لحوم مسمومة 5

كان الشيخ حشاد البهيمي الذي أصبح الآن البخيمي مؤهلا بحكم نشأته ليكتسب كل ما يمكن أن يستميل به الجماهير وما يحرك عواطفهم من تعبيرات الوجه واستعمال الحواجب والأيدي والأرجل فضلا عن تلوينات الصوت ورفعه في وقت وخفضه في وقت آخر، بممارسة كل ذلك أصبح ممثلا بارعا واكتسب كاريزما هائلة تمكنه من التلاعب بمشاعر الجهلة والمغفلين، بل أصبح يستمد منهم ما يساعده على أن يسترهبهم ويسحرهم، وهكذا كان في أحيان كثيرة يجد نفسه وقد أفلس ولم يعد يجد ما يقوله، ولكن ما إن يجد نفسه أمام جمهوره إلا ويستمد منهم قوة هائلة تمكنه من الإتيان بالعجائب القائمة أساسًا على الغش والكذب والخداع والتدليس والتهويل والمتاجرة بصور وهمية للسلف والماضي الذهبي، هذا فضلا عن استغلال جهلهم وتخلفهم وفسقهم ورعبهم فيما يتعلق بالأمور الدينية.

كان ثمة تفاعل إيجابي بينه وبين جمهوره الأثير، تولد شعور لدى هذا الجمهور بأن قمة التدين هي في التمادي في إظهار الإعجاب بالشيخ وخطبه وفي البحث عن الألقاب التي يمكن أن يسبغوها عليه أو يشيعوها عنه.

وقف ذات مرة ليلقي خطبة الجمعة على الناس في المسجد الذي صار بمثابة مسجده الخاص، أخذ يعدد في مآثر "الصحابة" ويقرع الحاضرين لفشلهم في أن يكونوا مثلهم، قصَّ عليهم قصة "الصحابي" الأنصاري الذي عرض على "الصحابي" المهاجر أن يختار من تروق له من زوجتيه ليزوجها له، ثم نظر شذرا إلى الحاضرين.

ولما لم يكن يخطر ببال أي واحد منهم لو كان لديه أكثر من زوجة أن يتصور أنه من الممكن أن يتصدق بإحداهن على رجل آخر فإنهم حاولوا عبثًا الاختباء من نظراته النفاذة، وأصبح كل واحد منهم يود لو تنشق الأرض وتبلعه ولا يجد نفسه مضطرا للإجابة على هذا السؤال: "هل يمكن أن تفعل مثل هذا الصحابي؟" أخذ يستمتع بانتصاره الساحق على الحاضرين، أخذ يوجه نظراته النفاذة إلى أعين بعض الجالسين تحت قدميه فيلقي في قلوبهم الرعب، ويستمتع بذلك.

شرع ينذر ويتوعد، لم يبق إلا أن ينزل من على منبره ليصفع كل واحد من الحضور على قفاه أو أن يضربه بحذائه، أو أن يأمر كل واحد أن يصفع من يليه!  

لم يرق هذا الكلام لأحد الشبان الذين لم يستطع حشاد أن يستخفهم أو يسترهبهم بسحره، طار بالخبر لمبروك، سأله عن رأيه قال:

  • في الحقيقة إن هذا (الصحابي) بتصرفه هذا قد اعتدى على إنسانية كل زوجة من زوجتيه واعتبرها كدابة له فيها الحق التصرف وليس كإنسان له حقوق وكرامة، ولو كان يكنّ في قلبه لها ذرة مودة أو رحمة كما يوجبه القرءان والفطرة لما عرضها هكذا، ومما يمكن أن يضاعف الخطب أن يكون له منها أبناء، وهذا هو المرجَّح، ماذا سيكون موقفها أمام أبنائها؟

  • كيف تتكلم هكذا عن (الصحابة)؟

  • ولمَ لا، لقد تحدث الله تعالى في القرءان عن كبائر الإثم التي اقترفها بعضهم، أي إنه ألزم الناس بتلاوتها في قرءان إلى يوم الدين، هل يجوز لك أن تتأسى بهم فيما اقترفوه من آثام؟

  • ماذا تقول؟ هل....، هل... أنت شيعي؟

  • أقول لك: الله تعالى هو الذي ذكرها في القرءان، ما دخل الشيعة في الموضوع؟!

  • ..............

  • أجب عن هذه الأسئلة، وكلها عن كبائر الإثم التي اقترفها بعضهم!

  • ماذا؟

  • هل يحقّ لك أن تفر من ميدان القتال معرضًا الرسول للخطر الشديد؟

  • كيف تقول ذلك عمن كانوا يفتدون الرسول بكل شيء؟

  • ألم تقرأ أبدًا قوله تعالى

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيم} [آل عمران:155]

  • ماذا تقول؟!

  • الله تعالى هو الذي يقول، أم إنك تظن أن الشيعة هم الذين أنزلوا القرءان؟ أو تظن أنهم دسوا مثل هذه الآية فيه!

  • لا تقولني ما لم أقل!

  • كفّ عن التهريج، وإلا فانصرف، أنت الذي جئتنا سائلا!

تمالك الشاب نفسه، كان في موقف بالغ الحرج، إن أسس عقيدته توشك أن تنهار، أراد استكمال الحوار، قال:

  • عذرا، ولكن لعل الآية تتحدث عن بعض المنافقين!

  • المنافقون، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة انسحبوا قبل بدء المعركة، والذين فروا طبقًا لكتب أهل السنة كان منهم أكابر، وسيصبحون من الخلفاء الراشدين المبشرين بالجنة! والآن هل تعلم أن الفرار تكرر في غزوة حنين؟ ألم تقرأ يومًا ما الآية

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين} [التوبة:25]

...............

  • هل يحقّ لك أن تتخابر مع العدو لتخبره بأسرار الرسول والأمة معرضا حملته العسكرية للفشل؟

  • ...........

  • هل يحقّ لك أن تترك الرسول قائما في المسجد وأن تهرع على اللهو والتجارة؟

  • ............

  • هل يحقّ لك أن ترفع صوتك فوق صوته؟

  • ............

  • هل يحقّ لك أن تناديه من وراء الحجرات؟

  • ...........

  • هل يحقّ لك أن تتحدث بالسوء عن أهل بيته ونسائه؟

  • ...........

  • هل يحقّ لك أن تؤذيه وألا تسلِّم بأحكامه؟

  • ..........

  • هل يحقّ لك أن تخونه وتكشف للأعداء عن مقاصده؟

  • .........

  • هل يحقّ لك أن تتآمر عليه؟

  • كفى، كفى!

  • هل أتلو عليك الآيات القرءانية التي تنص على كل ذلك؟

  • أعرفها جيدا، ولكن كيف لم أدرك مغزاها الحقيقي من قبل!

  • ذلك لأنك تعودت أن تردد القرءان كمجرد ألفاظ بلا معنى، فشغلك الشاغل هو تحويله من رسوم مرقومة إلى أصوات بطريقة محددة، ولم يخطر ببالك أبدا أنك ملزم بتدبره.

  • وماذا يفعل المشايخ وأهل الذكر؟ هل مطلوب منَّا القيام بما هو منوط بهم؟ هم بالتأكيد قاموا بواجبهم وتدبروا، ولم يترك الأوائل لنا شيئا لنفعله، علينا استيعاب أقوالهم فقط!

  • أنت وسائر المسلمين مأمورون بتدبر القرءان، وأنت ستأتي ربك فردا ولن يصحبك أحد من المشايخ أو ممن تسميهم بأهل الذكر يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وعطاء القرءان متجدد، وهو يعطي لكل عصر علوما لم تخطر ببال السلف.

  • ولماذا لا تجهر بأقوالك هذه؟

  • من قال ذلك؟ جهرت كثيرا ولكن ليس لديَّ بوق إعلامي لأتحدث منه، وعلى العموم أنصحك ألا تخوض في ذلك كثيرا وإلا وجدت نفسك متهما بسبّ (الصحابة)، وهي أبشع تهمة يمكن أن يُقذف بها إنسان الآن، إنها لديهم أبشع من الإلحاد ذاته.

*****

تعلم الشيخ حشاد كيف يجيد توظيف المعلومة التاريخية ليحقق لنفسه إعجاب الغوغاء والدهماء بل والمثقفين المغفلين، كان صديقه مبروك يقص عليه ذات مرة ما حدث عندما اجتاح التتار بغداد، أخذ يقول:

كانت بغداد مقر الخلافة العباسية العتيدة، كانت مدينة مليونية في ذلك العصر بها مكتبة فخمة ومساجد عامرة وقصور فاخرة، في فبراير 1258 اجتاح جيش المغول بقيادة هولاكو ونائبه الصيني جوخان بغداد، كان جيش هولاكو مكونا في أكثره من المغول، ولكن كان فيه أيضا أرمن وجورجيين وفرس وترك ومسلمون!!! كان معه أيضًا خبراء متفجرات ومهندسون صينيون.

كان الوزير ابن العلقمي قد شطب أعدادا كبيرة من الجنود من الديوان فأخذوا يتسولون في شوارع بغداد، طالب هولاكو الخليفة بالاستسلام، ولكن الخليفة العباسي المستعصم رفض محذرا المغول بأنهم سيواجهون الغضب الرباني إن هم هاجموا الخلافة!! لم يقم بتقوية أسوار المدينة رغم علمه بالزحف المغولي الذي قضى على ملايين المسلمين في شرق العالم الإسلامي، كان يتصور أن المغول سيفعلون مثل البويهيين والأتراك السلاجقة من قبل وأنهم سيتركونه وشأنه بعد القيام بإذلاله مثلما فعل المذكورون بأسلافه.

كانت تعليمات إمبراطور المغول مونجو خان لأخيه هولاكو أن يحافظ على الخلافة إن وافق الخليفة على الخضوع لسلطة المغول، عندما حطم المغول السدود وأحكموا حصار المدينة وأغرقوا الجيش الضعيف الذي أعد لمقاومتهم، حاول الخليفة المستعصم بالله المفاوضة ولكن الوقت كان قد تأخر على المفاوضة فبغداد أصبحت محاصرة تماما.

دخل المغول المدينة في 10 فبراير وبدأوا أسبوعا من المذابح والنهب الإبادة، قتلوا أعدادا قدرت بين مائتي ألف إلى مليوني نسمة، نهبت المساجد والقصور والمستشفيات والمكتبات والأبنية الكبيرة وأحرقت ثم سويت بالأرض، قبض على الخليفة وأجبر على رؤية الدمار الحاصل للمدينة والقتل للناس ونهبت كنوز العباسيين كلها، هذه الكنوز تمثل كل ما نهبته الخلافة العباسية من شعوب الشرق بالظلم والجور على مدى مئات السنين.

كان المغول يعتقدون بأن الأرض ستغضب كثيرا إن مسها دم ملكي، لذلك لفوا الخليفة في سجاد وجعلوا الخيول تدوسه حتى الموت، قتلوا جميع أبنائه ماعدا واحدا منهم أبقوه حيًّا وأرسلوه إلى منغوليا، تم تدمير أعجب شبكة ري أقامها الإنسان في بلاد ما بين النهرين وظلت تعمل لآلاف السنين، لم ترمم من بعد لعدم وجود من يستطيع ذلك، تمَّ إفراغ العراق من أكثر سكانه.

قبل عام من سقوط بغداد نشبت فتنة هائلة بين السنة وبين الشيعة، هذا رغم علمهم بما حدث لشرق العالم الإسلامي ورغم علمهم بالخطر الذي يوشك أن يدهمهم، نهبت في الفتنة الكرخ ومناطق الشيعة في المدينة وطال السلب والنهب أقارب الوزير بن العلقمي وتسببت في انضمام بعض الشيعة إلى جيش هولاكو عندما زحف على العراق!!!

بتدخل من زوجة هولاكو النسطورية دوكوز خاتون لم يتعرض أحد للسكان المحليين المسيحيين ونجوا من الإبادة، عرض هولاكو قصر الخلافة للنسطوري مار ماكيخا وأمر له ببناء كاتدرائية.

بعد أن فرغ مبروك قال لصاحبه:

  • ماذا ترى في هذه الوقائع؟

  • وماذا تريدني أن أرى؟ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا

  • نحن مأمورون بالنظر في عواقب من قبلنا!

  • سأنظر في هذه القصة بمزيد من العناية

  • ألا ترى أن الكيان المسمى بالخلافة قد دفع بذلك ثمن استبداده وظلمه وإجرامه؟

  • وهل كان هولاكو الذي انتصر عليهم عبدا صالحا؟

  • الله تعالى يولي بعض الظالمين بعضا، وينتقم من الظالم بمن هو ظالم، حتى لا تأخذه به شفقة! السنن الإلهية الكونية لا تحابي أحدا!

  • قلت لك سأنظر في هذه القصة بمزيد من العناية.

كان كل هدف حشاد كيف يستثمر هذه القصة لصالح مشروعه الخاص، لقد التقط منها أثناء حديث مبروك ما يلزمه، وهكذا لم ير فيها إلا جزءا من المؤامرة الكونية العالمية ضد الإسلام والتي بدأت منذ ظهوره.

لقد تحالف ضد الإسلام والمسلمين المغول الوثنيون والصينيون البوذيون والأرمن الصليبيون والترك المسلمون السنة والفرس المسلمون الشيعة لمحاولة محوه والقضاء عليه، ولكنهم فشلوا، أما الخليفة المستعصم فقد قاتل ببسالة حتى استشهد، أما ما يقال بخلاف ذلك مما رواه المسلمون السنة أنفسهم فهو مجرد مؤامرة مفضوحة لضمان عدم عودة الخلافة، كما يجب شنُّ حملة على الشيعة الرافضة الخونة وفضح تآمرهم الأزلي ضد أهل السنة، هم أخطر الأعداء وأكفر من اليهود والنصارى.

وهكذا أخذ يعيد كتابة القصة وتزويرها وحشوها بما يلزم من المتبلات والبهارات حتى يمكن أن تمتد على مدى عدة خطب أو حلقات تليفزيونية، لم ينس أن يضمِّن القصة ما يلزم من التهديد الصريح والمبطن لكل من تسول له نفسه التشكيك في تحليله للأحداث، كما أضاف إليها كل ما يلزم لشحن نفوس المستمعين بكل الكراهية المريرة للآخرين، والرغبة في الثأر والانتقام المريع منهم.

*****

أخذت مكاسب حشاد البهيمي أو البخيمي تتضاعف، بدأت مظاهر الثراء تظهر عليه وعلى أسرته، اشتد الطلب عليه في كل محفل سلفي وفي مساجدهم وأفراحهم وأتراحهم، نودي به أسدًا للسنة في معركتهم المتأججة وحربهم المستعرة ضد البشرية جمعاء، بل الوجود كله.

أما على المستوى الجوهري فقد كان حشاد مستمرا في تدهوره، كان قديما كلما خلا بنفسه يأخذ في التفكير في أحواله ويقول: "بمجرد أن أحقق كل أهدافي المادية سأبادر بالتوبة والعمل بالدين الحقيقي الذي يجسده بالنسبة لي مبروك، وبذلك أكون قد جمعت بين خيري الدنيا والآخرة، وبذلك أيضًا أكون خيرًا منه، ذلك لأنه لم يعد لديه أمل في أن يحقق شيئًا في هذه الدنيا، سيظل مغمورا كما هو، أما أنا فينتظرني بلا شك مستقبل باهر".

ولكنه لم يكن يعلم أنه إذا كان مبروك سيظل قليل الحظ في الدنيا فسيظل هو في المقابل قليل الحظ في الآخرة، وربما لن يكون له حظ فيها إذا استمر تدهوره، ولم يكن أيضًا يعلم شيئا عن السنن وحتمية سريانها، وقد أخذ الرياء والشرك يستحكمان في قلبه بسبب تراكم أعماله المجردة من الإخلاص.

قبل أن يغرق في بحر الغفلة المظلم العدمي كانت تنتابه صحوات إيمانية، كان يحاول فيها النجاة بنفسه مما يكبله من أغلال تتضاعف قوتها وإحكامها حينًا بعد حين، كان يلوح له فيها طيف صديقه اللدود فيجد نفسه يناجيه قائلا:

أيا عابرًا طريق الحق والإيمان

أيا سائرا ولستَ بهيابٍ ولا بجبان

تمهَّل قليلاً ترفق بقلبي المرهق الظمآن

فلقد حاصرته الظنون والأوهام

وهو يوشك أن يضيع في بحر الظلام

ولكنه سرعان ما كان يجد نفسه من جديد وسط مريديه وجمهوره، فيسترد رباطة جأشه وهمته، ثم يمارس استمتاعه بعالمه الجديد ذي النعيم المعجل، ويجد الناس يشيرون إليه كعالم ديني مبجل، كان يصرخ في نفسه: "هل يمكن أن يكون كل هؤلاء مخطئين وأن يكون المصيب هو مبروك الخامل المهين؟"

ولكنه كان يجد نفسه مرغمًا في أحيان كثيره أن يفكر فيه، حتى أخذ يروي أمام الناس سيرته العطرة منسوبة إلى غيره، فقد كان يستلهم منها سيرة الرجل الديني المثالي، ويجد فيها ما يرويه للناس في دروسه التي كان يلقيها عليهم، لقد اكتشف أنه في أمس الحاجة إلى معين لا ينضب من القصص ليدهش جمهوره العريض وليجذب المزيد من المريدين.

كان الصراع الحادّ يحتدم في كيانه كلما خلا بنفسه، لم يكن عنصر الخير فيه صغيرًا ليقضي عليه متاع الدنيا مهما تعاظم أمام عينيه، ولكن لم يكن إيمانه من القوة بحيث يدفعه إلى تزكيته.

في نوبات الصراع الحادة كان يبكي منشدا:

أمن يأسي ما أقاسي أم من وطأة الألم

أم من ضلالي وقد غرقت في بحر العدم

ها قد فقدت طريقي بعدما عرفته وخبرته

فكيف حقًّا هجرته وتركته؟

لقد خدعت وغرني زيف الظُلَم

وها أنا ذا أعب المرّ من كاس الندم

كان نعيم الدنيا الذي أخذ ينهال على أمّ رأسه التي طال حرمانها كاسحا مغريا، لم يصمد أمامه إيمانه الواهن أصلا.

شيئا فشيئا أخذت العبادات التي كان يؤديها تصبح طقوسا شديدة الشكلية لا يتجاوز تأثيرها قشرته الخارجية، ثم تفاقم الأمر عندما أخذ إيمانه الضعيف يتبخر دون أن يدري هو شيئا، أصبح رهين كل ما اكتسبه طوال عمره، فَقدَ السيطرة على قلبه ونفسه؛ خسر نفسه ومعها قلبه، ولكن الأسوأ أنه أصبح شيئًا فشيئًا في غفلة عن ذلك، وأن شيطانه قد اشتد ساعده وتمكن منه.

*****

كان من الطبيعي أن تشتد المقارنات بين حظي الصديقين اللدودين، أخذ اليسر المادي الذي بدأ يظهر على عائلة حشاد يثير حفيظة وحسد كل من يقطن في الحي العشوائي، بالطبع كان النصيب الأوفر من ذلك لعائلة مبروك، كان أفراد العائلة ينظرون بأسى إلى مبروك ولا يعرفون سببا لخيبته الثقيلة وتخلفه عن الركب رغم أن حشاد نفسه كان دائما ما يقر أمامهم بأن مبروك أفضل منه وأذكى، كان ذلك مما يحز في نفس مبروك، لقد عولوا عليه لينتشلهم من الواقع المرير الذي يعيشون فيه، ولكن خاب أملهم فيه، لم يصارحوه بذلك إذ كانوا يحبونه، هذا فضلا عن هيبته التي كانت تفرض نفسها على الجميع بما فيهم حشاد وعائلته.

ولكنه هو الذي كان يعاني أكثر من أسرته، لقد عقد العزم على ألا يتكسب أبدًا بدينه، ولكنه غلا أيضا في هذا الاتجاه.

لم يستطع أبدا أن يطبق ما انتهى إليه تفكيره من قبل وهو أن في الدين أمورا يمكن النظر إلى تعليمها للناس كمهنة مثل تعليم الناس تلاوة وتجويد القرءان ودقائق الأحكام العملية وشكليات العبادة، لم يستطع أيضًا أن يتخذ التاريخ كمهنة لعلمه بأنه سيكون مضطرا للتصريح بآرائه، وهو يعلم جيدا أنه لو سأله أحد تلامذته عن أية واقعة فسيبوح بما يعلمه من الحقائق مما سيجلب عليه المتاعب، لكل ذلك لم يجد أفضل من أن يعمل مدرسا للغة العربية في إحدى المدارس الخاصة، إن تدريس اللغة العربية، على أية حال، يمكن أن يكون أكثر ما يجيده حيادية.

سرعان ما أظهر كفاءته، وحظي برضى الجميع لكفاءته وأمانته، رفض بإصرار إعطاء أي دروس خصوصية لطلبته، وأعلنها صريحة أن إجادتهم لما يتلقونه من علمٍ على يديه هو مسؤوليته هو قبل غيره.

لاحت له فرصة ليؤجر حجرة صغيرة في نفس الحي، لم يتردد في التشبث بها حتى ينفرد بنفسه وليتجنب نظرات اللوم من أفراد أسرته والتي كانت تمزق نياط قلبه وليخفف العبء عنهم مع الاستمرار في تقديم جلّ ما يحصل عليه من مال لهم.

عندما كان في زيارة لأسرته أخذوا يرددون على مسامعه أخبار حشاد وأسرته، بالطبع كان ما يرمون إليه معروفًا لديه، هم بشر ومن حقهم أن يتطلعوا إلى حياة أفضل، قال لهم:

  • إن حياتكم الآن أفضل بكثير مما مضى، وستستمر في التحسن المضطرد بإذن الله تعالى، لماذا تقارنون أنفسكم بغيركم؟

  • هل عائلة حشاد هي العائلة الوحيدة التي أثرت هذا الثراء في البلد، هناك عائلات لا حصر لها حققت ما هو أفضل منهم وأنتم لا تعرفون شيئا عنها.

  • اعتبروا عائلة حشاد أحدها.

  • إن كل إنسان محاسب بقدر ما آتاه ربه، فمن كثر ما لديه ثقل حسابه.

  • لا أريد أبدًا أن أكون مثل حشاد ولو أعطيت مقابل ذلك أضعاف ثروته! وأنتم تعلمون مدى صدقي.

  • ولا أريد لكم أن تثروا من أموال مثل أموال حشاد التي يجمعها من التكسب بدينه، إن السفلة هم المتكسبون بدينهم.

  • لا توجد مهنة اسمها داعية؛ كل مسلم ملزم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه أوامر قرءانية يجب أن يكون كل مسلم بها بقدر استطاعته.

  • هل يجوز للمسلم أن يطلب أجرًا من الناس لأنه يصلي المغرب أو يصوم رمضان؟ كذلك ليس من حقه أن يأخذ منهم أجرا نظير أمرهم بالمعروف أو نهيهم عن المنكر، هذه بديهيات.

  • سدنة المذاهب هم الذين هوَّلوا من أمر الفرعيات والثانويات وشغلوا الناس بها، كان ذلك من بعد أن اختزلوا الدين وأهملوا أركانه الكبرى ومقاصده العظمى.

كل هذه الأقوال لم تكن تعني الكثير لدى عائلة مبروك، ولم يجدوا فيها سببًا وجيها يبرر الفارق الهائل بين حظي الصديقين.

*****

كان حشاد قد أعدّ العدة لينتقل إلى ذلك الحي الراقي، اشترى لنفسه منزلا متسعا كبيرا، أو بالأحرى قصرا، وزوده بكل ما يلزم من الأثاث والكماليات، أخذ يسعى إلى استكماله بالأنثى المناسبة.

لذلك قرر قبل مغادرة الحي استكمال نصف دينه وحسم أمر أميمة، رغم أنه أصبح في وضع مادي يتيح له الزواج ممن هن أفضل منها من حيث الثراء، ولكن كان الاستحواذ عليها أملًا سكن قلبه منذ عهود صباه الأولى ولم يستطع التخلص منه رغم ما أصبح فيه، كان أيضا يريد أن يثبت لنفسه أنه حسم معركته المستترة مع صديقه اللدود.

رغم أنه أصبح أشد ثراءً منه وأنجح في حياته أمام الناس منه إلا أنه ظل يحس في قرارة نفسه تجاهه بالنقص والدونية، لم يفارقه هذا الشعور أبدا، لم يكن مجرد إحساس بل أصبح عقدة مستحكمة، كان كلما رآه أحس في نفسه بالصغار والضعة، لم يعد يستطيع تحمل نظرات عينيه التي يحس أنها تنفذ إلى أعماق قلبه وتهتك ستره.

كان يتمنى في أعماق نفسه أن يحظى بإطراء من صديقه القديم، ولكنه لم يظفر به أبدا، بل كان يعلم أن صديقه يزدريه في قرارة نفسه ويتخذه مثلا لكل ما يجب أن يتجنبه، أما تفوقه هو عليه في الثراء فهو يعلم جيدا أن صديقه لا يقيم للدنيا وزنًا أصلا، عندما قابله قبيل استعداداته للانتقال إلى الحي الراقي لم ير في عينية أية نظرة حسد ولا غبطة، وإنما رأى نظرة رثاء صادقة.

كان يعلم بحب مبروك العارم لأميمة، أحبها بصدق يتناسب مع حياته الأمينة الصادقة، كان يعلم أيضًا أنها أقصى ما يمكن أن تصل إليه طموحاته، فهو مازال فقيرا، وربما سيظل كذلك، ربما من أثر بقية من خير وتقدير لفضل مبروك ولذكريات الكفاح المشترك وللصداقة القديمة قال لنفسه:

"ولماذا الإصرار عليها طالما يمكنني الاستغناء عنها بغيرها؟ هي الآن بالنسبة لي امرأة كغيرها، وأستطيع أن أجد من تفوقها ثراءً وربما جمالا أيضا، أما بالنسبة له فهي تكاد تكون كل شيء في هذه الدنيا، لماذا لا أتركها له؟ بل لماذا لا أعرض عليه أي مساعدة مادية لإتمام الزواج منها؟ ألا أسترد بذلك شيئا من كرامتي المهدرة أمامه؟ ألا أطوقه بذلك بمعروفٍ لا يُنسَى؟"

ولكنه سرعان ما أفاق لنفسه ليسخر من المدى البعيد الذي ذهب إليه تفكيره، انقلب على عقبيه وأخذ يقلل من شأن كل ذكرياته مع مبروك وأفضاله عليه، استخفه شيطانه الذي كان قد تمكن منه وهو في غفلة عنه، قال لنفسه:

"إنه انتفع، بلا ريب، بهذه الصداقة بقدر ما انتفعت أنا بها، وربما أكثر، وإلا فلماذا ظلّ دائمًا متشبثًا بها؟ لولا ما تعلمه مني لما تخرج من المعهد ولظل حالما شريد الذهن ولتضور أهله جوعا، وهو قد ضمن الفلاح في الآخرة، وأميمة هي عنده الآن كل الدنيا، فكيف أساعده على امتلاك كل الدنيا بعد أن فاز بالآخرة؟ هيهات، وهل بذل هو ما يلزم من جهد وكفاح ليفوز بالدنيا؟ لم يفعل وإلا لنجح فيها، النجاح هو القوة، النجاح هو الحق، النجاح يجلب المزيد من النجاح".

لكل ذلك أزمع على المضي في سعيه والتقدم لخطبة أميمة، تعمد تسريب الخبر إلى صديقه ليرى ردّ فعله.

ما إن علم مبروك بالأمر إلا وارتجف منه قلبه، انتابته نوبة ضعف إنساني كاسحة، إن أموال الدنيا يمكن التضحية بها أو استعواضها، ولكن كيف يمكن استعواض الإنسان خاصة إذا كان هذا الإنسان هو حبيبة الطفولة والصبا وفتاة الأحلام؟ إن جانبًا كبيرا من عالمه الذي أقامه في الخيال لنفسه يوشك أن يتهاوى!

طلب من أمه أن تذهب إلى أمها لتستكشف له إمكانية أن يتقدم لخطبتها، ترددت أمه كثيرا، كانت تعلم النتيجة مسبقا، انتهزت الفرصة لتأنيبه على تضييع ما لديه من إمكانات ومستقبل، ولكنها تحت ضغط إلحاحه الشديد قررت الذهاب.

ترامى إلى سمعه من بعيد إحدى أغاني عبد الحليم حافظ الذي كان يحب أكثر أغانيه، كانت الأغنية من فيلم "أيامنا الحلوة"، وجد أنها تتحدث عن حاله في حبه الميؤوس منه هذا، أدرك أن الحديث هو عن حالته، لم يتمالك دموعه، عندما أتت أمه لم يسألها عن نتيجة سعيها، قبل أن ينظر إلى وجهها كان قد تسلل ليذهب إلى هناك في الصحراء؛ حيث استعاد نفسه وعرف طريقه أول مرة.

هناك أخذ يفكر في الأمر بصفاء وعمق لم يجربه من قبل إلا في ليلته السعيدة المشهودة، كان التفكير مدفوعا بحاجة وجدانية ملحة، بعد لأي وجد الجواب في أعماق نفسه:

إن كل الروابط الدنيوية بما فيها الروابط العائلية هي في النهاية سراب؛ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وليس للإنسان في حقيقة الأمر ونهايته إلا ربه، وكل إنسان هو آتيه الآن وغدا ويوم القيامة فردا، ومن كان أمله في ربه وثقته به فلن يضيعه أبدا.

بعد أن استعاد قلبه ورباطة جأشه أخذ يفكر بعقلانية أكثر، لم يكن ما أقدمت عليه إلا نزوة عابرة، كانت مغامرتك هذه محكوما عليها بالفشل، أليست أميمة والزواج منها من الدنيا التي كان لا ينبغي أن تشغل تفكيرك مثل سائر أمورها؟ ولم يكن لك أن تُعرِّض أمك لهذا الموقف أبدا، الأمر الأهم الآن كيف يمكن تعويضها عما تسبب هو في إلحاقه بها؟

لم يعد إلى البيت، قضى ليلته في المكان المحبب إلى نفسه، في الصباح ذهب إلى البنك وسحب أكثر مدخراته، اشترى لها هدية قيمة، عاد إلى البيت ليجدها في انتظاره بخوف وقلق، قبَّل يدها وقدم لها الهدية، طفرت الدموع من عينيها، حاولت أن تذكر شيئا عما حدث، طلب منها ألا تذكر شيئا بخصوص ذلك أبدًا أمامه، أحسَّت أمه عندها بالفخر والفرح، ماذا تريد أمٌ من ابنها أكثر من هذا؟ إنها لأشد سعادة من أم حشاد التي أصبحت تمثالًا للتعاسة رغم شدة ثراء ابنها، وكم سمعتها تدعو عليه بألا يعرف السعادة أبدا!

بعد بضعة أيام تلقت الأسرة دعوة لحضور عقد قران وزفاف ربة الصون والعفاف أميمة إلى الشيخ الشهير حشاد في الصالة الملحقة بأحد المساجد الكبرى.

لم يجد مبروك أي حرج في أن يلبي هو والأسرة هذه الدعوة، كان حريصًا على أن يذهب إلى هناك في أبهى حلة، استأجر بدلة فخمة من أحد المحلات المتخصصة في ذلك، استأجر لوالديه وإخوته وأخواته كذلك حللا فخمة، أبرزت هذه الحلل ما تتمتع به هذه الأسرة من وسامة استلفتت الأنظار.

حانت من حشاد التفاتة مفاجئة إلى أميمة وهي تراقب مبروك وهو يقود الأسرة لتهنئته هو وزوجته، ضبطها وهي ترمقه بإعجابٍ ظاهر، ابتسمت له بسرعة وأسكتته بقبلة.

رحل حشاد بزوجته وأسرته، انتابت مبروك أحاسيس عديدة، عصر طويل حافل بالذكريات وبشتى المشاعر يوشك أن ينقضي، بقدر ما أحس بالغربة والوحشة بقدر ما أحس أن غمًّا ثقيلا ينزاح عن كاهله وأنه لن يوجد من بعد ما يحول بينه وبين الانطلاق المنشود.

مضت الحياة بمبروك وتحسنت أحواله المادية بعض الشيء، كان عليه تحت إلحاح أسرته أن يتزوج هو الآخر، لم يبق لديه إلا الطرق التقليدية، أرته أخته صورة تجمعها ببعض الفتيات التي يتدربن معها في إحدى الشركات، لمح واحدة منهن، أحس بقلبه يخفق بشدة، أدرك أن هذه هي فتاته التي سيقترن بها، كانت بلا شك أجمل من أميمة ويبدو النبل جليًّا على محياها.

سأل عنها أخته، قالت إن اسمها سامية، علم منها أن أسرتها هي أيضا شبه معدمة، بل هي أشد فقرا من أسرتهم، طالبوه بالتريث ولو قليلا، قالوا له إنه من الأفضل أن يقترن بفتاة من أسرة ميسورة الحال، كادوا يتوسلون إليه، ذهبت توسلاتهم -كالعادة دائما معه- أدراج الرياح.

لم يكن أمامهم إلا الرضوخ لطلبه، سرعان ما اصطحب والديه وأخته للتقدم رسميا لخطبة سامية، لم يكن ثمة ما يمنع من القبول، هذا رغم أنهم كانوا يطمعون هم أيضًا في زوج أكثر ثراء.

تم الزواج بيسر، استدان ليتمكن من أن يقيم حفلا في أحد النوادي المتوسطة، استأجر لزوجته ثوب الفرح، كما استأجر لإخوته ملابسهم.

حرص بالطبع على دعوة حشاد وزوجته لحضور فرحه، لم تخفَ عليه نظرات الحسد في عيني حشاد، أما أميمة فبدت أكثر ودًّا وجاملة، انفرد به حشاد، وعرض عليه تقديم أية مساعدة، ولكنه رفض بحسم، لم يكن حشاد ليجرؤ على تقديم مثل هذا العرض إلا لطمعه في أن تكون ظروف المعيشة الصعبة قد ألانت موقف صديقه ولو قليلا. 

بعد قليل تلقى حشاد عرضا للعمل في الخليج، تردد بعض الشيء، استشار تابعه المقرب دعبس، انزعج لتردده، أشار عليه بقبول العرض فورا، قال له: إنك ستلمع هناك باسمك الجديد، وستجمع إلى علومك علوم الأكابر هناك، ثم قال وعيناه تبرقان: وبالطبع لن تنسى تابعك المخلص! نظر إليه حشاد مبتسما، قال له وهو يسبل عينيه: عند أول فرصة ستتلقى عقد عمل!

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 413