top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 216، موسوعة رسائل وتعليقات منشورة بواسطة مؤسسة الأمانة، 202، (1)

إن اللسان العربي من الألسنة الفريدة التي يمكن أن يكون للدلالة المعنوية للفظ أسبقية على الدلالة الحسية، فاللفظ شجر على سبيل المثال ليس مشتقا من الشجرة الحسية، بل إن اللفظ المعنوي هاهنا سابق بالضرورة على المعنى الدارج.

*******

قال تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18)} نوح17

هاهنا إشارة إلى النشأتين الأولى والآخرة، وكما نبتت الأجساد من الأرض أول مرة عبر مراحل عديدة، ستخرج منها مرة أخرى بخلق جديد، والإعادة أيسر من البدء.

*******

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يس82

قال تعالى "فيكون" لأن كينونة الشيء ستستمر في عالمه المناسب، فالشيء يحتاج إلى مدد مستمر من عالم الأمر ليستمر كائنا؛ أي ليستمر على الحالة التي هو عليها، ولولا هذا المدد الأمري لعاد الشيء إلى أصله العدمي، وفي ذلك إشارة إلى اسمه "القيوم"، فهو القائم بذاته الذي قام به كل شيء.

*******

أبسط مسلم يعلم أنه لا يعبد الكعبة عندما يطوف بها، وإنما هو يعظمها بأمر ربه، ذلك لأنه نسبها إلى نفسه، فهي رمز وحدة الأمة عبر الزمان والمكان من أول إبراهيم عليه السلام إلى آخر مسلم، وكان المحب العربي قديما يعظم الأطلال القديمة ويقف عندها ويبكي عندما يتذكر حبيبته، ولا يوجد دين من الأديان إلا وله رموزه الخاصة المقدسة عنده!

*******


النفس الإنسانية لا وجود لها إلا في صورة زوجين.

النفس الواحدة ظهرت في صورتين.

*******

يحب التعامل مع العبارات القرءانية باعتبارها كاملة في ذاتها ويثني بعضها بعضا، فلا يجوز تقدير كلمات أو عبارات بزعم أنها ناقصة، أو لا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، ولكن يجوز اختصار ما هو مفهوم ضمنا، فالقرءان كتاب عربي.

*******

القرءان يخاطب من يفقهون ومن يعلمون ومن يعقلون، والاستنكارات القوية لا يلزم بيان جوابها، بل يكفي وجودها، مثل: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}الرعد33، {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}الزمر22

فالعربية لسان حي ديناميكي، وليس لسانا جامدًا آليا.

*******

كان طلب بني إسرائيل أن يتولى أمرهم ملك انحرافا على الخط العام، وقد استجيب لهم ابتلاءً لهم وبناءً على طلبهم وإصرارهم، وقبل ذلك كان الأنبياء والقضاة يسوسونهم، ولكنهم أصروا على استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

*******

سماء الأرض هي التي فُصِّلت بعدها!

*******

إن أمر الله تعالى للملائكة بالسجود يبين أنهم مخيرون، وهم يختارون الطاعة دائما، هذا بعكس الجن، فالجن قد يطيعون وقد يعصون، ومن المعلوم أن مثل هذه الأوامر هي أوامر تكليفية؛ لا تأتي مباشرة من الله تعالى نفسه، وإنما عبر وسائط عديدة، وإنما ينسب الله تعالى لنفسه ما كان بإرادته وتدبيره.

*******

القرءان كتاب حقاني، لا مجال فيه لأخيلة الشعر، وبلاغة العبارة لا تكون على حساب ذكر الحقيقة أبدا.

في القرءان: لا تناقض بين أن يكون النص معبرا عن الحقائق وبين أن يكون حيا موحيا جميلا مزكيا للنفس.

*******

لا يوجد ما يحتم أن يكون الحسي هو الأصل وأن المعنوي هو المجاز.

*******

القرءان يستعمل "ذاق" أساسا في الأمور المعنوية، وهذا هو الأصل، والذوق هو الإحساس الحقيقي الأصيل بالأمر معنويا كان أم حسيا، ولا يوجد ما يحتم أن يكون الذوق حسيا ثم استعير على وجه البلاغة للتعبير عن المعنويات.

الذوق هو الإدراك المباشر، وهو يكون بأية حاسة أو ملكة إنسانية، بل هو في الحقيقة من الملكات الجامعة للنفس، وما اللسان مثلا إلا أداة استشعار، ومجاله هو الأمور المعنوية والحسية، أما الذوق الكامل فيكون بالنفس، فالنفس هي التي تذوق الموت أو عذاب الخزي أو الخوف.... الخ

الذوق هو خاصية أو ملكة إنسانية، وأداة الذوق الرئيسة هي القلب الأصلي؛ أو بجماع الكيان الإنساني الجوهري؛ وهو النفس، ومجاله أساسا هو الأمور المعنوية، ويُلحق بها الأمور الحسية، وما اللسان مثلا إلا أداة استشعار للمركبات الكيميائية، والقلب هو الذي يترجم ما يتلقاه من أية مادة إلى ذلك الإحساس المعلوم، وأداة القلب في الكيان الإنساني المادي هو الجهاز العصبي المركزي.

*******

الملائكة كائنات سامية راقية لها إرادة واختيار وهم يدبِّرون ويفصِّلون ويختصمون ويتحاورون، وهم عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.

*******

أمران لا يمكن أن يجتمعا في شخص واحد: الإيمان الحقيقي بالله وكتابه ورسوله من ناحية والتفاني في طلب السلطة، المؤمن الحقيقي هو أزهد الناس في السلطة؛ وخاصة في هذا العصر.

ومن المفترض أن إمكانات الإنسان وقدراته هي التي تؤهله لولاية أي أمر، وأن تمكين الناس له في ذلك هو من باب أداء الأمانات إلى أهلها.

*******

من حين لآخر أفاجأ بأحد الأصدقاء يسألني على الخاص عما يطلع به بعض المجتهدين من الأعاجيب كأن يزعم أحدهم أن المسجد الأقصى ليس في فلسطين وإنما في العراق أو في القطب الشمالي أو في اليمن أو في موزمبيق أو قول آخر إنه اكتشف أن اليهود مسلمون أو أن بني إسرائيل لم يعيشوا في الأرض المعروفة بفلسطين أبدا أو أن الرسالة كانت في بصرى الشام أو أن النبي عيسى مدفون في الحجاز وليس في فلسطين أو أن آدم الذي أكل من الشجرة ليس هو آدم النبي أو أن الشجرة لم تكن شجرة أو أن الكعبة هي هرم خوفو أو أن الذي أسري به ليلا كان موسى أو أن معنى كلمة عربية في القاموس غير صحيح ويعطيها هو معنى من عنده ... الخ

أيها الأصدقاء! يوجد ما لا حصر له من المجتهدين الآن، وهم يكثرون وينتشرون كالدواعش تماما، ولا يوجد أي وقت للرد على ما ستجود به قرائحهم الخصبة وخيالهم الواسع من أقوال لا حصر لها، فرفقا بنا!

*******

كل مسلم يتأسَّى اليوم بالسلف الصالح فيرد مروية مثلما فعل البخاري الذي ردّ مئات الألوف من المرويات أو يشكك في أحد أصول (الفقه) التي أحدثوها مثلما فعل الشافعي مثلا ببعضها سينهض في وجهه كل عبيد السلف وسيرمونه عن قوس واحدة، وحجتهم الوحيدة: "وهل أنت مثله؟" !!؟؟!!! وكأنهم امتلكوا خزائن الفضل الإلهي والرحمة الإلهية وأحاطوا بكل شيء علما وأحصوا كل شيء عددا، هؤلاء هم شياطين الإنس الذين يتلاعب بهم شياطين الجن ضد بني الإنسان وضد أنفسهم!

وإلى عبيد نعال السلف يجب القول: نعم، يوجد من المسلمين المعاصرين من هم خير من البخاري والشافعي، فضل الله تعالى أوسع بكثير مما تتخيلون! وعطاء القرءان دائم ومتجدد.

*******

أساليب الدعوة السلمية هي من مقتضيات منظومة القيم الإسلامية الثابتة بثبوت القرءان الكريم، وهي حاكمة على كل ما هو من دونها، ولذلك يجب الضرب بأقوالهم في النسخ عرض الجدار

*******

ليست المشكلة هي كيفية إقناع مؤسسة كهنوتية بألا تتدخل فيما لا يعنيها، ولكن المشكلة هي في الشعوب التي تحيا في طفولتها التي تظن أنها الطفولة السعيدة وتحشى أن تخرج منها فتقيم من بعض الصبية أوصياء عليهم تستفتيهم في كل أمر وخاصة فيما لا يعنيهم!

*******

حدثت ردة هائلة أيام السادات باستيراد المذهب الوهابي السلفي والتمكين له وانتشار التدين الزائف العبيط وكذلك بسياسة الانفتاح وما ترتب عليها من انهيار القيم والأخلاق، بالطبع كنت هزيمة 67 هي المبرر الأساسي الذي استعملوه لاستيراد الشياطين وتمكينهم من مصر والقضاء على منظومة القيم التي تحفظ لها تماسكها، الهزيمة العسكرية لم تؤثر على مصر بل زادتها قوة وعزما وتصميما ظهر في حرب 73 التي ألقت الرعب في قلب إسرائيل وأنصارها، أما الهزيمة الحضارية بتمكين المذهب الوهابي السلفي فما زالت البلاد تعاني منها إلى الآن! ولا يدري أحد كيف يبرأ الناس من آثارها، وأخشى ما نخشاه أن يتلقى هذا الشعب ضربة مروعة، ولكنها قد تكون لازمة لتعيد إليه رشده وتجعله يراجع نفسه ويكفر بالدين الوهابي ويبحث عن الدين الصحيح، نرجو أن يعتبر الناس بغيرهم وألا ينتظروا لكي يكونوا عبرة لغيرهم.

*******

في الحقيقة القول بأن الإنسان لابد أن يفعل ما يفعله غير دقيق، الإنسان يعمل على شاكلته، أي وفق طبيعته الذاتية، ولذلك فهو مسئول عما يصدر عنه، وهو المحل الطبيعي لنتائجه وآثاره، وهذه الطبيعة له هو أن يعيد تشكيلها.

والقانون الأخلاقي غير خاضع للقانون الطبيعي، والفلسفة الحتمية لا تعبر بدقة عن الحقيقة حتى في العالم الطبيعي، وهناك كثير من الظواهر والكيانات ذات طبيعة شواشية Chaotic nature، وهناك أخرى ذات طبيعة عشوائيةnature  Random.

*******

1

bottom of page