إليه الصفوة من أولي الألباب على مدي العصور ويجب عرضه على الكتاب وتمحيصه، كما يجب ألا يقبل إلا ببرهان مبين، فيجب اتساقه مع عناصر دين الحقّ الماثلة في القرءان أو المستخلصة منه.

*******

إن مصادر الأمور والعلوم الدينية هي نصوص الرسالة ومعانيها؛ أي آيات القرءان ومعانيها وفحاواها وما هو مستنبط منها وفق منهج يتضمن آليات صارمة، وذلك كافٍ تمامًا لبناء النسق والإطار العام للدين، ويلي ذلك ما ثبت من السنن النبوية بالتواتر التاريخي والمجتمعي والعملي الحقيقي، وبعد ذلك يمكن أن يؤخذ من المصادر الثانوية ما يصدِّق هذا الإطار ويتسق معه، ومن تلك المصادر ما هو منسوب إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ من نهج وسنن عملية ومرويات ومنها ما هو متعلق بما ثبت من سيرته، ومنها كذلك ما هو منسوب إلى من لم يبدل تبديلا من السابقين الأولين، وبعد كذلك يمكن الاستئناس بما اتسق وتوافق مع ذلك الإطار مما استنبطه المجتهدون من المسلمين من شتى الطوائف على مدى العصور، ولكن لا يجوز اعتبار ما توصلوا إليه بمجهود بشري أحكاما أو تشريعات دينية.

وأكثر ما يسمى بالسنن العملية مثل كيفيات إقامة الصلاة والصيام والحج إنما هي من عناصر الإسلام الذي بُعِث به رسول الله إبراهيم عليه السلام، أي ملة إبراهيم، ولقد أضاع كثيرا منها من قالوا إنهم اليهود والنصارى، ولقد نص القرءان على ذلك، قال تعالى:

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} مريم59.

أما فرع إسماعيل عليه السلام فلقد ظل فيه من يمارسها -وإن قل عددهم- إلى زمن البعثة.

ولقد أثنى الله تعالى في القرءان على إسماعيل عليه السلام لشدة حرصه على الصلاة، قال تعالى:

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)} مريم   

ولقد كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يتبع ملة إبراهيم عليه السلام من قبل أن يُبعَث إلى قومه خاصة ثم إلى الناس كافة؛ فكان يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة على ملة إبراهيم، ولقد كان الله تعالى هو الذي أوحى إليه بذلك، قال تعالى:

{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل123،

ولقد تم تنقيح وتنقية هذه الشعائر من إضافات وتحريفات الناس، وهذه من مهام الرسول النبي، كما تم ضبطها وتعديل بعض أحكامها، والآيات القرءانية التي أمرت بأداء السنن العملية تتحدث عنها باعتبارها أموراً معلومة للناس وليست بمجهولة، فالدين واحد وهو الإسلام، وهو الذي بدأ رسمياً بإبراهيم عليه السلام وتم واكتمل ببعثة خاتم النبيين.

*******

إن القرءان الكريم هو المصدر الأوحد للأمور الدينية الكبرى، ومنه وحده يجب استخراج الدين بمقاصده وقيمه وأركانه وسننه، ولا يجوز أن يوضع أي مصدر آخر معه في نفس المرتبة، وكل المصادر الأخرى إنما تستمد شرعيتها ومصداقيتها منه.

والأمور الدينية الكبرى التي يجب استخراجها من الكتاب العزيز وحده هي:

  1.  أسماء الله الحسني وكذلك السمات والأفعال والشؤون والسنن الإلهية.

  2. أمور عالم الغيب الضرورية للإنسان واللازمة لتحقيق مقاصد الدين.

  3. مقاصد الدين العظمي والفرعية وسبل تحقيقها.

  4. منظومة خصائص وسمات القرءان.

  5. منظومة خصائص وسمات الدين.

  6. منظومة الأمور الدينية

  7. منظومة أركان الدين الكبرى.

  8. منظومة القيم الإسلامية (المنظومة الأمرية الرحمانية).

  9. منظومة السنن الكونية الخاصة بالإنسان المخير.

  10. منظومة السنن والأوامر الشرعية، العامة والنوعية.

  11. منظومة السنن التشريعية.

  12. المصطلحات القرءانية.

  13. موازين الأوامر والأعمال.

 ويجب أيضاً معرفة أن الكتاب العزيز هو المصدر والمصدر الرئيس لما يلي:

  • الأمور الدينية الثانوية، ومنها النوافل.

  • معاني كلمات اللغة العربية والعبارات اللغوية المستعملة فيه.

  • قواعد اللغة العربية.

والأمور الثانوية أصولها في القرءان، وتفاصيلها فيما يصدقه مما هو منسوب إلى الرسول من أفعال أو أقوال.

ومن الأمور الدينية الثانوية، شكليات السنن العملية التي لم يذكرها القرءان

للقرءان مصطلحاته الخاصة، فهناك ألفاظ وعبارات أكسبها معاني جديدة، والمنهج القرءاني يقتضي أن يكون القرءان هو المصدر الأوحد لمصطلحاته والمصدر الأعلى لمعاني ألفاظه وعباراته.

لذلك يجب وضع قاموس للعبارات اللغوية وقاموس للألفاظ القرءانية يوضح المعاني المستخلصة لهذه العناصر وفق المنهج القرءاني، هذا القاموس هو الذي يمكن ترجمته إلى اللغات الأخرى، أما المصطلحات فيجب أن تُنطق كما تُنطق بالعربية، It should be transliterated not translated، وعلى سبيل المثال، فالكلمات فقه، سنة، مثلا، لا يجوز أن تُترجم، وإنما يجب أن تكتب بالإنجليزية كما يلي: Fiqh, Sunnat، أي باختصار يجب أن تُعتبر أسماء عَلَمية Proper names.

وكذلك الأمر بالطبع بالنسبة لكل الأسماء الحسنى، ومنها.   

Allâh, Alraḥmân, Al-Ḥaqq, Al-Aḥad, Aṣ-Ṣamad, ………

وتفاصيل ملة إبراهيم التي أُمِر الرسول والمؤمنون باتباعها إجمالا ليست موجودة كلها في القرءان، ويوجد الكثير منها فيما هو منسوب إلى الرسول من أفعال أو أقوال مصدقة للقرءان، وأنت مأمور في القرءان باتباع الرسول واتخاذه أسوة حسنة.

وقد كان للرسول حق الاختيار لأمته، وقد اختار لهم أن يكون الحج مرة واحدة، وكذلك بعض الأدعية والأذكار.

*******

الكتاب العزيز له نظمه الإعجازي الفريد، ففيه آيات محكمات وأخر متشابهات، وآياته أحكمت وفصِّلت بحيث لا تُنسخ، فهي تتضمن أنباءا وأخبارا في مجالات عديدة متنوعة، وبه تحدى الله سبحانه الإنس والجن، لذلك فإن إعجازه عميق وواسع المدى وشامل، فكل آية زعم المبطلون أنها منسوخة تتضمن علومًا لا يمكن إبطالها أبدًا مثل أسماء الله وسننه وشؤونه التي ترد في هذه الآيات، والقول بنسخها يعني الكفر بها، والحق هو أن آيات الكتاب متكاملة متآزرة، وكل الآيات التي تتحدث عن نفس المسألة لازمة لاستخلاص القول القرءاني الخاص بهذه المسـألة.

وهذا الكتاب يتضمن الدين كله، وهو الرسالة الواجبة الإتباع والملزمة للخلق أجمعين، فهو يتضمن العقيدة والشريعة والسنن والقيم والخصائص والسمات والمقاصد، والشريعة هي الدين كله مترجمًا إلى أنساق من الأحكام والتعليمات والمبادئ المحددة والسنن الواجبة الإتباع والقيم والسلوكيات والأخلاق التي يلزم التحلي بها

أما آليات استنباط الأحكام المعمول بها كالقياس والاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع ... إلخ فلا يجوز أبدًا أن تقارن بمصادر العلوم والمعارف الدينية ووثائقها ولا أن تُقرن معها في نظم واحد، فتلك الآليات إنما هي مناهج يمكن لأولى الأمر اتباعها بأن يعملوا ملكاتهم الذهنية مستأنسين بها، وما يتمخض عن هذا الإعمال ليس بأمر أو حكم شرعي ديني وإنما هو حكم بشري وضعي، ذلك لأنه لا يجوز لأحد الإحداث في الدين، فلا يحق لأحد أن يزعم أن رأيا أو حكما توصل إليه بإعمال آلية من آليات الاجتهاد هو حكم أو أمر ديني، أما مصادر المعلومات الحقيقية فتقدم له العلوم والبينات والمسلمات والأمور والمصادرات.

وكذلك لا يجوز الخلط بين الملكات الإنسانية وبين مصادر المعلومات مثلما يفعل المعتزلة وغيرهم، ولا يجوز أن تقرن الطائفتان في نظم واحد، فهذا يؤدي إلى افتعال قضايا فارغة تافهة شغلوا بها صفوة الأمة عن استعمال ملكاتهم الاستعمال الأمثل وجعلوها تدور في حلقات مفرغة حابسة، ومن ذلك المقارنة بين العقل وبين النقل.

ولو عرفوا مصطلحاتهم التعريف الدقيق لأدركوا أن أكثر قضاياهم فارغة من المضمون أو هي قضايا مفتعلة، فكيف يمكن المقارنة بين الملكة التي يحلل بها الإنسان المعلومات ويستوعبها وبين المعلومات نفسها أو مصدرها!

*******

1

1.png