حوار مثمر وبناء مع الشيخ منسوخ

الشيخ منسوخ بن منسي بن تلف بن سلف بن طالح بن هالك من أعلام المولعين بالنسخ حتى أنه كرَّس كل عمره لدراسة هذا العلم الخطير، وهو يواصل العمل ليل نهار لعله يكتشف شيئا في القرءان يكون منسوخا لم يستطع ابن حزم أو ابن حرب أو ابن كلب أو ابن سلامة أو ابن ندامة أو ابن تلامة ... الخ اكتشافه.

ذات يوم التقاه مسلم فأراد منسوخ أن يستعرض عضلاته المنسوخة عليه، وهكذا بدأ الحوار المثمر.

منسوخ: لماذا تنكر النسخ يا هذا؟

مسلم: لكلمة نسخ في العربية معنيان، وهناك تعريف للنسخ عند السلف الصالح وتعريف آخر عندكم، فأي نسخ تقصد يا أستاذ منسوخ؟

منسوخ: هه هه، على العموم لا أحب الجدل البيزنطي، أقصد بالنسخ تحديدا نسخ آية قرءانية الذي تنكره أنت!

مسلم: ماذا تقصد بنسخ آية قرءانية؟

منسوخ: يا لك من مجادل جاهل؟ ألم تقرأ؟ 

{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 106، 

كانت الآية القرءانية تنزل ثم بعد فترة تُنسخ أو ينساها الناس، وفي الحالتين كان ينزل خير منها أو مثلها.

مسلم: ماذا تقصد بالفعل "تُنسخ"؟

منسوخ: تُبطل أو تُلغى أو تُزال!

مسلم: إذاً في هاتين الحالتين من المفترض ألا تكون الآية موجودة في المصحف، أما الآية التي أُنسيت فلن نخوض الآن في نقاش كلام أسلافك وأسيادك بشأنها، أما الآية المنسوخة فمن المفترض ألا يكون لها وجود فيه لأنها بكل بساطة أزيلت، أليس كذلك؟

منسوخ: ............؟؟؟؟؟.........!!!

مسلم: الآيات التي زعمتم أنها منسوخة مازالت موجودة في المصحف تُتلى وتفسر، أليس كذلك؟؟

منسوخ: ها ها، يا لك من مدلِّس، لقد كدت تضلني عن الحق! وها قد تذكرت؛ الآية: تُنسخ يعني يُزال حكمها مع بقاء رسمها في المصحف! يُقرأ ويتلوه الناس للحصول على الثواب بمعدل عشر حسنات لكل حرف!

مسلم: ولكن الله تعالى تحدَّى الجن والإنس بآيات القرءان، فهل تحداهم بألفاظ مرسومة لا حكم لها؟!

منسوخ: أنت لستَ ندا لي أصلا، أنت دكتور في الهندسة وليس في أصول التشريع ولا حتى في الشريعة!!

مسلم: وما هو دليلك على وجود نسخٍ كهذا؟ الآية التي تتخذها أنت دليلا تتحدث عن نسخ آية كاملة وليس نسخ حكمها!

منسوخ: كلمة "آية" تقديرها "حكم آية"، كلمة "حكم" محذوفة!

مسلم: هل تؤمن بأن القرءان كلام الله تعالى؟

منسوخ: أي نعم!

مسلم: هل من حقك أن تستدرك على ربك في أمرٍ خطير كهذا؟

منسوخ: أنت غير متخصص، ألا تعلم أني أخذت الفقه عن كحيان والحديث عن عدمان والأصول عن حيوان والفروع عن حبهان والنجاح عن فشلان والعلم عن جهلان والتفسير عن عجمان؟!

مسلم: دعنا الآن من كحيان وعدمان وحيوان وحبهان، وأجب: هل من حقك أن تنتزع آية من سياقها لتفسرها كما يحلو لك ولتلوي عنقها لتقول بما قررته سلفا؟ ما هو دليلك على أن المقصود بلفظ "آية" هنا هو "عبارة قرءانية"؟ خاصة وقد استعملها القرءان بمعانٍ أخرى عديدة، والآية "البقرة 106" تتضمن جوابا واحدا لشرطين ممكنين، فتحقق أي شرط يستلزم نفس الجواب، لا ريب في ذلك، والجواب هو أن تأتي آية بديلة لما تم نسخه أو إنساؤه، ولا بد أن تكون خيرا مما نسخ أو على الأقل مثله، فلا يمكن أن يكون معنى النسخ هو الإثبات بأي حالٍ من الأحوال أو النقل من شريعة سابقة! وبالطبع لا يمكن أن يظل النص المنسوخ مع الآية التي نسخته في نفس الكتاب! والآية وردت في سياق حديث موجه إلى المؤمنين يندد بالذين كفروا من أهل الكتاب، ويحمل عليهم، ويكشف للمؤمنين حقيقة موقفهم منهم ومما أنزل عليهم وحقيقة دوافعهم ويحذرهم من أن يكونوا مثلهم، فلقد عزّ على هؤلاء أن ينزل كتاب على الأميين يحل محل ما لديهم من أحكام وينسخها أمام أعينهم، فكل آية من آيات القرءان تتضمن حكما شرعيا قد نسخت نظيرتها مما لديهم، والقرءان هو الآية التي نسخت ما كان قد أنزل عليهم وأغنت عنه، وثمة شرائع أخرى لم يقصصها الله على رسوله واندثرت آثارها فبذلك أُنسيت.

منسوخ: ههها ههها، من أين أتيت بكل ذلك، ومن قال بقولك هذا من السلف الصالح؟! من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب!

مسلم: والآن قل لي، ما هي مكانة القرءان عندكم؟

منسوخ: هو كلام الله قديم غير مخلوق وصفة إلهية قديمة، وهو الوحي الأول والمصدر الأول للتشريع!

مسلم: !!!!؟؟!! على العموم كلامك هذا يقوض قطعًا النسخ المحبب إلى قلوبكم!

منسوخ: كيف؟

مسلم: بلا كيف!!!! ولكن، بما أنكم تؤمنون بأن القرءان هو الوحي الأول والمصدر الأول للتشريع فكيف تنسخون بعض آياته بالمصادر الثانوية؟

منسوخ: لعلك تقصد السنة، أليست السنة هي الوحي الثاني وهي حاكمة على القرءان مفصلة لإجماله مبينة لمبهمه موضحة لمشكله مقيدة لمطلقة......

مسلم: وكابحة لجماحه ومزيلة لأحكامه!!!!!

منسوخ: لا لا لا، لا تقل ذلك! لا تقوِّلني ما لم أقل!

مسلم: لا يوجد فرق، ولكنك ألفت أن تردد كفريات أسلافك البشعة بنفس ألفاظها فإذا ما سمعت نفس معانيها بألفاظ أخرى رفضتها فطرتك!!! والآن؛ الآية التي تحتجون بها تقول إن الآية تنسخ بما هو خير منها أو مثلها، فهل مروياتكم الظنية والتي تسمونها بالسنة المطهرة على سبيل التدليس وخداع الناس خير من آيات القرءان؟

منسوخ: الحكم الوارد في السنة قد يكون أفضل من الحكم الوارد في القرءان من حيث التيسير على الناس، أليست هي الوحي الثاني!

مسلم: كيف؟ مثلا: هل رجم الزاني أفضل وأيسر من جلده؟ وهل رجم اللاتي يأتين الفاحشة أيسر من إمساكهن في بيوتهن؟ هذا مع العلم بأنك لو خرقت الأرض ولو بلغت الجبال طولا لن تستطيع أن تثبت أن أي شيء ورد في المصادر الثانوية خير من القرءان أبدا!

منسوخ: يبدو أنك لا تعلم الحكمة من النسخ وأن النسخ هو بلا شك من مفاخر شريعة الإسلام.

مسلم: بل قل إنه من الكفر البواح ومساخر التحريف الذي ألقاه إليكم الشيطان!

منسوخ: ماذا تقول؟ ألا تعلم أن هناك أحكاما موقوتة في القرءان؟

مسلم: اسمع يا شيخ منسوخ! هل يمكن لأي مشرع بشري أو فقيه دستوري أن يُلزم الناس بنص لا وجود له؟ وما الذي يمنعه من كتابته صراحة إذا أراد إلزام الناس به؟ وما الذي يخشاه رب العالمين حتى لا يُضمِّن كتابه المنزل نصًّا أراد إلزام الناس به؟

منسوخ: ألا تعلم أني حجة في الأصول فضلا عن فروع الفقه ومتضلع من علوم الحيض والنفاس، أجبني: ما هو حكم المرأة التي.............

مسلم: صه! ماذا لو قال لك أحد الأمريكان: "إن من دلائل الإعجاز في الدستور الأمريكي أن فيه بنودا بطل العمل بها وهي موجودة فقط لكي يستمتع الناس بقراءتها ويعرفوا مدى عظمة اللجنة التي وضعت الدستور"؟! وماذا لو قال لك إنه كان هناك بند وضعته اللجنة، ولكن دخلت ماعز وأكلت الورقة التي كان مكتوبا فيها هذا البند، فلم يُكتب في الدستور، ولكن العمل به ملزم لكل الشعب؟! رد الفعل الطبيعي أنك ستقول له: "يا لك من حمار! بل إن من الإهانة للحمار أن نشبهك به"! ولكن ما يقوله هذا الأمريكي المفترض هو ما يقوله سلفك الطالح وعبيد نعالهم عن كتاب رب العالمين!!!! والأدهى والأمر أن يتهموا من لا يصدق هراءهم بأنه تارك للسنة وخالع للربقة ومتبع غير سبيل المؤمنين

منسوخ: أنت تخلط الحابل بالنابل لأنك غير متخصص!! أنت نابتة، أنت رويبضة، لقد أجمعت الأمة على وقوع النسخ، لم ينكر النسخ إلا الأصفهاني واليهود، أنت تخالف الإجماع، أنت تخالف الجمهور ....

مسلم: والآن هل يوجد أي اختلاف في القرءان؟

منسوخ: كلا، لا يوجد أي اختلاف في القرءان!

مسلم: فما الذي دفعكم للقول بالنسخ؟

منسوخ: وما علاقة هذا بذاك؟!

مسلم: الذي دفع أسلافك للقول بالنسخ هو توهمهم حدوث تعارض واختلاف بين آيتين، فأحدثوا النسخ حلا للمشكلة، ألا تعي ذلك؟ مثال ذلك الآيات التي تحدد أسلوب التعامل مع من رفض الرسالة؛ فثمة آيات تأمر بدعوته إلى الإيمان بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالجدال بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وتقرر حرية الإيمان وثمة آيات تأمر بقتالهم، فهربا مما تصوروه من الاختلاف قالوا إن الأوامر بالقتال نسخت النوع الأول من الآيات، وقال آخرون إن الآيات الناسخة تتضمن الأحكام النهائية في مقابل الأحكام المرحلية.... الخ، وخطورة القول بالنسخ تتمثل في إبطال أحكام آيات قرءانية عديدة فضلا عن تقويضها للمنهج القرءاني في تناول الأمور......

منسوخ: أتنكر النسخ في آيات الخمر وهو أوضح من الشمس في رابعة النهار؟

مسلم: آيات الخمر؟ هل توجد في القرءان آيات للخمر؟

منسوخ: دعك من المراوغة، أنت تعلم جيدا ما أقول!

مسلم: بالطبع نظرنا في الآيات التي يسميها أسلافك الضالون بآيات الخمر فوجدناها لا تقتصر على معالجة أمر الخمر، بل إن فيها أخبار وأحكام عديدة، والآيات متسقة متكاملة ومازالت كل أحكامها الخاصة بالخمر وغيرها سارية، وستظل كذلك إلى يوم الدين رغم أنف أعداء القرءان الكريم! هل تريد أن تسمع بيانها؟

منسوخ: لم أعد أستطيع المتابعة، لنستأنف الحوار فيما بعد، ولكن أخبرك مسبقا بأن كلامك كله مرسل ومبني على مغالطات ويدل على جهل لا علاج له، أنت غير متخصص، أنت لست ندا لي!!

مسلم: اذكر ولو مغالطة واحدة، ولك عشرة جنيهات مصرية!!!

منسوخ: أنت غير متخصص، أنت لست ندا لي، أنت تشكك في الثوابت، أنت نابتة، أنت خالع للربقة مفارق للجماعة!!

مسلم: لازال أمامك عدة قرون حتى ترقى إلى مستوى حمار، ولكن لابد من بذل الجهد اللازم لذلك!

لاذ منسوخ بالفرار، ولم يستأنف حوارا، ظل متمسكا بضلاله المبين العزيز على قلبه والذي شغفه حبه، وأشاع في كل المجالس والمنتديات أنه أفحم أ. مسلم في موضوع النسخ ودحض كل ضلالاته!

 *******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457