شهود على عصر (قصص وحوارات)

حوار حول اللغة والقومية العربية

الجدول

قال أمجد: أكثر وزراء مصر منذ عصر القومية العربية إلى الآن لا يستطيعون النطق بجملة عربية صحيحة ومفيدة! أما في عصر البرجوازية المصرية فكانت خطب المسؤولين آيات في البلاغة، وبالطبع كان يوجد عدد كبير من الشعراء المجيدين والأدباء المتميزين والمفكرين النابهين الذي يكتبون بالفصحى.

ها هو شيء من شعر رئيس وزراء مصر (سنة 1882) الفارس المصري البطل محمود سامي البارودي، الرجل الذي يشكك العنصريون المتخلفون والحثالة القوميون في مصريته وعروبته لأنه من سلالة المماليك الشراكسة، وهو الذي أحيا الشعر العربي في العصر الحديث ووصله بالشعر العربي في أرقى حالاته، بينما هم لا يستطيعون كتابة جملة عربية سليمة أو النطق بها:

أبابلُ رَأى َ العينِ أم هذهِ مِصرُ---فإنِّي أرى فيها عيونا هي السِحرُ

نَوَاعِس أَيْقَظْنَ الْهَوَى بِلَوَاحِظٍ---تَدِينُ لَهَا بِالْفَتْكَة ِ الْبِيضُ وَالسُّمْرُ

فليسَ لعقلٍ دونَ سُلطانِها حِمىً---ولا لفؤادٍ دونَ غِشيانِها سِترُ

فَإِنْ يَكُ مُوسى أَبْطَلَ السِّحْرَ مَرَّة ً---فذلِكَ عصرُ المعجِزاتِ، وذا عصرُ

فَأَيُّ فُؤادٍ لاَ يَذُوبُ صَبَابَةً ---وَمُزْنَةٍ عَيْنٍ لاَ يَصُوبُ لَهَا قَطْرُ؟

بِنفسي وإن عَزَّت على َّ ربيبة ٌ---مِنَ العينِ في أجفانِ مُقلتِها فَترُ

فَتَاة ٌ يَرِفُّ الْبَدْرُ تَحْتَ قِناعِها---وَيَخْطِرُ في أَبْرَادِهَا الْغُصُنُ النَّضْرُ

تُرِيكَ جُمانَ الْقَطْرِ في أُقْحُوَانَة ٍ---مُفَلَّجَة ِ الأَطْرَافِ، قِيلَ لَهَا ثَغْرُ

تَدِينُ لِعَيْنَيْهَا سَوَاحِرُ «بَابِلٍ»---وتسكرُ من صَهباءِ ريقتها الخَمرُ

فيا ربَّة َ الخِدرِ الَّذى حالَ دونَهُ---ضَراغِمُ حربٍ، غابَها الأَسَلُ السُمرُ

أَمَا مِنْ وِصَالٍ أَسْتَعِيدُ بِأُنْسِهِ--- نَضَارَة َ عَيْشٍ كَانَ أَفْسَدَهُ الْهَجْرُ؟

رضيتُ منَ الدُّنيا بِحبِّكَ عالما--- بِأنَّ جُنُونِي في هَوَاكِ هُوَ الْفَخْرُ

فلا تَحسبي شوقي فُكاهة َ مازحٍ---فما هُوَ إلاَّ الجمرُ، أو دونهُ الجمرُ

هوى ً كضميرِ الزندِ، لو أنَّ مَدمعي---تَأَخَّرَ عَنْ سُقْيَاهُ لاَحْتَرَقَ الصَّدْرُ

إِذَا مَا أَتَيْتُ الْحَيَّ فَارَتْ بِغَيْظِها---قُلُوبُ رِجَالٍ حَشْوُ آماقِها الْغَدْرُ

يَظُنُّونَ بِي شَرّا، وَلَسْتُ بِأَهْلِهِ--- وظَنُّ الفتى مِن غيرِ بيِّنة ٍ وِزرُ

وماذا عليهِم إن ترنَّمَ شاعِرٌ---بِقَافِيَة ٍ لاَ عَيْبَ فِيها، وَلاَ نُكْرُ؟

أفي الحقِّ أن تبكِى الحمائمُ شَجوها---ويُبلى فلا يبكِى على نَفسهِ حُرُّ؟

وأى ُّ نَكيرٍ في هوًى شبَّ وقدهُ---بِقَلْبِ أَخِي شَوْقٍ فَبَاحَ بِهِ الشِّعْرُ؟

فَلا يَبْتَدِرْنِي بِالْمَلاَمَة ِ عَاذِلٌ---فإنَّ الهوى فيهِ لمُعتذرٍ عُذرُ

إذا لم يَكن لِلحُبِّ فضلٌ على النُّهى---لما ذَلَّ حَيٌّ لَلهوى ولَهُ قَدرُ

وَكَيْفَ أَسُومُ الْقَلْبَ صَبْراً عَلَى الْهوى---وَلَمْ يَبْقَ لِي فِي الْحُبِّ قلْبٌ وَلا صَبْرُ؟

لِيهنَ الهوى أنِّى خضَعتُ لِحُكمهِ---وَإِنْ كَانَ لِي فِي غَيْرِهِ النَّهْيُ والأَمْرُ

وإنِّى امرؤٌ تأبى لي الضَّيمَ صولة ٌ---مَوَاقِعُهَا فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ حُمْرُ

أَبِيٌّ عَلَى الْحِدْثَانِ، لاَ يَسْتَفِزُّنِي---عَظيمٌ، ولا يأوي إلى ساحتي ذعرُ

إذا صُلتُ صالَ الموتُ مِن وكراتهِ---وإن قُلتُ أرخى مِن أعنَّتهِ الشِعرُ

قال الناصري باسل: ماذا تقصد؟

قال أمجد:

إنه كان على الدولة التي تتزعم الاتجاه القومي العربي أن تلزم المسؤولين فيها بألا يتحدثوا إلا باللسان العربي، ولكن الكثير من مثقفي مصر، بل حتى الصبية يتباهون بضعفهم في (العربي).

- إن ذلك سيكون أمرًا مفتعلا، ألا ترى أنه من الأفضل التحدث إلى الجماهير العريضة بلغتها.

قال أمجد: أليسوا جزءًا من الشعب العربي؟ ومع ذلك فهذه الجماهير العريضة تسمع القرءان باللسان العربي الفصيح، بل وتسمع أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب العربية، وهي لن تجد صعوبة في متابعة خطاب بلغة عربية سهلة مثل لغة الصحف مثلا، إنه من الواجب الارتقاء بالناس، وليس النزول إلى مستواهم.

ولكن لا شك أنك تعلم جيدا أن المسؤولين والوزراء لا يتحدثون بالعربية الفصحى لأنهم لا يجيدون التحدث بها!

قال أشرف: ألا تعلمون أن محمد علي الذي تطعنون في مصريته وعروبته هو الذي أسس مدرسة الألسن والمطبعة الأميرية، وأمر بترجمة أمهات كتب العلوم والصناعات والكتب العسكرية إلى العربية، كما أمر بطباعة أمهات الكتب العربية القديمة، كل ذلك دون أن يجمع حوله مجموعات من الفنانين والطبالين يسبحون بحمده ويقدسون له ويتغنون به كزعيم للأمة العربية، ويشيدون بعظمة إنجازاته، وهو الذي أسس لمصر إمبراطورية أكبر من التي كانت لها في عصورها القديمة شملت أكثر المشرق العربي.

ولقد حقق لمصر كل ذلك رغم أنف الشعب الذي كان يقوده المشايخ، ويحرضونه على رفض أي خطوة تقدمية، والذي كان قد بلغ الذروة في الجهل والتخلف والانحطاط، وكان أكثر من نصفه يعانون من الرمد، ولم يكن يعرف من الدين إلا الدعاء للسلطان العثمانلي بالنصر على أعدائه وأن يغنم نساءهم وأطفالهم ليستمتع بهم بينما يتعذبون هم بخوازيق حثالته وكلابه ولصوصه!!

*******

1

1.png