نظرات في المذاهب

43b

طرق دلالة اللفظ (أو العبارة اللغوية) على مراد المتكلم2

الجدول

إن كل نص قرءاني له معنى تدل عليه عباراته، وقد يكون له مع هذا معنى يدل عليه بالإشارة أو الدلالة أو الاقتضاء، وربما لا يكون.

ولما كان القرءان هو الحق المنزل بالحق من لدن الحق فلابد أن كل نص قرءاني معناه الحقاني الذي يجب العمل بمقتضاه، وكيفيات دلالة النص القرءاني على معناه تتنوع كما يلي:

1. عبارة النص: دلالة العبارة، المنطوق، ما يدل عليه النص بعبارته

المراد بعبارة النص صيغته المكونة من مفرداته وجمله، وما يفهم من عبارة النص هو المعنى الذي يتبادر فهمه من صيغته، ويكون هو المقصود من سياقه، فمتى كان المعنى ظاهرا فهمه من صيغة النص، والنص سيق لبيانه وتقريره، كان هو مدلول عبارة النص، ويطلق عليه المعنى الحرفي للنص. فدلالة العبارة: هي دلالة الصيغة على المعنى المتبادر فهمه منها، المقصود من سياقها، سواء أكان مقصودا من سياقها أصالة أو مقصودا تبعا.

وإذا كان المقصود أصالة هو المعنى المطابقي، فقد يكون في ثناياه معنى مقصود تبعا، وإذا كان المقصود أصالة معنى تضمنيا؛ أي جزءا من المعنى المطابقي، كان الجزء الباقي منه مقصودا تبعا.

فدلالة العبارة هي دلالة اللفظ على المعنى المتبادر منه، وهو الذي سيق له الكلام أصالة أو تبعا.

فعبارة النص أو منطوق العبارة أو دلالة العبارة أو الدلالة الظاهرة هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن بمجرد سماع العبارة والمعتمد على إدراك معاني ألفاظها وأسلوبها في إطار الخبرة بالقرءان واللسان العربي، وهذه الدلالة يُستفاد العنصر الديني منها مباشَرةً؛ فهي تَدُلّ على هذا العنصر بِنَفْس العبارة، فالمنطوق هو معنى العبارة من حيث صيغتها ونظمها، وهو ما كان السياق لأجْلِه ويُعْلَم قَبْل التأمل أنّ ظاهِر النَّصّ متناوِل له، فالعنصر الديني هو المعنى المباشر للعبارة.

فالمراد بالمنطوق المعنى المستفاد من صريح اللفظ في محل النطق أو ما دل عليه اللفظ في محل النطق أو في محل العبارة المنطوق بها.

نقول: إذا سمع العربي كلاما عربيا تبادر إليه ما يدل عليه الكلام بحسب المعاني اللغوية لألفاظه وترتيب الألفاظ في العبارات، هذا هو المعنى الحرفي للعبارة، وهذا هو ظاهر الكلام، ولكن قد يكون للكلام معانٍ أخرى يمكن إدراكها بالنظر والتدبر، ومن البديهي أنه في النصوص القرءانية يجب أن يتحقق الاتساق التام بين المعنى الظاهر وبين المعاني الباطنة، فالحقائق لا تتناقض، ذلك لأن مصدرها هو الحق المطلق.

والمسلم مأمور بتدبر القرءان لكيلا يكتفي بما تبادر إليه من المعاني بل ليعرف المزيد منها، فليس من حق أحد أن يلزم الناس بفقه سلفٍ أو خلف في هذا الأمر، ولكن من حقه أن يكشف للناس أي تأويل باطل وأن يبين لهم ما فيه من البطلان.

مثاله: المعنى المستفاد من قوله تعالى: 

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة110]

 هو الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذا هو المنطوق.

مثالها قوله تعالى: 

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام121] 

فعبارة النص تدل على تحريم متروك التسمية. وهي تقابل دلالة المنطوق عند الجمهور.

فالمراد بعبارة النص صيغته المكونة من مفرداته وجمله، وما يفهم من عبارة النص هو المعنى الذي يتبادر فهمه من صيغته، ويكون هو المقصود من سياقه، فمتى كان المعنى ظاهرا فهمه من صيغة النص، والنص سيق لبيانه وتقريره، كان هو مدلول عبارة النص، ويطلق عليه "المعنى الحرفي للنص". فدلالة العبارة: هي دلالة الصيغة على المعنى المتبادر فهمه منها، المقصود من سياقها، سواء أكان مقصودا من سياقها أصالة أو مقصودا تبعا.

وإذا كان المقصود أصالة هو المعنى المطابقي، فقد يكون في ثناياه معنى مقصود تبعا، وإذا كان المقصود أصالة معنى تضمنيا؛ أي جزءا من المعنى المطابقي، كان الجزء الباقي منه مقصودا تبعا.

فدلالة العبارة هي دلالة اللفظ على المعنى المتبادر منه، وهو الذي سيق له الكلام أصالة أو تبعا.

إن ظاهر الكلام هو الذي يتبادر إلى العربي إذا سمع كلاما عربيا تبادر إليه ما يدل عليه الكلام، وذلك بحسب المعاني اللغوية لألفاظه وترتيب الألفاظ في العبارات، وهذا هو المعنى الحرفي للعبارة، ولكن قد يكون للكلام معانٍ أخرى يمكن إدراكها بالنظر والتدبر، ومن البديهي أنه في النصوص القرءانية يجب أن يتحقق الاتساق التام بين المعنى الظاهر وبين المعاني الباطنة، فالحقائق لا تتناقض، ذلك لأن مصدرها هو الحق المطلق.

والمنطوق الصريح هو دلالة اللفظ على ما وضع له مطابقة أو تضمنا، حقيقة أو مجازا، وهذا ما نطلق عليه النص أيضًا.

وغير الصريح دلالة اللفظ على ما لم يوضع له، بل يلزم ما وضع له فيدل عليه بالالتزام.

والمسلم مأمور بتدبر القرءان لكيلا يكتفي بما تبادر إليه من المعاني بل ليعرف المزيد منها، فليس من حق أحد أن يلزم الناس بفقه سلفٍ أو خلف في هذا الأمر، ولكن من حقه أن يكشف للناس أي تأويل باطل وأن يبين لهم ما فيه من البطلان.

قالوا: ((وكل نص قانوني إنما ساقه الشارع لحكم خاص، قصد تشريعه به وصاغ ألفاظه وعباراته لتدل دلالة واضحة عليه. فكل نص في أي قانون شرعي أو وضعي له معنى تدل عليه عباراته، وقد يكون له مع هذا معنى يدل عليه بالإشارة أو الدلالة أو الاقتضاء، وربما لا يكون، فلا حاجة إلى ذكر أمثلة مما يدل عليه النص بعبارته، وإنما نقتصر على بعض أمثلة يتبين منها الفرق بين المقصود من السياق أصالة والمقصود منه تبعا.

قال تعالى: 

{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]،

 هذا النص تدل صيغته دلالة ظاهرة على معنيين كل منها مقصود من سياقه، أحدهما: أن البيع ليس مثل الربا، وثانيهما: أن حكم البيع الإحلال، وحكم الربا التحريم. فهما معنيان مفهومان من عبارة النص، ومقصودان من سياقه؛ ولكن الأول: مقصود من السياق أصلا، لأن الآية سيقت للرد على الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، والثاني: مقصود من السياق تبعا، لأن نفي المماثلة استتبع بيان حكم كل منهما حتى يؤخذ من اختلاف الحكمين أنهما ليسا مثلين، ولو اقتصر على المعنى المقصود من السياق أصالة، لقال: وليس البيع مثل الربا)).

فالمعنى المقصود عندهم يجب أن يكون محض رد حرفي على قول الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا! فهم الذين قالوا "إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا" فكان يجب أن يكون الرد "لا لا، ليس البيع مثل الربا" فقط لا غير!! والعرب واليهود يعلمون جيدا الاختلاف بين البيع والربا وإلا لما كان هناك لفظين مختلفين لكل منهما، ولكن كان مقصدهم هو المثلية في الحكم.

ويبدو أن أول من صاغ هذا التحليل كان أعجميا أصلا، وتبعه في قوله كل من جاء من بعده، وسيظلون إلى قيام الساعة، ويمكن القول بكل بساطة ردا عليهم: بل المقصود بالأصالة هو بيان أن الربا قد حرمه الله وأن التحليل والتحريم من الشؤون الإلهية، وأن قول اليهود كان مجرد مناسبة لبيان الحكم، وبافتراض جدلا أنهم لم يقولوه لنزل الحكم أيضا، فالمقصود بالأصالة من الآية هو بيان حكم الربا وبيان أن أمور التحليل والتحريم شؤون إلهية.

ومن يقرأ الآية كاملة يدرك أنها ليست مسوقة لتحصيل الحاصل، وإنما هي مسوقة بالأصالة لتبيين حكم الربا وتبيين مصير المصرين عليه، وأن الردّ على من قالوا لم يكن إلا مناسبة لتبيين وتأكيد حكم الربا، قال تعالى:

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [البقرة:275]

وعبارة النص عند الحنفية هي كالمنطوق عند الجمهور، مع اختلاف يسير، والحق أن عبارة النصّ هي من المفهوم بالمعنى الحقيقي والطبيعي للمفهوم، بل هي أول مفهوم أو المفهوم الأولي للنص The primary meaning of the text، ولا مبرر لتسميتها بالمنطوق.

*****

2. دلالة الدلالة، فحوى النص والمنطوق معًا

هي دلالة اللفظ على أن حكم المنطوق - أي المذكور في النص- ثابت لمسكوت عنه لاشتراكهما في علة الحكم التي تفهم (تُفقه) بمجرد فهم (فقه) اللغة، أي يعرفها كل عارف باللغة دون حاجة إلى اجتهاد ونظر، وحيث إن الحكم المستفاد عن طريق دلالة النص يؤخذ من معنى النص لا من لفظه، سماها بعضهم – دلالة الدلالة- وسماها آخرون - فحوى الخطاب- لأن فحوى الكلام هو معناه، وسماها الشافعية مفهوم الموافقة.

يُلاحظ تركيزهم على "الحكم"، فهو عندهم المطلب الأسمى والمقصد الأعظم وسرّ الوجود والمحور الذي تدور حوله الرسالة!

فالمراد بما يفهم من دلالة النص المعنى الذي يُفهم من روحه ومعقوله، فإذا كان النص تدل عبارته على حكم في واقعة لعلة بني عليها هذا الحكم، ووجدت واقعة أخرى، تساوي هذه الواقعة في علة الحكم أو هي أولى منها، وهذه المساواة أو الأولوية تتبادر إلى الفهم بمجرد فهم اللغة من غير حاجة إلى اجتهاد أو قياس، فإنه يفهم لغة أن النص يتناول الواقعتين، وأن حكمه الثابت لمنطوقه يثبت لمفهومه الموافق له في العلة، سواء كان مساويا أم أولى.

فدلالة الدلالة هي دلالة اللفظ على تعدي حكم المنطوق به إلى مسكوت عنه لاشتراكهما في علة هي مناط الحكم.

قالوا: ((مثال هذا قوله تعالى في شأن الوالدين: 

{...فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ...} [الإسراء: 23]،

 تدل عبارة هذا النص على نهي الولد أن يقول لوالديه " أُفٍّ"؛ والعلة في هذا النهي ما في هذا القول لهما من إيذائهما وإيلامهما، وتوجد أنواع أخرى أشد إيذاء وإيلاما من التأفف كالضرب والشتم، فيبادر إلى الفهم أنهما يتناولهما النهي، وتكون محرمة بالنص الذي حرم بالتأفف، لأن المتبادر لغة من النهي عن التأفف النهي عما هو أكثر إيذاء للوالدين بالأولى، فهنا المفهوم الموافق المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق)).

قلنا: الأمر بالإحسان إلى الوالدين والنهي عن نهرهما جاءا صراحة؛ أي بعبارة النص ومنطوقه ومعناه الحرفي في نفس الآية: 

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [الإسراء:23]،

 وقد تأكد ذلك في الآية التالية:

{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24]

كما تأكد في القرءان في آيات أخرى:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا ....} [البقرة:83]، {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ....} [النساء:36]، {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .....} [الأنعام:151].

فما هي الحاجة إلى مصدر ظني لإثبات ما هو ثابت بنصوص قرءانية صريحة قوية؟!

وكيف يستنتجون أصلًا شرعيًا بدليلٍ مثل ما قدموه ثم يستعملون كلامهم حجة لإثباته؟!

ومن الجدير بالذكر أن الأصوليين دأبوا على اقتطاع أجزاء من الآيات ثم تحميلها بما يريدون قوله أو إثباته! فهم مثلا يأخذون بالعبارة 

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}

 ليستدلوا بها على حجية مفهوم القياس أو للقول بدلالة النص أو مفهوم الموافقة! هذا مع أن هذا الأمر مترتب على الإحسان إلى الوالدين ومبين ومفصَّل ومؤكد له، ولكن القواعد عند الأصوليين مقدمة على الأمور الدينية!

ولبيان حقيقة أمرهم، افترض أن أحد المعلمين قال لتلاميذه: "لا أريد أن أسمع همسا"، فهل يعني ذلك أنه لم ينههم عن الصراخ في قاعة الدراسة؟ وهل يحق لأحدهم أن يقول له: "إن ما سكتَّ عن نهينا عنه هو أولى مما صرَّحت به"، إن التلاميذ سيفقهون قوله بالبداهة، وسيعلمون أن النهي هنا عن الأدنى يتضمن النهي عما هو أشدّ وأقوى.

مثال آخر:

قالوا: ((قال تعالى: 

{.... وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ....} [الأنعام:151]

فعبارة هذا النص على النهي عن قتل الأولاد مِّنْ إمْلاَقٍ، والمفهوم أنه من الأولى ألا يُقتلوا بدون هذا الإملاق.))

قلنا: إن القتل في ذاته من كبائر الإثم، والقتل العمد هو من موجبات الخلود في النار واستحقاق الغضب الإلهي، فلا حاجة للاستدلال غير المباشر أو باستعمال القواعد اللغوية على ذلك طالما توجد نصوص قوية وصريحة وقطعية الدلالة تحرم وتجرم قتل النفس بصفة عامة، ومنها نفس الآية التي اقتطعوا العبارة السابقة من سياقها: 

{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الأنعام:151]

ونحن نقول بأن تقديم النهي عن قتل الأولاد وإفراده في أمرٍ خاص هو بيان بمدى فداحته، وأنه أبشع أنواع القتل، فهذا من إشارات النص كأمرٍ كلي واحد، كما أن من مقاصد العبارة تبيين أن الرزق بيد الله تعالى، وأنه يجب الإيمان والثقة بذلك.

وبذلك يتضح شيء من الفرق بين منهجنا وبين منهج الأصوليين، فنحن ننظر مباشرة إلى العبارة ومحور عملنا وتركيزنا هو الأمر الديني ذاته ووزنه ومعناه ومقتضاه، أما هم فالأهم هو القواعد وإثبات صحتها والتدليل بالآيات عليها.

قالوا: ((قوله تعالى 

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ}

 معناه المطابقي إباحة الوقاع في أي لحظة من لحظات الليل، وهو المقصود الأول بالسوق، فهو مدلول عبارة النص أصالة، ويلزم من ذلك صحة الصوم مع الجنابة، فهذا مدلول إشارة النص)).

هذا الكلام مترتب على النظرة التجزيئية القضائية عند التعامل مع نصوص القرءان، وما ساقوه من برهان لا يلزم لإثبات صحة الصيام مع الجنابة، وبافتراض أن الصائم نام فاحتلم فلا يفسد ذلك صيامه، فالصيام من الناحية الظاهرية المعلومة هو الامتناع عن الأكل والشرب والوقاع المعلومين بالضرورة، فلا يفسد صيامه إلا تعمد فعل شيء من ذلك، وبافتراض أن أحدهم جامع امرأته ثم نام فأصبح على جنابة فلا يفسد ذلك صيامه، فلا حاجة إلى محاولة استخلاص حكم ذلك من نص يتحدث عن أمرٍ محدد.

مثال آخر:

قالوا: ((قوله تعالى: 

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْما إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارا} [النساء: 10]

 يفهم من عبارة هذا النص تحريم أكل الأوصياء أموال اليتامى ظلما، ويفهم من دلالته تحريم أن يؤكلوها غيرهم، وتحريم إحراقها وتبديدها وإتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف، لأن هذه الأشياء تساوى أكلها ظلما في أن كلا منها اعتداء على مال القاصر العاجز عن دفع الاعتداء، فيكون النص المحرم بعبارته أكل أموال اليتامى ظلما؛ محرما إحراقها وتبديدها بطريق الدلالة، وهنا المفهوم الموافق المسكوت عنه مساو للمنطوق)).

الأشياء المذكورة محرمة ومنهي عنها لكونها خيانة للأمانة وعدوان صريح ومن الإفساد في الأرض ومن الظلم، فهي ممنوعة ومنهي عنها بما هو أقوى من فحوى الخطاب أو مفهوم الموافقة.

والعبرة هي بقوة العنصر الديني ووزنه القرءاني، وكلامهم يبين حقيقة نظرتهم إلى الدين، فكلامهم هذا لا يصدر إلا عمن ينظر إلى الدين كمدونة قانونية حرفية.

وعلة النهي المباشرة أو مناط الحكم هي كل ما ذُكر، فأي تصرف في أموال اليتيم يكون بمقتضى هذه العلة يكون محرما بالأولى، ولو نظروا إلى باقي النصوص لأدركوا أنه لا حاجة إلى دلالة النص أو القياس الجلي، ذلك لوجود هذه النصوص قطعية الدلالة:

{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [الأنعام:152]، {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولا} [الإسراء:34].

فهذه النصوص تحرَّم أن يقرب أحد مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فهذا هو الحكم العام الملزم، والأحكام الأخرى هي تفاصيله، فلا ريب أنه ليس بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أمور مثل حرق أو تبديد مال اليتيم، أم هل كانوا يودون أن يرد نهي تفصيلي عن كل تعامل مع مال اليتيم بالتي هي أسوأ؟!

وهذا يوضح سمات منهجنا، فمنهجنا يبحث عن الحكم للمسألة في القرءان ككتاب أحدي متسق مثان، يصرف الله تعالى فيه آياته لعلَّ الناس تفقه، فكان يجب تحديد المسألة، والمسألة هنا حكم أموال اليتامى، هذا الحكم بعد إعمال المنهج هو: محرَّمٌ تحريما باتا أن يقرب أحد الناس مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، هذا الحكم هو أمر قرءاني، وهو في الوقت ذاته قيمة من منظومة القيم الإسلامية، أما انتهاكه فهو إثم من كبائر الإثم.

وقالوا: ((فالفرق بين دلالة النص وبين القياس أن مساواة المفهوم الموافق النص تفهم بمجرد فهم اللغة من غير توقف على اجتهاد واستنباط، وأما مساواة المقيس للمقيس عليه، فلا تفهم بمجرد فهم اللغة، بل لابد من اجتهاد في استنباط العلة في حكم المقيس عليه، وفي معرفة تحققها في المقيس.

ودلالة النص تسمى دلالة الأولى، كما تسمى قياس الأولى أو القياس الجلي لظهور فهم المساواة أو الأولوية بين المنطوق والمفهوم الموافق له، فالمسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، وتسمى مفهوم الموافقة لموافقة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق به، وتسمى فحوى الخطاب أي روحه وما يعقل منه، لأن كل نص دل على حكم في محل العلة، يدل على ثبوت هذا الحكم في كل محل تتحقق فيه العلة بتبادر الفهم، أو تكون العلة أكثر توافرا فيه، وتسمى دلالة الدلالة لأن الحكم لا يؤخذ من اللفظ مباشرة بل من دلالته؛ أي من معنى مدلوله، فهي دلالة عامة تؤخذ بالبداهة من دلالة خاصة)).

ولا مشكلة في هذا الكلام إلا في وجوب تجنب تسمية فحوى الخطاب أو مفهوم الموافقة أو دلالة الدلالة بقياس الأولى أو بالقياس الجلي، فكلها أقوى منه، ودلالتها لفظية، والنزول بها إلى مرتبة أن تكون قياسا يضعف من قوة الأمر ويفتح الباب للقول بالقياس كأصل من أصول الدين، وهذا مخالف للمنهج القرءاني.

وكل ما هو من فحوى النصوص (دلالة الدلالة، مفهوم الموافقة) هي أمور منطقية، وبالنص تصبح ضرورية لا يمكن رفضها، فالأمر، مثلا، باستشهاد شاهدين يعني بالضرورة القبول بعدد أكثر من ذلك، فلا يجوز اعتبار إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به فيها قياسا.

*****

دلالة الدلالة هو المعنى المترتب على فقه الدلالة الظاهرة، فهو فحوى ومفهوم العبارة، وهو ما ثبت بِمَعْنَى النَّصّ لغةً لا اجتهادا، أي هي دلالة اللفظ على ثبوت حُكْم منطوق لِمسكوت لِفَهْم مناطه بمُجَرَّد اللغة، ودلالة الدلالة تُسَمَّى "فَحْوَى الخِطَاب" و" مفهوم الموافَقة"؛ ذلك لأنّ مدلول اللـفظ في حُكْم المسـكوت عنه مُوافِق لِمدلوله في حُكْم المنطوق إثباتاً ونَفْيا؛ فهي باختصار دلالة مترتبة على دلالة، فدلالة الدلالة هي فحوى النصِّ ومنطوقِه.

وهي دلالة المنطوق على أن حكمه ثابت للمسكوت لكونه أولى منه. وهي التي يسميها الجمهور مفهوم الموافقة

ودلالة الدلالة تُسمَّى كذلك لأن الحكم لا يؤخذ من اللفظ مباشرة بل من دلالته؛ أي من معنى مدلوله، فهي دلالة عامة تؤخذ بالبداهة من دلالة خاصة، وهي تسمى أيضًا دلالة الأوْلى، كما يسميها بعضهم قياس الأولى أو القياس الجلي لظهور فهم المساواة أو الأولوية بين المنطوق والمفهوم الموافق له، فالمسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، وتسمى مفهوم الموافقة لموافقة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق به، وتسمى فحوى الخطاب أي روحه وما يعقل منه، لأن كل نص دل على حكم في محل العلة يدل على ثبوت هذا الحكم في كل محل تتحقق فيه العلة بتبادر الفهم، أو تكون العلة أكثر توافرا فيه.

ولا مشكلة في هذا الكلام إلا في وجوب تجنب تسمية دلالة الدلالة بقياس الأولى أو بالقياس الجلي، فهذا خطأ فادح، ولا مبرر له، وكلها أقوى في الدلالة منه، والنزول بها إلى مرتبة أن تكون قياسا يضعف من قوة الأمر ويفتح الباب بلا مبرر للقول بالقياس كأصل من أصول الدين، وهذا مخالف للمنهج القرءاني.

وكل ما هو من فحوى النصوص (دلالة الدلالة، مفهوم الموافقة) هي أمور منطقية وبالنص تصبح ضرورية لا يمكن رفضها، فالأمر باستشهاد شاهدين يعني بالضرورة القبول بعدد أكثر من ذلك، فلا يجوز اعتبار إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به فيها قياسا.

1

1.png