مروية الحثّ على إحصاء الأسماء ذات أصل صحيح

مروية الحثّ على إحصاء الأسماء ذات أصل صحيح


أما المرويات المنسوبة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بشأن الأسماء، فالذي جاء منها متسقا مع دين الحق الماثل في القرءان هو النص الوارد في الجامع الكبير وهو:

(إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا كلُّهنَّ في القُرْءان مَنْ أَحْصَاهنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ).

والمروية لا تقصد إلى القول بأن لله تسعة وتسعين اسما فقط وإنما تؤكد الأهمية القصوى لهذا النسق من الأسماء بالأسلوب المعلوم، وهو تبشير من أحصاهن بالجنة، فالمقصود الإخبار عن دخول الجنة بإحصاء الأسماء التسعة والتسعين وليس تحديد عدد الأسماء الحسنى.

وقد حاول بعضهم كالعادة التشكيك والطعن في القول "كلُّهنَّ في القُرْءان"، وبالطبع فهؤلاء لا يؤبه بهم، فهم الذين اتخذوا القرءان مهجورا، وإذا ذُكر القرءان وحده اشمأزت قلوبهم وتأجج غيظهم، والحق هو أن هذه المسألة هي مثال يوضح الفرق بين منهجنا وبين منهج المحدثين التقليدي في التعامل مع المرويات، وسيتم مناقشة الأمر بتفصيل أكبر.

رووا أن الرسول قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما، كلهن في القرءان، من أحصاها دخل الجنة ".

أخرجه ابن جرير الطبري في " التفسير" ( 15/121 ) من طريق حماد بن عيسى عن عبيدة بن طفيل الجهني، قال: حدثنا ابن جريج عن عبد العزيز عن مكحول عن عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعا.

قال الألباني في " السلسلة الضعيفة والموضوعة" (5/251): ((منكر جدا بزيادة " كلهن في القرآن"

وهذا إسناد ضعيف جدا، حماد هذا ضعَّفه جمع، وقال الحاكم والنقاش: "يروي عن ابن جريج وجعفر الصادق أحاديث موضوعة ".

والحديث في "الصحيحين" وغيرهما من طرق عن أبي هريرة دون هذه الزيادة المنكرة، وقد أشرت إلى بعض طرقه عند أحمد في التعليق على " المشكاة " (2288).))

فهل رأي الألباني وغيره في "حماد بن عيسى" يصلح كحجة لرفض عبارة "كلهن في القرءان"، وهل هذه العبارة بلغت من البشاعة عنده ما يجعله يصفها بالزيادة المنكرة ويصف الحديث بأنه منكر جدا، وما هي مصلحة "حماد بن عيسى" في إحداث هذه الزيادة؟ هل هو عميل سري A secret agent للقرءان الكريم؟!

وما الفرق بين متن المروية هنا وبين المتن الذي أورده البخاري وصححه الألباني؟

روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا -مِائَةً إِلا وَاحِدًا- مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

الحق هو أن النص الذي رواه "حماد بن عيسى" أفضل بلا ريب، ففي نص البخاري توجد عبارة زائدة لا تضيف علما Redundant، بينما النصّ الذي رواه "حماد بن عيسى" أفضل لزيادة العلم عنده، والزيادة الواردة في النص الذي أورده متسقة مع دين الحق اتساقًا تاما، ومتسقة أيضًا مع حقائق الأمور، بل هب متسقة مع مذهب الجمهور، فالجمهور يقولون بأن العقيدة لا تؤخذ من المرويات الآحادية الظنية، ولا تؤخذ إلا من نص قطعي الثبوت، ولا شك أن أسماء الله هي لبّ وجوهر العقيدة الإسلامية.

ولا شك أن هذه العبارة التي أثارت الألباني وأججت غضبه وأشعلت النيران في قلبه كانت لازمة حتى لا يبحث الناس عن أسماء الله المطلوب إحصاؤها في المرويات الآحادية الظنية، ولذلك استفزَّت هذه العبارة بشدة أتباع مذهب المرويات، ولا شك أن سببا مذهبيا كان وراء تضعيف "حماد بن عيسى"، وبافتراض أنه ضعيف فهذا لا يعني أنه كاذب كذبا مطلقا، بل يوجد احتمال أن يصدق في بعض مروياته، وهذا الاحتمال متحقق هنا لاتساق روايته اتساقا تاما مع دين الحق.

أما قولهم بضعف السند، وهو أيضًا بسبب "حماد بن عيسى" فلا وزن له عندنا، فنحن نأخذ بالمروية المتسقة مع دين الحق وإن ضعَّفوها.

وفي كل الأحوال فإن القرءان الكريم هو المصدر الأوحد لكل أمور الدين الكبرى وعلى رأسها الأسماء الحسنى الإلهية، ومنه وحده يجب استخلاصها، وفيه وحده يجب إحصاؤها.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457