000

مقدمة

منهجنا قائم على أن لبّ الإيمانيات الإسلامية هو ما نسبه الله إلى نفسه في كتابه العزيز من أسماء وسمات وأفعال وشؤون وسنن، وهذا ما نسميه بالإيمانيات الحقانية، ومن هذا الأساس كان الانطلاق والبناء والبحث في حقائق الإيمانيات وكل أمور الدين الأخرى، فعلم الأسماء الحسنى مع الأمور المذكورة يشكل لبّ وجوهر إيمانيات دين الحق التي يجب أن يعلمها المسلم وأن يعمل بمقتضاها، كما يمكنه الاكتفاء بها، وهذا ما أكدنا عليه في الكتب السابقة.

فأساس علم الإيمانيات هو علم الأسماء والسمات والفعال والشؤون الإلهية، وقد تمَّ في كتب سابقة وعديدة للمؤلف تقديم هذا العلم، وسيتم في إطار هذه السلسلة إعادة تقديم بعضها، ولكن سيتم التركيز هنا على تقديم بعض الإيمانيات بدون ترتيب محدد مع تحليل بعض مقولات المذاهب كلما اقتضى الأمر ذلك، أي سيتم الحديث عن الإيمانيات (العقائد التي يجب الإيمان بها) مع بعض الحديث عن المسائل العقائدية التي أثارتها وعالجتها المذاهب وفقًا لمناهجهم وأساليبهم والتي اشتهرت بين الناس مع إجراء التصحيحات اللازمة في تسميات وصياغة هذه المسائل وتبيين علاقة ذلك بالإيمانيات الحقانية، وكل ذلك في إطار توضيح وتبيين إيمانيات دين الحق.

ويجب التأكيد على أنه لا توجد أية ضرورة للالتزام بالطرق والمسارات التي اتبعها السلف لمعالجة الأمور الإيمانية (العقائد)، ولا للتقيد بنفس مناهجهم ولا بالتصنيفات ولا بالتبويبات التي أحدثوها، كما أن مسائلهم قد لا يكون فيها أية ضرورة، وقد تكون من باب تضييع ما يلزم في سبيل ما لا يلزم، أو من باب محاصرة الناس بين بدائل كلها غير صحيحة لخطأ أساسي في المنهج، وهذا ما أثبتناه دائما.

وعلى سبيل المثال فمسألة الإيمان وهل يزيد وينقص وعلاقتها بالإسلام هي محسومة بالتحديد الدقيق لمعاني المصطلحات وتحديد مصدر المصطلحات، ومسألة الاستثناء في الإيمان هي محلولة تلقائيا بتحديد معاني المصطلحات أيضًا، ومسألة مقترف الكبيرة التي كانت السبب الرئيس لنشوء مذهب المعتزلة هي مسألة مفتعلة تماما ولا جدوى منها، ولا قيمة لها، ومسألة أول واجب على المكلف هي أيضًا مسألة مفتعلة ... الخ، كما أن طرق طرحهم للمسائل جعلتهم في كثير من الأحيان أسرى حلقات مفرغة ومصطلحات لا معنى لها أو لا ضرورة فيها.

ولم يكن مقصدنا أبدًا الدحض التام لأي مذهب من المذاهب العقائدية، وذلك غير ممكن أصلا، فلا يخلو مذهب من قدر من الحق لا يحق لأحد إبطاله، كما لم يكن مقصدنا سرد كل عقيدة من عقائد كل مذهب من المذاهب وتفنيدها أو الرد التفصيلي عليها، فلا فائدة من ذلك، ولا يعني ذلك من يريد اتباع دين الحق في شيء، وربما لا يوجد إلا قلة قليلة هي التي تفقه الأقوال التفصيلية للمذاهب، يكفي عادة تبيين قول دين الحق في المسألة، ولكن المقصد الأساسي هو مزيد من توضيح وتبيين إيمانيات دين الحق، ولذلك يجب أيضًا الرجوع إلى كتبنا السابقة في هذا المجال.

وهناك اصطلاحات خاصة استعملناها هنا لكونها أكثر دقة رغم أن بعض المتخصصين يسمون بها أمورا أخرى، ومن ذلك مثلا مصطلح "اسم الفعل"، فهو هنا يُطلَق على المصدر الذي يعبر فعله (بالمعنى اللغوي) عن فعل حقيقي (فعل للقلب أو للجوارح أو للجسم مثلا) مثل المشيئة، الإرادة، الأمر، القضاء، الأمر، الاصطفاء، الاختيار، الرحمة، المغفرة، ... الخ، وكنَّا نسميه من قبل بـ(الاسم للفعل) حتى لا يلتبس مع اسم الفعل المعلوم نحويا.

ومن المعلوم أن اسم الفعل في النحو هو اسم يدل على ما يدل عليه الفعل، وينوب عنه في معناه واستعماله لكن لا يقبل علاماته، ونرى أنه من الأفضل أن يبحثوا له عن اسم آخر، فالاسم المستعمل لا يصلح لها أصلا، ويمكنهم أن يسموها بالأفعال الخاصة، فهي في الحقيقة يمكن أن تُعتبر نوعًا خاصًّا من الأفعال.

أما "اسم المعنى" فهو المصدر الذي يعبر فعله عن معنى، وهو أعم من "اسم الفعل"، فهو يعبر بالإضافة إلى المعاني عن أفعال القلوب والجوارح، ومنه: العلم، الحكمة، الأمر، الذكر، الإرادة، الحياة، العزة، الصبر، ... الخ، فمصطلح "اسم المعنى" يغني بذلك عن مصطلح "المصدر".

وهناك أسماء أفعال لازمة مثل: الحلم، التعالي، المجد، العزة، وأسماء أفعال متعدية مثل الخلْق، التصوير، الرزق، الإجابة.

وهناك مصادر تعبر في الوقت ذاته عن معنى وعن فعل بالمعنى المعلوم، فالمصدر "عِلْم" مثلا يعبر عن معنى كما يعبر عن فعل العلم ذاته، هذا بالإضافة إلى أنه يعبر عن اسم المفعول؛ أي المعلوم أيضًا.

ويلزم التذكير بأن كلامنا هو موجه أساسًا لمن يؤمن بدين الحق الماثل في القرءان الكريم والذي يريد العلم بما يجب أن يعلمه ويفقهه ليتحقق بكماله المنشود.

كما يجب التأكيد على أن انتقاد قول أي مذهب بل ووصفه بالضلال أو حتى بالكفر لا يعني أن أتباع هذا المذهب هم بالضرورة كذلك، فربما تحققت لهم النجاة باعتصامهم بما في مذهبهم من الحق وتجنبهم بقدر ما استطاعوا ما فيه من باطل، ومن المعلوم أنه لا يكاد يخلو إنسان من كفر جزئي، والكفر الجزئي هو إنكار أي حقيقة ذكرها القرءان، وكل المحسوبين على الإسلام إلا قليلا ممن أنجاهم الله بفضله واقعون في ذلك الكفر، ولا يحق لأحد انتهاك أي حقّ لأي إنسان بسبب اعتناقه لعقيدةٍ ما.

وكذلك يجب التأكيد على أن التركيز هنا هو على القول في ذاته، وبذلك، لا أهمية لذكر مصدر القول، وليس المهم اسم قائله، يكفي بيان انتمائه المذهبي إذا استلزم الأمر، ولذلك فكون القول هو قول جمهورهم وهناك من خالف عنه بمعنى أنه ليس محلّ إجماع كل المذهب مثلا أو أنه قول طائفةٍ منهم فقط لا يعني في شيء، ولا أهمية له، المهم هو النظر فيه وتحليله في ذاته  To analyze it in itself، مثال: كل أهل الاختصاص يعلمون قول المعتزلة في القرءان وفي الصفات وفي الحكم على أفعال الإنسان، وقول الأشعرية في الكسب والسببية وتعليل الأفعال وقول السلفية في التأويل وفيما يسمونه بالصفات الخبرية والتي تتضمن نسبة أسماء الجوارح والأفعال الحركية إلى الله ... الخ، فلا يوجد أي داعٍ لذكر أسماء مئات المراجع التي تكرر ذكر هذه الأقوال بتغييرات لغوية بسيطة أو تشرحها بأساليب مختلفة أو تنظمها ثم تعيد شرح المنظومة أو تختصرها ثم تعيد شرح الاختصار، فليس المقصد هنا نقد وتحليل وتفنيد وتقويم كل ما قالوه، بل المقصد عرض بعض مقولاتهم المعلومة في سياق بيان عناصر دين الحق، ولذلك فالذي يهمنا هو قولهم أو قول بعضهم في ذاته، وليس تحديد أشخاص القائلين ولا دراسة هل أجمعوا عليه أم لا، ولا تاريخ نشأة هذه المقولات وتطورها، ولا المراجع التي ذكروا فيها هذه الأمور، وبذلك سيتبين للناس مدى تفوق مقولات دين الحق التفوق الهائل والحاسم على غيرها.

ويلزم العلم بأننا قد نضطر أحيانا إلى استعمال بعض المصطلحات الشائعة رغم عدم دقتها لاشتهارها طالما قدمنا ما يغني عنها ونبهنا على ذلك، وذلك بهدف زيادة الأمور وضوحا.

والعقائد كما يقدمها أصحاب المذاهب العقائدية لا تمثل دين الحق تمثيلا صادقا، وهي تختزله إلى أدنى حدوده، ومع ذلك، لا يخلو مذهب محسوب على الإسلام من حق وباطل وإن تفاوتت النسب.

ويجب هنا القول بأن محاولات الأشاعرة والماتريدية تمثل محاولة سدنة المذهب السني لتعقل النصوص الدينية باستعمال ما كان شائعًا ومتاحًا لهم في عصرهم من مفاهيم وتصورات ومنطق وبراهين، وهم أشد تقيدا بالنصوص الدينية من المعتزلة مثلا، ولكنهم لم يرقوا أبدًا إلى مستوى استخلاص الإيمانيات من القرءان استخلاصًا حقيقيا وفق منهج قرءاني صارم.

أما الخلف فقد جعلوا من أنفسهم مجرد أبواق جوفاء لما انتهى إليه الأشاعرة والماتريدية، ولذلك اندثرت عمليا مذاهبهم، فلا يكاد يكون لها وجود خارج معاهدهم! ولقد غلبهم السلفية على أمرهم.

أما محاولات السلفية فقد كانت دائما محاولة التصدي لأي اتجاه غير مألوف بالنسبة لهم وتقييد الأمر بالمعاني الحرفية أو بما لدى العامة من مفاهيم وتصورات.

ورغم القصور والمآخذ التي هي ماثلة في منهج الأشاعرة والماتوردية وما توصلوا إليه من نتائج فإنه يجب القول بأن دوافعهم كانت شريفة، وكانت تهدف إلى عقلنة العقيدة ودفع ما قد يتوهمه الناس من شبهات وتناقضات.

والأشاعرة يعالجون الأمور العقائدية بطريقة تختلف عن السلفية، فالأشاعرة يتحدثون عن الواجب على المكلف، ما يجب لله تعالى، وما يستحيل عليه، وما يجوز في حقه، كما يتحدثون عما يسمونه بالصفات النفسية والصفات السلبية وصفات المعاني والصفات المعنوية، وهم يجعلون صفات المعاني سبعا، ويحاولون ردّ كل الصفات إليها ... الخ، وهم يأخذون في الاعتبار أنهم لا يخاطبون المولودين على الإسلام فقط، وأنهم مضطرون إلى مخاطبة الناس بدءا مما يسلمون به من بدائه العقول، وهم في ذلك متأثرون بالمعتزلة.

أما السلفية فيتحدثون عن توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وعن الصفات الخبرية أو السمعية، وهم يتفوقون على المتكلمين في بعض الجوانب مثل مسألة الحكمة، ومسألة السببية، ولكنهم يولون اهتماما شديدا بالنصوص التي تنسب إلى الله الألفاظ التي تُستعمل عادة كأسماء للأعضاء والجوارح والأفعال التي تُستعمل عادة لتوصيف الحركة والتغير... الخ، ويحاولون إلزامها بالمعاني الدارجة ويدافعون عن ذلك بشراسة، وهم يستبطنون تشبيها وتجسيما لربهم.

أما في دين الحق فالحديث هو عن علم الأسماء والسمات والأفعال والسنن والشؤون الإلهية، وتجمعها كلها منظومة الإلهيات أو الشؤون الإلهية، وهي تتضمن منظومات فرعية مثل منظومة الأسماء الحسنى ومنظومة السنن الإلهية.

فمن الأسماء الحسنى: الله، الرحمن، الحقّ، الحيّ، الأحد، الصمد، السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، الْمَلِك الْقُدُّوس الْعَزِيز الْحَكِيمِ

ومن السمات الإلهية: الحياة، السمع، القوة، العزة، الكبرياء، العلم، الحكم، الصمدية، الإحاطة، القدوسية، العلوّ، الأحدية، الغنى، الكرم، الجلال، الحفظ، الرقابة،....

ومن الأفعال الإلهية: الرحمة، المشيئة، الإرادة، الخلق، الأمر، التكلم، الوحي، المغفرة، الرزق، التدبير، التفصيل، التجلي، الكتابة، الإرسال، الإنزال، القبض، البسط، البدء، الفلق، الجمع، البناء، الإحياء، الإعادة، البطش، الختم، العفو، الانتقام ....

ومن الشؤون الإلهية: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر، وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر، الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقرءان خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى،....

ومن السنن الإلهية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، .....

ومن المقاصد الإلهية: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، ...

وهذه المنظومات متكاملة متداخله، فالأسماء الإلهية تتضمن السمات وتشير إليها، وتقتضي سننا وأفعالا، والشؤون الإلهية مرتبطة بالأسماء ... وهكذا.

ويجب القول هاهنا بأنه لا يجوز أن تُنسب إلى الله تعالى الأفعال التي جاءت في العبارات القرءانية على سبيل المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه  في صحبته تحقيقا أو تقديرا، ومن تلك الأفعال: السخرية، النسيان، الاستهزاء، المكر.

أما الواجب على الإنسان فهو الإيمان بكل ذلك، وتذكره وتدبره والعمل بمقتضياته بقدر الوسع.

وقد يوجد في بعض الأجزاء في هذا الكتاب بعض التكرار، ذلك لأن تأليفها لم يكن بالطريقة التقليدية، وليس الهدف من تجميعها أن تكون بالطريقة التقليدية، وتكرار بعض الفقرات هو لأنها كُتِبت على فترات متباعدة، ولابد في كل فقرة من جديد تتميز به وروح عامة تسري فيها لإيصال مغزى معين إلى القارئ، فلكل فقرة ما يمكن القول بأنه شخصيتها المتميزة بحيث لا يصح اقتطاع أي جزء منها للاختصار، ولذلك أيضًا يمكن قراءة كل فقرة على حدة.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63