01

نظرات في الأمور التراثية الخاصة بمصادر الدين

سبق في كتب عديدة الحديث عن مصادر العلوم الدينية، وسيتم هنا تقديم بعض نتائج النظر في حديثهم عن هذه المصادر والشائع في كتبهم، وهذا الحديث لا يغني عن الرجوع إلى كتبنا في هذا المجال.

يلاحظ دائما غلبة العقلية القضائية التجزيئية على المتحدثين من السلف المقدس ومن اتبعهم من الخلف الضال المفلس في الأمور الدينية، كانوا لا يميزون كثيرا بين استخراج حكم في نزاع بين شخصين وبين استخلاص القول الديني في مسألة، بل كانوا يخلطون بين السنن الدينية الشرعية وبين السنن الإلهية الكونية، وكانوا يتصورون أن القرءان كان يجب أن يكون كمدونة قانونية لا تترك صورة لنزاع أو خلاف بين الناس إلا وأعطت فيها حكما مثلما هو حال المدونات القانونية الوضعية، وبالطبع لم يجدوا في القرءان ما كانوا يتمنونه، وهذا كان مما ألجأهم إلى ما استحدثوه من أصول، ولذلك لا تجد في أقوالهم أثارة من حرارة إيمان أو يقظة وجدان، ولا اهتمامًا بالأمور الوجدانية، وهذا ما ألجأ ذوي النفوس السامية والحساسة إلى استعارة هذه الأمور من الأمم العريقة التي كانوا يحيون بينهم ويتأثرون بهم، وهكذا تمَّ إلصاق التصوف بالمذهب الأعرابي الأموي الذي حلَّ محل الإسلام.

وبالطبع ظل للدين الأعرابي حُماته وأسوده الذين حافظوا على نقائه منذ أن تمت صياغته والتنظير له في العصر العباسي الأول، وذلك من بعد أن استحدثه أهل البغي والمنافقون وأهل الكتاب لحساب المتسلطين الأمويين، وأثبت كفاءته في القضاء على إنسانية المحسوبين على الإسلام وعلى أي إمكانية لرقيهم في أي مجال.

وكان قولهم بأنه لا اجتهاد في العبادات ذريعة لإهمال كل أركان الدين الجوهرية المطلقة كذكر الله والتزكي وإعمال الملكات القلبية في آيات الله الكتابية والكونية، وبذلك أفرغوا الدين من جوهره ولبه ومن جوانبه العقلية والوجدانية.

ورغم محاولات أئمة التصوف ودعاة العقلانية (المعتزلة والفلاسفة) لتحسين الأمور، إلا أن ذلك لم يجدِ شيئا، وظل الدين الأعرابي الأموي متربصا بكل ذلك كالنار تختبئ تحت الرماد ثم تضطرم لتأكل الأخضر واليابس وتعيد الأمور إلى نصابها المعلوم؛ أي إلى الجاهلية الأعرابية المغلفة بقشرة إسلامية.

إنه يجب العلم بأن الله تعالى ذكر في القرءان مقاصده من بعض أوامره ليحثهم على أن يستنبطوا بأنفسهم مقاصده في البعض الآخر، ولقد أعلن عليهم أسماءه الحسنى ليعلموا أن لكل أمرٍ ديني مقصده النافع عليهم، فهو سبحانه:

1. له منظومة أسماء الحق، ولذلك يجب أن يعلموا أن أوامره هي الحق، وأنه لا عبث فيها، وأن يعلموا أيضًا أن إلزامهم بها هو العدل.

2. له منظومة أسماء الحكمة، ولذلك يجب أن يعلموا أن لكل أمر مقصده وحكمته.

3. له منظومة أسماء الغنى، ولذلك يجب أن يعلموا أن المقاصد هي لنفعهم هم.

والتطور المادي، وكذلك التطور الإنساني المعنوي، لا يغنيان عن الحاجة إلى دين الحق، فوجود هذا الكون لم يكن عبثا ولا باطلا، وأسباب الكوارث التي ضربت البشرية ومازالت تهددها مازالت موجودة وإن اضطرهم الهلع من المصير المحتمل إلى عدم التورط في نزاعات مهلكة مباشرة، وانتشار الفواحش في الغرب وتسلط المترفين وتورطهم في التآمر على الآخرين وتخريب بلادهم كل ذلك سيودي لا محالة بهم.

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457