حوار في المتحف المصري حول القومية

انضم إليهم محسن في المرحلة الإعدادية، حدث التآلف سريعًا بينهم، كان محسن شديد الحبّ لمصر مثل أمجد وأشرف وباسل، كان أيضًا حادّ الذكاء، قادرًا على التعبير عن نفسه بعبارات قوية.

ولكنه لم يكن من النوع الذي يسلِّم بكل ما يُلقى إليه، كان كثير الجدل مرهقًا للمدرسين، كما كان عالي الثقافة مقارنة بالتلاميذ في سنه.

كانت انتقادات محسن وتساؤلاته في شتى الأمور من الأسباب التي كانت تدفع أمجد إلى تقديم الإجابات التي يراها منطقية، كما ساهمت في انهيار الهيبة التي كانت تحظى بها تلك المذاهب الدينية أو الاجتماعية عند الآخرين.

تعرفوا أيضًا على سمير في المرحلة الإعدادية، كان سمير مولعًا بالقراءة، كان (دودة كتب) كما يقولون، وكان وطنيا يزدري الاتجاه القومي العروبي، سعد أمجد بما لديه من ذكاء ومن ثقافة واسعة متعددة الأبعاد.

كان سمير بذلك على النقيض من باسل الذي ناصريا عروبيا متطرفا، وكان يزدري أي تاريخ سابق على ظهور الإسلام وانتشار العربان في البلدان، ولكنه مع ذلك كان يقدس أبطال العربان في العصر الجاهلي، كان يفضل عنترة بن شداد على تحتمس الثالث مثلا.

كان باسل يعتقد اعتقادا راسخا أن التاريخ قد بدأ بالعرب، لم يكن يقيم وزنًا لأي حضارة سبقت ظهور الإسلام، كان ينظر إلى الرسول ليس كرسول نبي فقط، ولكن كقائد للأمة العربية ومؤسس لأمجادها، كانت العروبة عنده هي جماع الفضائل، كان يعتقد أن الجزيرة العربية هي مهد كل شيء جميل وهام في هذه الحياة.

وعندما كانوا في المرحلة الثانوية وقف الأصدقاء ذات يوم في المتحف المصري أمام أحد التماثيل الفرعونية بالغة الضخامة والتناسق، كان تمثال الملك أمنحتب الثالث في بهو المتحف، وبجانبه زوجته الملكة "تي".

قال سمير لباسل ساخرا: "انظر إلى الضخامة والفخامة والتناسق والجلال، أليس هذا أفضل من كل ما عبده العرب من أصنام قبيحة شائهة؟ ألم يكن من الأجدر بكم أن تعبدوا تمثالا كهذا؟

وانظر إلى مليكته التي تجلس بجواره بكل أبهة واحترام، ماذا كان وضع المرأة عند أعرابكم المقدسين بعد هذا الملك بعشرات القرون؟ بل إلى الآن؟"

كان باسل يتميز غيظا بينما كان أمجد يضحك من موقف باسل المهين.

صرخ فيهم باسل: "وهل قال وثنكم هذا شيئا مثل معلقة عنترة؟ ألم تقرؤوا قوله؟

هَلاَّ سأَلْتِ الخَيـلَ يا ابنةَ مالِـكٍ

إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِـمَا لَم تَعْلَمِـي

إِذْ لا أزَالُ عَلَى رِحَالـةِ سَابِـحٍ

نَهْـدٍ تعـاوَرُهُ الكُمـاةُ مُكَلَّـمِ

طَـوْراً يُـجَرَّدُ للطَّعانِ وتَـارَةً

يَأْوِي إلى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْـرِمِ

يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي

أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ

ومُـدَّجِجٍ كَـرِهَ الكُماةُ نِزَالَـهُ

لا مُمْعـنٍ هَـرَبا ولا مُسْتَسْلِـمِ

جَـادَتْ لهُ كَفِّي بِعاجِلِ طَعْنـةٍ

بِمُثَقَّـفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَـوَّمِ

فَشَكَكْـتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيابـهُ

ليـسَ الكَريمُ على القَنا بِمُحَـرَّمِ

فتَـركْتُهُ جَزَرَ السِّبَـاعِ يَنَشْنَـهُ

يَقْضِمْـنَ حُسْنَ بَنانهِ والمِعْصَـمِ

أنشد باسل القصيدة بكل فخر وإجلال، حتى فرغ فنظر إليهم نظر المنتصر عليهم!

قال أمجد: "رغم أنهم يقولون إن أكثر الشعر الجاهلي منحول إلا أن هذه القصيدة تعبر بالفعل عن شخصية حقيقية عانت الكثير من عنصرية وعنجهية الأعراب، ولا شك أنها تظهر قيمة الشجاعة والعفة وعدم التكالب على الغنائم.

ولكن في المقابل، ما هي جدوى وصفه لتمزيقه إنسانًا بهذه الصورة، وما هي جدوى قوله بأنه تركه للسباع ليأكلوه؟

ماذا يمكن أن يكون أثر ذلك على نفوس من يتلقون هذا الكلام بمثل تلقيكم له؟

هل يمكن أن يكون هذا شعرًا حقيقيًا؟ إنه من الأمثل اعتباره مجرد كلام منظوم، وحتى تعلم أنه ليس بشعر حاول أن تترجمه إلى أي لسانٍ آخر، وستكون المفاجأة مذهلة بالنسبة لك، على الأقل لن تجد أكثرها إلا معاني همجية بدائية، معبرًا عنها بأسلوب ركيك".

إن قصة عنترة تدين عنصرية الأعراب، فهي عليك، وليست لك.

قال أشرف: لا عليك يا باسل، أنا من أنصار القومية العربية، وأنا أرى أنها السبيل الوحيد لبناء دولة كبرى وقوية في المنطقة تتصدى لأعدائنا التاريخيين، عربًا كنَّا، ونبقى عربا.

لم يتلق باسل تأييد أشرف بما يجب من الترحيب، كان يعلم شدة ولعه بالتاريخ المصري القديم، قال:

ولكنكم مصابون باللوثة الفرعونية، لماذا لا نركز على الهوية العربية لبلادنا؟ ألن يكون ذلك أفضل لتحقيق الوحدة العربية المرجوة؟ إن كل العرب يتطلعون إلى مصر لقيادتهم.

قال أمجد: إنه حتى على مستوى مصر يتنوع المصريون من حيثيات مختلفة، فإذا كان لا يمكن صبّ كل المصريين في قالب واحد فكيف تريد أن تفعل ذلك بشعوب عديدة متعددة الأصول تسكن منطقة كبيرة من الكرة الأرضية تمتد من المحيط إلى الخليج؟

قال باسل: ألا يستلزم تكوين دولة عربية كبرى بعض التضحيات؟

قال أمجد: ولكنك تطالب بالمستحيل، لا يمكن التضحية بما هو من لوازم هوية كل فرد، باختصار؛ لا يمكنك أن تجعل من المصري سوريًّا، ولا من المغربي سعوديا!

قال باسل: ولمَ لا؟ هلا سمعت شيئا من خطب الزعيم الخالد؟

قال أمجد: وهل طالبك الزعيم الخالد بألا تكون مصريا؟ الزعيم هو وليد الوطنية المصرية، ولم يتبنَّ الاتجاه العروبي إلا من بعد تسلمه السلطة ببضع سنين.

قال باسل: ولماذا لا تكون القومية العربية بمثابة أيديولوجيا لنا؟

قال أمجد: كيف يمكن أن تكون القومية أيديولوجيا؟ هذا نوع من الخلط الخطير! لا يحق لأحد اعتبار القومية العربية أيديولوجية، ولا أدري كيف يمكن تبني مغالطة كهذه؟ هل يمكن أن تجعل انتماءك لعائلتك أيديولوجية؟

هل يمكن لأحد أن يجد أي عامل مشترك بين المذهب البروتستانتي أو الاشتراكية مثلا من ناحية وبين القومية الإنجليزية من ناحية أخرى؟ إذا استوعبت جيدا هذه الحقيقة سيتبين لك أن أكثر خطب الزعيم الخالد عن القومية هي مجرد لغو أو هذيان.

انتفض باسل وكأنه سمع تجديفًا خطيرا، همَّ بالصياح، ولكن عاجله أمجد بقوله:

هدئ من روعك، وثق أن ما يُسمَّى بالقومية العربية لم تظهر إلا في هذا العصر لأسباب لا مجال لذكرها الآن.

أما على مدى التاريخ فكانت الحرب هي العلاقة السائدة بين الدول المسماة الآن بالعربية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

قال باسل: ألم يقم صلاح الدين بتوحيد العرب؟ ألم يتمكن بذلك من القضاء على الفرنجة وتحرير بيت المقدس؟

قال أمجد: كأنك تتكلم عن الزعيم الخالد في صورته القديمة، ألا فلتعلم أن صلاح الدين كردي تركماني، وكانت أسرته تخدم في جيوش السلطان السلجوقي التركماني نور الدين زنكي، فهو لم يكن عربيا، كان اسم أخيه توران شاه، وهو الذي استولى له على اليمن، واسم أخيه الآخر طغتكين، وهو الذي خلفه فيها، وآخر ملوك الأيوبيين في مصر كان اسمه توران شاه أيضًا، وكانت نهايته البشعة المهينة تليق بتلك الدولة!

هاجمه مماليك مصر البحرية وضربوه بالسيوف فهرب منهم لكشك خشبي فأحرقوه عليه، فهرب منه ورمى نفسه بالنيل، فضربوه بالسهام والنبال فقتل جريحًا غريقًا حريقًا.

وكان أكثر جنود صلاح الدين من التركمان السلاجقة، وعندما أتى إلى مصر ساعدته الظروف، ثم اكتشف ما اكتشفه القادة من قبله ومن بعده، وهو أنه باستيلائه على عرش مصر سيكون أقوى حاكم في المنطقة، فسعى إلى ذلك بكل ما أوتي من قوة ودهاء، وفي سبيل ذلك خان سيديه الخليفة الفاطمي ونور الدين زنكي، كما اقترف جرائم بشعة.

لقد خان صلاح الدين سيده الفارس التقي النبيل نور الدين، فلم يكن أمام نور الدين إلا أن يؤدبه، وجهز الجيش بالفعل لمحاربته، ولكنه توفي فجأة، لم يتورع صلاح الدين عن مهاجمة أبنائه والاستيلاء على إماراتهم الشامية لتوسيع مملكته إلى المدى الأقصى، وهو لم يفعل بذلك إلا ما فعله البطالمة والطولونيون والإخشيديون والفاطميون من قبله، وما سيفعله المماليك ومحمد عليّ من بعده، بل هو ما حاول نابليون أن يفعله، وهو لم يزعم أبدًا أن ذلك كان بدافع إيمانه بالقومية العربية.

قال باسل: باختصار شديد، أليس اتحاد الدول العربية هو الوسيلة الوحيدة لبناء قوة عظمى في الشرق الأوسط تتصدى لأعدائنا التاريخيين؟

قال أمجد:

أولًا، تحقيق هذا الاتحاد ليس الوسيلة الوحيدة لبناء قوة عظمى في الشرق الأوسط، يمكن لمصر أن تكون تلك القوة العظمى لو أخذت بقوة وجدية بأسباب التقدم، بل إن ضمَّ أي دولة عربية أخرى إليها سيكون عبئا باهظ التكاليف عليها، ألم تكن السودان جزءًا من مصر؟ ماذا صنعت مصر به؟ لقد كانت تنفق عليه من خزانتها الخاصة، ومع ذلك يوجد هناك الآن أشد الناس كراهية لمصر.

ثانيا، تحقيق هذه الوحدة لن يكون إلا بالاندماج عن طواعية، وقد فشل ذلك لأسباب عديدة، أو باستعمال القوة، وهو ما لن يسمح به الموقف الدولي، وقد يستغلون الموقف لشغل الدويلات المسماة بالعربية بحروب ضروس فيما بينها، وذلك لإدارة عجلة مصانع الأسلحة، ولإنعاش تجارة السلاح، فلا جدوى من تبني عقيدة القومية العربية

 *******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 419