جهاد مقدَّس جدًّا

جمع زعيم إحدى العصابات رجاله، كانوا قد تمرسوا بالقتال من حروبهم مع العصابات الأخرى، انتهزوا فرصة الفوضى التي سادت البلاد بعد الثورة المجيدة، أدركوا مدى ضعف وهشاشة القرى المحيطة بهم، وذلك مع وفرة الموارد والخيرات عندهم، أقبلوا، وهم يتساءلون:

"بأي حقّ ينعم هؤلاء الضعفاء الهمل بكل هذه الخيرات، بينما لا نكاد نجد نحن قوت يومنا، ونكتفي بالتقاتل فيما بيننا على التافه من الغنائم؟"

أعدوا العدة للهجوم على القرية ذات الخير الكثير، ولما أكملوا استعداداتهم أرسلوا الإنذار التالي لعمدتها:

"اسمع أيها العمدة، لقد ثبت لدينا أن أهل هذه القرية لا يتبعون المذهب الصحيح الذي نتبعه، وبالتالي فأنتم هدف مشروع لنا، أنتم ضالون مشركون، لذلك فإما أن تتبعوا مذهبنا، وإما أن نقاتلكم، وإما أن نفرض عليكم جزية تؤدونها لنا وأنتم أذلة صاغرون، وفي كل الأحوال سنقيم معكم في قريتكم نأكل مما تنبت الأرض مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا فضلا عن لحوام الأنعام التي تربونها".

قال لهم العمدة: "وما هو مذهبكم؟"

قال قائدهم: إنه المذهب الذي ظللنا نكيد له ونحاربه ونضطهد أتباعه سنين طويلة إلى أن غُلِبنا على أمرنا فاعتنقناه!

العمدة: ولماذا لا تعطوننا الفرصة لندرسه في مدة مماثلة؟

القائد: ماذا تقول؟! انتهى زمن السماح أيها الضال المستكبر، ولقد قمنا بهذا الواجب عنكم ودرسنا وعارضنا بما فيه الكفاية، وكل ما يمكن أن يخطر ببالك من اعتراضات قد قلنا بها قبلكم، وإذا كان هذا المذهب قد هزمنا –نحن- ونحن أضل وأشرس القبائل والعصابات فهل ستقوون أنتم عليه أيها العلوج؟ لقد قمنا بواجب التصدي له نيابة عنكم، قُضِي الأمر وانتهى وقت التهريج!

العمدة: لا أطلب إلا أن ترسلوا لنا بعض المتمكنين من هذا المذهب ليشرحوه للناس.

القائد: متمكن؟ اتضع العقدة في المنشار أيها العلج؟ ليس فينا متمكن! كل هؤلاء حديثو عهد بالمذهب! أما المتمكنون فقد حاولوا الاستيلاء على السلطة فقمنا بالواجب تجاههم! وجعلناهم عبرة للمتمكنين من بعدهم.

العمدة يهمهم: يا له من منطق دامغ!

القائد: بماذا تهمهم أيها العلج، ألا تخشى بأسنا؟ اعلم أننا جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة!!

العمدة: وماذا في ذلك؟ كل الكائنات الحية تحب الحياة، نعم، نحن نحب الحياة لنا ولكم ولكل الناس، وإذا كنتم أنتم تحبون الموت فما هو ذنبنا نحن؟ ولماذا لا تذهبون لتموتوا بعيدا عن قريتنا المسالمة التي لم تخطئ في حقكم؟

قالوا: ما هذا؟ عمدة وفيلسوف؟! وهل بعد الكفر بالمذهب الصحيح خطأ أيها الضال النجس؟ تأهب للقتال!

نظر العمدة إلى الحشد الماثل أمامه، إنهم قتلة متمرسون محترفون، ينقدح الشر من أعينهم، وكل واحد منهم مسلح حتى أسنانه، تذكر أهل قريته الذين نشئوا لا يجيدون إلا أعمال الزراعة والسهر على راحة بهائمهم التي تنام بجانبهم والقيام ببعض الصناعات البسيطة، وأقصى ما يمكن أن يفعلوه عند الاختلاف رفع الصوت قليلا ثم ينصرف كل واحد منهم إلى حال سبيله، ثم يتصافون بعد ذلك.

لم يجد العمدة بدًا من القبول بشروطهم، أرسل رجاله ليجمعوا لهم الأموال التي طلبوها، أخذ العويل والصراخ يتصاعد من بيوت القرية، أفهمهم رجال العمدة أن ذلك خير لهم من أن يفقدوا حياتهم.

تقدم العمدة بالأموال إلى زعيم العصابة، قال له انتظر قليلا، يجب أن تؤديها وأنت ذليل صاغر، سأجلس مكانك أولا واضعا قدمي في اتجاهك، وعليك أن تظهر لي أقصى درجات الذل والصغار، وإياك ثم إياك أن تقصر في شيء من ذلك!

هرول العمدة إلى أهل قريته، أخذ يسأل اليتامى عما يفعلون مقابل ما تفعله بهم زوجات آبائهم، والمملق ماذا يفعل إذا ما عضَّه الجوع القاسي وأراد أن يستعطف الناس لكي يعطوه ما يسد رمقه، والزوج الذليل كيف يقابل نشوز زوجته المتغطرسة، والزوجة مكسورة الجناح عما تفعله مع أهل زوجها المتكبرين، والمسكين العاجز عن التكسب كيف يتذلل للناس ليجد ما يقيم أوده، بل أخذ يسأل نفسه عما كان يفعله الفلاحون المساكين معه هو ويحاول أن يتذكر كلامهم وما أظهروه له من ألوان الذل والمسكنة، جمع هذه الثروة المعلوماتية الهائلة وذهب إلى زعيم العصابة وأخذ يتفانى في استعراض وإظهار كل ما تعلمه من ضروب الذل والهوان.

قال الزعيم: لم تظهر لي ما يجب من الذلة والصغار! على العموم سأقبل هذا منك الآن حتى ننتقل إلى الخطوة التالية، فقد داهمنا الوقت كما يقول مذيع قناة الجزيرة، لقد قررت أن أقيم هنا في بيتك! ابحث لك عن بيت آخر!

وعليك لتوِّك أن ترسل لنا أهل القرية ليبنوا لرجالي بيوتا حول بيتي هذا، يجب أن تنتهوا من ذلك بسرعة، لا تنس إحضار الطعام والشراب أيضا، رجالي تعبوا من الجهاد في هذا اليوم أيها الكفرة الأنذال!!

لم يعجب الاستسلام المهين الذي أبداه العمدة بعض سكان بضعة أزقة من أزقة القرية، تسلح سكانها بكل ما استطاعوا، وأعدوا خطة سريعة للدفاع عن أنفسهم، أخذوا يتصايحون منددين بالظلم والعدوان، وصلت أصواتهم إلى مسامع القائد الهمام، انتقي أشرس فرسانه، وضعهم تحت إمرة أشرس قواده وأرسلهم لمعالجة الأمر.

تمكن الفلاحون وهم مشاة من كسر أول موجة هجوم لفرسان العصابة وكبدوهم عدة قتلى، عاود الفرسان الهجوم بعد أن تلقوا مددا إضافيا، واجتاحوا خطوط الدفاع، ولكن انهالت عليهم الحجارة والمياه الساخنة من أسطح البيوت فلاذوا بالفرار.

قرر المهاجمون ضرب حصار محكم على الأزقة الثائرة، طال الحصار، قتلوا بدون رحمة كل من حاول أن يمدهم بالطعام وحملوا رأسه وطافوا بها في الأزقة المستسلمة لزيادة إرهابهم.

بدأ المحاصرون يتساقطون من الجوع والإعياء، ولكنهم شدوا من أزر بعضهم البعض، وقرروا الخروج للقتال، قاتلوا قتال اليائس المستميت، ولكنهم هُزموا في النهاية، قُطعت رؤوسهم وعلقت بطول الأزقة رأسًا بعد رأس، صُلِب بعضهم الآخر على جانبي الأزقة وعند مداخلها، أما نساؤهم وأطفالهم فأخذ رجال العصابة لأنفسهم منهم ما أخذوا وأرسلوا البعض ليباع في قريتهم الأصلية، قام الخبراء بفحصهن جيدا، كانت النتيجة إيجابية، واشتد الطلب على هذه النوعية.

تم فرض جزية ثقيلة على كل علج من العلوج يؤديها وهو ذليل صاغر ويتلقى أثناء تأديتها شتى ضروب الإهانة والإذلال، ثم يُختم على قفاه في النهاية.

وبذلك اطمأن أهل القرية لعدالة العصابة وقرروا التفاني في خدمتهم والإشادة بمآثرهم! وألفوا القصائد للإشادة بهم.

وإلى الآن مازال أهل القرية يسبحون بحمد العصابة التي قتلت أسلافهم واستحيت نساءهم!! أما مقابر القتلة فقد تحولت إلى مزارات مقدسة يتمسحون بها ويقبلون عتباتها بل ويخر بعضهم ساجدين لها.

 *******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458