أزهار البستان في عجائب همجستان

حوار مع حمار

الجدول

حوار مع حمار


ذات يوم استيقظ الأستاذ على أصوات غريبة ومدوية في الشارع، يا للهول! إنها أصوات مجموعة من البهائم يختلط فيها نهيق الحمار بخوار الثور بنقيق الضفدع بنباح الكلب بقهقهة القرد بعواء الذئب ... الخ، أطل من شرفة البيت ليرى ماذا يحدث، لم يصدق عينيه من هول المفاجأة، ظن أنه في كابوس مرعب، رأى حمارا ضخما بطريقة غير عادية يتصدر حشدا كبيرا من البهائم، ما إن رآه الحمار حتى أطلق نهيقًا مرعبا، ثم أخذ يصرخ: ها هو ذا!

تعجَّب الأستاذ عندما رأى حمارا يتكلم، ولكن باعتبار خبرته الطويلة وعلمه بطبيعة العصر والثورات التي تزلزل المنطقة تقبل المفاجأة، صرخ فيه الحمار صرخة مدوية: ألست أنت الذي تعلم أولادنا أن 2+3 = 5؟

قال الأستاذ: لا أعمل بتعليم البهائم أصلا، هذا ليس تخصصي!!

قال الحمار: ألا تعلِّم ذلك لأولاد الإنس؟

قال الأستاذ: وما دخلك أنت بأولاد الإنس؟

قال الحمار: إنهم أيضًا أولادنا، ونحن أحرص عليهم منك! أليسوا إخوة لنا في المملكة الحيوانية كما تقر بذلك أنت وغيرك؟ لو تركناك لتضللهم سيهلكون ولن نجد من يقدم لنا العلف!

قال الأستاذ: يا له من منطق حميري فذّ، ولكن ما دليلك على أني أقول بذلك؟

قال الحمار: لقد سمعك ابني الجحش تقول ذلك وصدق على كلامه العجل الصغير ابن الثور الكبير.

قال الأستاذ: على العموم ماذا في ذلك؟ إن 2+3=5 بالفعل!

قال الحمار: ها قد اعترفت!! إذًا انزل إلينا أيها الدجال لنثبت لك خطأك ولنفضح حقيقة أهدافك!

نظر الأستاذ بأسى إلى حشد البهائم المتحفز والذي يتميز غيظا، تذكر في نفسه كيف جاهد طويلا من أجل أن يحصل كل بهيمٍ منهم على كافة حقوقه واحتياجاته من البرسيم والماء والعلف، خاصة وأنه عضو فعَّال في جمعية الرفق بالحيوان.

ولكنه تمالك نفسه وقال له: لنبدأ بالجزء الثاني، ما هي حقيقة أهدافي؟

صاح الحمار: أتتلاءم علينا؟ أتحاول أن تخدعنا؟ ألم أشرح لك أحدها؟ ولم تستطع أن تكذبه؟ أما الثاني فهو أنك تريد أن تقضي على عالم البهائم؟

قال الأستاذ: حقًّا؟ ولكن كيف؟

قال الحمار: بتحويله إلى بشر!

قال الأستاذ: وكيف؟

قال الحمار: عندما يهلك البشر سيضطر البهائم لاقتراف ما تأباه طبيعتهم؛ التفكير المضني للحصول على طعام؛ فيتحولون إلى بشر وينقرض عالم البهائم كما حدث مع الديناصورات من قبل، ألم تسمع عن نظرية التطور أيها الجاهل؟

أُخِذ الأستاذ بمنطق الحمار وطريقة إدارته للحوار، وبدأ يتعاطف معه، ولكن فجأة هاج البهائم من جديد وتعالى هتافهم ضده: يسقط يسقط عدو البهائم!!

صاح الحمار: ولذلك فأنت تعلِّم أبناء البشر كل ما هو زيف وضلال وباطل، هل تعتقد في قرارة نفسك حقًّا أن 2+3=5؟ أم أنك ضالع في مؤامرة كبرى للقضاء على البهيمية؟ انزل أيها الدجال المدلس لنثبت لك خطأك!

قال الأستاذ: ولماذا يلزم النزول أستطيع أن أثبت لكم ذلك من هنا والآن، وباستعمالكم أنتم! تعالى صياح البهائم! كلا، بل نريدك أن تأتي معنا إلى حظيرة البهائم لنثبت لك ذلك هناك على مرأى منهم جميعا، وبطريقتنا الخاصة.

أدرك الأستاذ أن طريقتهم الخاصة لن تكون إلا خليطًا من الرفس والركلات والصياح المرعب، تمالك نفسه ثم قال:

وما الذي يضطرني إلى ذلك؟ ولماذا الانتظار؟ قلت لكم: أستطيع أن أثبت لكم ذلك من هنا والآن!

تعالى صراخ البهائم: إننا نريد أن نكشف أمرك ودجلك لكل البهائم الآخرين، لابد من فضحك على رؤوس البهائم، قال الأستاذ: يستطيع الشاهد منكم أن يعلم الغائب، أليس كذلك؟ لنبدأ الإثبات.

صاحوا من جديد: إنك تتهرب، ألم نقل لكم إنه ليس لديه حجة؟ أرأيتم لقد هزمناه، هزمناااااه! لقد رفض النزول، إنه يتهرب، إنه أستاذ في الفرار!!

اختلطت أصواتهم البهيمية في ضجيج مرعب، انتظر الأستاذ حتى هدئوا قليلا، ثم قال: والآن استمعوا لي! ليتجه اثنان منكم نحو اليمين.

تعالى صياحهم من جديد، إنك تتهرب، إنك تتملص، هرب الأستااااااااااذ، يا للفضيحة، إنه الهروووووب!!!

أخذ الحمار يصيح بقوة 2+3 لا تساوي 5.

قال الأستاذ: وما شأنك أنت أيها الحمار بالعمليات الحسابية؟

قال الحمار: ألا تعلم أيها الجاهل الجهول المجهال أنني كنت أقوم بتوصيل الكتب المدرسية لطلبة المدرسة الابتدائية في القرية؟

قال الأستاذ يا له من دليل دامغ وبرهان ساطع!

ولكن قل لي: ألم يعطوك ما يلزم من البرسيم اليوم؟؟ أخذ البهائم الآخرون ينظر بعضهم إلى بعض في عجب وذهول، هذا صحيح! لم يأت للحمار نصيبه المعتاد من البرسيم منذ عدة أيام وليس من اليوم فقط.

وُجِم الحمار، عقدت الدهشة لسانه وكف النهيق، أثار سكوته البهائم، بدئوا يتهامسون: يبدو أن هذا الحمار ورَّطنا، ربما كان سبب هذه المظاهرة أنه قد اشتد به الجوع، أخذت همهمات البهائم بأنواعها المتنوعة تتصاعد، وجد الحمار أنه سيفقد سيطرته على باقي البهائم، وهي السيطرة التي ورثها كابرا عن كابر، أو بالأحرى حمارا عن حمار، استعاد رباطة جأشه، نظر إليهم وأطلق نهيقا مرعبا متواصلا وأبدى استعداده للرفس، استعاد السيطرة على الموقف، كان له كاريزما هائلة! أخذ يصيح من جديد بقوة، قولوا معي: 2+3 لا تساوي خمسة.

أخذ البهائم يهتفون وراءه بأصوات مدوية 2+3 لا تساوي خمسة، صاح الحمار: ألا ترى الآن؟ هناك إجماع على أن 2+3 لا تسوي خمسة، وقد تلقت ذلك أمة البهائم بالقبول، ولا نعلم مخالفا لذلك إلا أنت أيها المارق المفارق للملة المخالف للجماعة الخالع للربقة، نفض الأستاذ يديه يأسا منهم، أغلق النافذة.

أما البهائم فقد اعتصموا أمام البيت، لم يجد سكان الحي إلا أن يبلغوا الجهات المسئولة، حضرت فرقة مدربة، اقتادت البهائم إلى مأواها، تولى أصحاب الحظيرة تأديب البهائم، انكشف أمر الحمار، تقرر طرده من حظيرة البهائم، لم يجد إلا أن يؤجر نفسه لأحد العربجية القساة غلاظ الأكباد، استغله العربجي أبشع استغلال وسامه سوء العذاب.

بعد مدة سافر الأستاذ ليحضر مؤتمرا علميا، التقى أحد أصدقائه من بلد مجاور، أخذ يشرح له ما حدث، بعد أن انتهى، كان يحاول أن ينقل لصديقه الواقعة بكل تفاصيلها العجيبة المدهشة، انتظر أن يعبر صديقه عن عجبه واندهاشه.

فوجئ به يقول له بحسم: "إن بلدكم مازالت بخير!!".
صاح الأستاذ متعجبا: ماذا؟ بخير؟ ماذا تقصد؟".

قال صاحبه: "لقد حدثت نفس القصة تقريبا معي"، قال الأستاذ: "ماذا؟ هل هي ظاهرة عالمية جديدة؟ هل نحن على أبواب ثورة بهائمية أو على الأقل "ربيع بهائمي؟" ولكن ماذا تقصد بقولك: "إن بلدكم مازالت بخير"؟ قال صاحبه: "في بلدنا تم تعيين الحمار المناظر معلما، كانت حيثيات التعيين أنه تمكن من إفحام أحد المعلمين وفضحه على رءوس البهائم، لقد اعتبروا إغلاقي النافذة إقرارا بالهزيمة!!"

في الحقيقة نحن مدينون لهم بالشكر، فهم السبب المباشر لكتابة هذه القصة من روائع الأدب العالمي! ولو رأيت هذا الحمار مجددا لقدمت إليه ما لذّ وطاب من أجود أنواع البرسيم.

*******

1

1.png