top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 195، دروس وعبر من التاريخ، نسخة پي دي إف، 2022، (1)

حوار مع نخية من دوابّ همجستان

حلّوف: أنتم الدولة الوحيدة التي حكمها مماليك

مصري: المماليك باسم مصر كانوا يحكمون أيضًا سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والحجاز وشمال السودان، وكانت مصر أقوى دولة في عصرهم، ألقت بالصليبيين في البحر، هزمت كل جيوش المغول والتتار والسلاجقة، وكانت مصر في عهدهم مقر الخلافة العباسية، ومُعترف لها بمكانة خاصّة في كل العالم الإسلامي، ومن قبل مصر قامت دولة مملوكية في الهند من سنة1206 إلى سنة 1290، ويعتبر السلطان قطب الدين أيبك مؤسس تلك السلطنة وهو تركي مملوك من قبائل أيبك.

خنزير: ولكن المماليك ليسوا مصريين.

مصري: بل كانوا مصريين، ولا يعرفون لهم وطنًا إلا مصر، جيء بهم إلى مصر صغارا، تلقوا فيها تعليمًا دينيا وعسكريا رفيعا، مصر وطن، وليست سلالة عرقية، وفي العصور الوسطى لم تكن هناك حدود رهيبة بالمعنى الموجود الآن، كان يمكن أن يلأتي إلى مصر مثلا أشخاص من العجم أو من المغرب أو من الأفارقة ويستقروا فيها دون مشاكل، أنت مثلا من سلالة خنازير غير مصرية، ومع ذلك تتمتع بكافة حقوقك كخنزير، ولا يُطالبك أحد بالعودة إلى موطن الخنازير الأصلي.

حلّوف: أنتم الدولة الوحيدة التي حكمها مماليك

مصري: المماليك باسم مصر كانوا يحكمون أيضًا سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والحجاز وشمال السودان، وكانت مصر أقوى دولة في عصرهم، ألقت بالصليبيين في البحر، هزمت كل جيوش المغول والتتار والسلاجقة، وكانت مصر في عهدهم مقر الخلافة العباسية، ومُعترف لها بمكانة خاصّة في كل العالم الإسلامي، ومن قبل مصر قامت دولة مملوكية في الهند من سنة1206 إلى سنة 1290، ويعتبر السلطان قطب الدين أيبك مؤسس تلك السلطنة وهو تركي مملوك من قبائل أيبك.

خنزير: ولكن المماليك ليسوا مصريين.

مصري: بل كانوا مصريين، ولا يعرفون لهم وطنًا إلا مصر، جيء بهم إلى مصر صغارا، تلقوا فيها تعليمًا دينيا وعسكريا رفيعا، مصر وطن، وليست سلالة عرقية، وفي العصور الوسطى لم تكن هناك حدود رهيبة بالمعنى الموجود الآن بين الدول، كان يمكن أن يأتي إلى مصر مثلا أشخاص من العجم أو من المغرب أو من الأفارقة ويستقروا فيها دون مشاكل، أنت مثلا من سلالة خنازير غير مصرية، بل إن مصر ليست هي الموطن الأصلي للخنازير أصلا، ومع ذلك أنت تتمتع بكافة حقوقك كخنزير، ولا يُطالبك أحد بالعودة إلى موطن الخنازير الأصلي.

(يُتبع)

جرذ: ولكن كيف رضيتم أن ينشأ عندكم نظام كهذا؟

مصري: من قبل أن ينشأ نظام المماليك في مصر كان العباسيون قد أحدثوا في المنطقة الاستعانة بالترك كجند مرتزقة، وذلك في عصر المجرم الشهير أبي جهل المعتصم، فسيطروا على الدولة، وأصبح الخليفة ألعوبة في أيديهم، وانصرف أهالي المنطقة بصفة عامة عن أمور الحرب، ولقد فشل الترك السلاجقة في التصدي للصليبيين والتتار والمغول، وتركوا أهالي المنطقة فريسة لهم.

وكانت ظروف العصر تستلزم وجود جنود ينشؤون في نظام ديني عسكري منذ طفولتهم، حتى يكتسبوا ما يلزم من مهارة وقوة وجلد، وقد نشأت نظم فروسية مشابهة في أوروبا، وكان هؤلاء هم قادة الحملات الصليبية ضد المنطقة، ولم يستطع التصدي لهم، وإلحاق هزائم حاسمة ونهائية بهم إلا المماليك، الحاجة أم الاختراع، كان لابد من وجود نظام المماليك لإنقاذ الأمة من الاستئصال على أيدي أعدائها، أنت مثلا جِرْذ كأسلافك، هل كان يمكن لأسلافك الجرذان مهما كثر عددهم أن يتصدوا لجيوش كثيفة من المقاتلين الأشداء؟!

نسناس: لا تنس أن النسانيس هم سكان مصر الأصليون، وأنهم أصحاب الحضارة المصرية القديمة، التي تنسبونها أنتم لأنفسكم مع أنكم خليط من الآسيويين والأوروبيين.

مصري: اسكت أنت أيها النسناس الآن، هل داس أحد على ذيلك؟ النسانيس أصلا لا تستطيع بناء حضارة، الحضارة تنشأ في بيئتها المناسبة، وليس في الغابات، ولم يطالبك أحد بالعودة إلى الغابة، حضارة مصر خاصة فقط بمصر وبأهل مصر الذين أسسوها بالتكيف مع بيئتهم الخاصة وحسن الانتفاع بها، ومازالوا يضيفون إليها ويُدافعون عنها

(يُتبع)

ابن عِرْس: أتنكر أن المماليك كانوا يحتلون مصر؟!

مصري: هل أبوك العرْس هو الذي قال لك ذلك؟

ابن عِرْس: يا لك من جاهل! أبي أيضًا هو ابن عِرْس، ابن عِرْس هو اسم جنسنا، وهو من أسرة العرساوات من فصيلة العرسيات من رتبة اللواحم، فنحن نلتقي مع الأسود والنمور في رتبة اللواحم.

مصري: يا له من نسب عريق، وماذا أقول عندما أريد أن أخاطب شخصًا بعينه من الشعب العرساوي؟

ابن عِرْس: لا تتهرب، أتنكر أن المماليك كانوا يحتلون مصر؟!

مصري: المماليك كانوا بضعة آلاف من الفرسان المتمصرين أو المصريين، أكثر سلاطين المماليك البحرية مثلا هم من أولاد وأحفاد قلاوون الألفي، وهم مولودون في مصر، فهم كانوا يستوطنون مصر، ويحكمونها من داخلها، وينفقون أموالها فيها، ويدافعون عنها، وكانوا يحكمون أيضًا دولًا أخرى، منها سوريا وفلسطين ولبنان والحجاز وجنوب الأناضول وشمال السودان، أي أكثر دول الشرق الأوسط وقلب العالم الإسلامي.

الاحتلال هو، مثلا، أن يجتاح بلادك عرسستان جيش من القطط المتوحشة ويفرض عليكم جزية ثقيلة، تُحمل إلى بلادهم، الاحتلال هو ما قام به الرومان قديما والمغول عندما احتلوا البلاد من المحيط الهادي إلى نهر الفرات، والعثمانيون والفرنسيون في الجزائر .... الخ.

ورغم اتساع دولة المماليك فإنهم يُذكر لهم بالخير أنهم لم يفرضوا جزية على أي بلد كان تابعًا لهم خارج مصر، وذلك بعكس الخلفاء القرشيين والأمويين والعباسيين من قبلهم والعثمانيين من بعدهم، وكلهم كانوا لا يقبلون في نهب موارد البلاد التابعة لهم لومة لائم، وكان مقياس أفضلية الوالي عندهم أن ينهب أكبر كمية من أموال البلد التي ابتليت بهم.

(يُتبع)

جربوع: ولكن بلدكم تعرضت لغزوات وهزائم واحتلالات كثيرة

مصري: أنت من دويلة فقاعة الظريفة، عمر دويلتكم أقل من قرن، الذي جعل لها كيانا هو الشيطان الغربي من بعد أن قضى وطره منكم، وتغيرت الأوضاع العالمية، ولم يعد هناك جدوى من الصورة الإمبريالية القديمة، أما مصر فقد كانت دولة موحدة منذ أكثر من 5400 سنة في قول المؤرخين، وعمرها الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، فلا يمكن أن تنبثق هذه الحضارة الهائلة فجأة، والمؤرخون الأوائل كانوا يحاولون اختزال عمر الحضارة المصرية حتى لا يتضح كذب ما ورد في كتبهم المقدسة من أن بدء الخلق كان قبل الميلاد بـ 3761 سنة وثلاثة أشهر!! وانحيازًا إلى الحضارة السومرية التي كانوا يظنون أنها آرية!

وبالتالي فلا مجال لمقارنة تاريخ دويلتكم بتاريخ مصر، عليك أن تنتظر ستين قرنًا على الأقل لترى ما سيحدث لدويلتكم، وعندها يمكن عمل مقارنة عادلة.

والقوى والاحتلالات الأساسية التي تعرضت لها مصر كانت من الفرس والرومان والعثمانيين، هؤلاء كانوا هم القوى العظمى في عصورهم، وقد أخضعوا كل هذه المنطقة فبل أن يأتوا إلى مصر، ولم يحتلوها إلا بعد معارك طاحنة معروفة تاريخيا، كما ساعدهم بعض الخونة الذين لا يخلو منهم زمان أو مكان، تخيل أن هذا العالم لم يعد فيه إلا قوة عظمى واحدة، هي أمريكا مثلا، وأنها قررت احتلال أوروبا، مثلا، ستحتل أكثر دولها بكل سهولة، سيدافع الألمان، الفرنسيون، مثلا، عن بلادهم بكل قوة، ولكنهم سينهزمون في النهاية.

وفي المقابل، تغلبت مصر على قوى عاتية عديدة حاولت احتلالها، ومن ذلك شعوب البحر الذين كانوا قد قضوا على القوة العظمى الأولى في المنطقة؛ وهم الحيثيون، واستولوا على كل المنطقة، ثم هاجموا مصر من الشرق والغرب والبحر، فهزموا هزائم ساحقة في كل اتجاه.

وفي العصور الوسطى تعرضت مصر لحملتين صليبيتين هائلتين، وانتصرت مصر عليهما، وأسرت ملك فرنسا، أقوى ملك غربي في عصره، وكل نبلاء أوروبا الذين اشتركوا في الحملة.

ثم أتى التتار والمغول، من بعد أن اكتسحوا العالم من أول الصين إلى الشام، ودمروا كل المدن الكبرى، وأبادوا سكانها، وعلى رأسها بغداد، فهزمتهم مصر وحررت الشام، وقد تكررت محاولاتهم لغزو مصر، وهُزموا في كل مرة، ومن أبرز انتصارات الجيش المصري عليهم معارك البستان، حمص، مرج الصفر.

أما أنت أيها الجربوع الصغير، فليس لكم أي تاريخ عسكري أصلا، ولو حدث أي خلل في ميزان القوى العالمي ستنتهي فقاعتكم وتذهب أدراج الرياح، فهي مجرد كيان مفتعل.

جربوع: ولكننا لا نذكر عنكم إلا ما تقولونه أنتم

مصري: أنت محقّ في ذلك أيها الجربوع الظريف، ذلك لأن كل نظام جديد ينشأ في مصر يجد نفسه يواجه مشاكل بالغة التعقيد، تفوق قدراته وإمكاناته، وعندما يجد أنه سيفشل حتمًا في مواجهة التحديات التي ثار بسببها على من سبقه أو حلّ محله بأي وسيلة، مشروعة أو غير مشروعة، فإنه يعمد لتوِّه إلى شيطنة النظام القديم، بل وإلى النيل من تاريخ بلده الذي يجهل أكثره، ثم تتولى فرقة المنافقين والطبالين والغوغاء والسفهاء جعل مقولاته من المقدسات والحقائق المطلقة، ولكن لماذا تشغل أنت بالك بشؤون مصر بالذات، لو قرأت تاريخ إيطاليا أو فرنسا أو روسيا .... الخ ستجده حافلا بالهزائم والانتصارات، لماذا لا تركز على شؤون دويلتكم جربوعيا العظمى وتحاول أن تصنع لها تاريخا؟

*******

1

bottom of page