نظرات في المذاهب

60

تعليقات متنوعة

الجدول

إنهم صاغوا قواعدهم لا لفقد الدين والعمل به، وإنما لإحداث واختلاق أحكام قانونية في كل كبيرة وصغيرة، وذلك مع استبعاد مكونات الدين التي تستعصي على منهجهم، وهذه المكونات هي جوهر الدين ولبه وهياكله الأساسيةـ وأكثر منظوماته وعناصره.

*****

لا حاجة إلى اختلاق ما يسمونه بالأحكام الوضعية، ذلك لأن لكل أمر ديني توصيفه الخاص، فالأمر بصيام رمضان يقتضي العلم ببداية هذا الشهر، والأمر الديني يجعل هذه البداية رؤية الهلال، وليست رؤية البدر مثلا.

*****

رغم أن الأشاعرة أنكروا قدرة العقل على الحكم على الأفعال الإنسانية فإنهم جعلوا منه، وإن أنكروا ذلك، أصلا من أصول التشريع، وذلك عن طريق أخذهم بالقياس والاستحسان.

*****

من أركان الإيمان بالله تعالى والإخلاص له ألا يتخذوا من دون الله شركاء يشَرعُون لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ، قال تعالى:

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [الشورى:21]

ولقد وقعت كل الأديان التي حلت محلّ الإسلام في مثل هذا الشرك، ولقد زيَّن لهم الشيطان أعمالهم وأوهمهم بأنه باتباع آليات بشرية يمكن استحداث أحكام دينية، ومن هذه الآليات: الإجماع، القياس، الاستحسان، الحيل.

ويجب هاهنا التمييز بين بين الاجتهاد لإعمال وتطبيق أحكام الدين من ناحية، وبين إحداث حكم يزعمون أنه ديني ويلزمون الناس بطاعته من ناحية أخرى، فالأمر الثاني هو الممنوع.

*****

قالوا: هل للأفعال حسن وقبح بحسب ذواتها ولها قيم ذاتية في نظر العقل قبل فرض حكم الشارع عليها أو ليس لها ذلك وإنما الحسن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبحه والفعل مطلقا في حد نفسه من دون حكم الشارع ليس حسنا ولا قبيحا؟

أو: هو هل للعقل قدرة على التمييز بين الفعل الحسن وبين الفعل القبيح بدون رسالة إلهية؟ أم إنه يستقل بهذا الإدراك؟

هذه محاولة لاختزال المسألة، ومحاصرة الناس بين أمرين لا يقدم أي واحد منهما الحل الصحيح للمسألة، فضلا عن أنه حافل بالمغالطات.

فهم أولا لم يحددوا ماذا يقصدون بالعقل، وربما كان في تحديد المقصود بالعقل كشفًا لمحدودية النظرة التي يحاولون فرضها على الناس.

وبداية يجب التأكيد على نسبية المفاهيم والتصورات البشرية ومحدودية الإمكانات الإنسانية.

وقد يضربون المثل بالعدل، ويقولون إن العقل يستقل بإدراكه في الفعل! فهل هذا صحيح؟

مثال:

تقسيم التركة بين الأولاد الذكور، هل العدل هو تقسيمها بالتساوي فيما بينهم؟ وإذا كان هذا صحيحا فلماذا ظهر مفهوم حقّ البكورية؟ ولماذا كان الابن الأكبر عند بعض الشعوب يستأثر بما تركه والده من الأرض، ولا ينال إخوته شيئا منها؟ هل كانت عقول هؤلاء تتوخى الظلم؟ أم كان لديهم مفهوم آخر عن العدل؟

هل لهذه الكلمات "عدل، ظلم، قسط" نفس المفهوم عند كل الشعوب والمذاهب والأديان، وعلى مدى التاريخ، بالقدر الذي يكون المفهوم العلمي السائد الآن عن الإلكترون واحدا عند كل علماء الفيزياء؟

والثابت بالقرءان وبوقائع التاريخ الماضية والماثلة أن ملكات الإنسان الذهنية المعروف جماعها بالعقل لا يمكن أن تستقل باكتشاف الحقائق الغيبية، وإلا لما كان لظاهرة الرسالة الثابتة من معنى.

وهذا العقل هو مع ذلك يترقى بالتطور وباكتشاف حقائق، وباعتياد ما اكتُشِف من الحقائق، وهكذا يرقى العقل الذي ألف التعامل مع نسبية الزمان والمكان، ومع الكيانات الدقيقة ومفاهيمها وقوانينها.

ولكن الإنسان من حيث مكونات كيانه لا يمكن أن ينتظر تكشف حقائق العالم لكي يترقى ويتزكى كيانه نفسه، فالرسل كانوا لازمين لإحداث طفرات على المستوى الإنساني الجوهري، هل كان يمكن أن يتطور تيار الحضارة الرئيس الذي انتقل إلى أوروبا، وأن يتحول الهمج الهامج الذي كانوا يعيشون فيها إلى حملة مشاعل الحضارة والإنسانية دون أن يصلهم قبس من نور الرسالات التي أُنزلت في الشرق الأدنى، مهد التيار الرئيس للحضارة العالمية؟!

إن أحكام العقل رغم كل شيء هي أحكام نسبية، بل إن الشرائع تنمو وتتطور مع التقدم البشري، وتقوده، وتسبب فيه طفرات على المستوى الجوهري، له مظاهره على المستوى الحضاري، ألا تنظرون إلى قصة شعيب مع قومه وكيف كانوا يتعجبون من المفاهيم الجديدة التي أتاهم بها؟ قال تعالى:

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)} هود

ولكن الذي يعني الآن هو النظر إلى الأمور من خلال دين الحق، فالأمر القرءاني الديني يترتب عليه سنة إلهية كونية تربط نوعية ومدى استجابة الإنسان للأمر بنتائجه وآثاره، وذلك لمن علم هذا الأمر وبلغه البلاغ المبين، فالإنسان في دين الحق يتم برمجته على علومه ومقالاته، وتتطور مفاهيمه وتصوراته لتتسق معه، فمفاهيمه وتصوراته عن القيم والسنن يستمدها من هذا الدين، وهذا هو الذي يعني المسلم الآن.

أما في أي بيئة أو مجتمع إنساني فعقل الإنسان يتم برمجته منذ طفولته على المنظومة المعنوية السائدة في بيئته، فيستمد منها مفاهيمه وتصوراته، ويكون من الصعب بعد ذلك إعادة برمجته، وهو يرى كل ما هو متسق مع ما هو مبرمج عليه تصرفًا عقلانيا مهما كانت نظرة الآخرين إليه.

ويجب العلم هنا بأنه لا يجوز الفصل بين ما يسمونه بالأمور النظرية وبين الأمور العملية، ذلك لأن الأمور العقائدية أو بالأحرى الإيمانيات هي أفعال بالمعنى العام، فالأفعال ليست للجوارح فحسب، هذا فضلًا عن أنها تقتضي من الإنسان أفعالا، فالإيمان هو نفسه فعل وعمل من أعمال القلوب، والتقوى والصبر والحب ... الخ كذلك، كل ما في الأمر أن التقدم والأولية هو لأفعال القلوب، وأنه ثمة تفاعل إيجابي بناء بين ما يصدر عن الإنسان من أعمال مصدقة لفعله القلبي وبين هذا الفعل القلبي.

وقلب الإنسان يتم برمجته بالإيمان وبكل ما يصدر عنه من أفعال مصدقة له، وذلك يزود الإنسان بما يلزم من مسلمات وبينات وبديهيات للحكم على الأمور، بما في ذلك الأفعال، فالقلب السليم مثلا يشمئز من الشرك ويكره الكذب والظلم، وكلما تزكى الإنسان قوي عنده هذا الشعور حتى يتحول إلى إدراك حسي لبشاعة هذه الأمور.

*****

إنه لا اختلاف بين الناس في أي مجتمع نما وتطور في حسن أمورٍ مثل النظام والعدل ووجوب الاحتكام إلى قانون، وفي قبح أمورٍ مثل الفوضى والظلم، إنما الاختلاف هو في توصيف كل فعلٍ ممكن أن يصدر عن الإنسان على حدة.

مثال: ما هو الحكم على الاتصال الجنسي بين رجل وبين امرأة بدون عقد زواج؟

إن الدين بمفهومه الصحيح هو الذي يجيب على مثل هذا السؤال، ومعتنق دين الحق يجب أن يبرمج على النظر إلى مثل هذا العمل ككبيرة من كبائر الإثم.

*****

إن الحكم بكافة صوره الأصلية هو لله تعال، والصالحون يتوافقون مع الأحكام الإلهية، أما أكثر الناس فهم يحكمون بغير ما أنزل الله، وقد سَاء مَا يَحْكُمُون، قال تعالى:

{وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُون} [الأنعام:136]، {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُون}[النحل:59]، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُون}[العنكبوت:4]، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون}[الجاثية:21]

فالحكم المنوط بالناس هو إعمال وتطبيق الحكم الإلهي، فالقاضي الذي يريد أن يحكم بما أنزل الله يجب أن يحكم بالعدل، وإذا كان القرءان قد ذكر حكمًا أو عقوبة بخصوص المسألة التي يحكم فيها وجب عليه الالتزام به.

*****

المثنى العليم الحكيم يقتضي ألا يمكن الحكم السليم على أي أمرٍ من الأمور إلا من بعد الحصول على العلم الذي هو لازم لذلك، والعلم المذكور هاهنا هو العلم بمعناه الحقيقي.

*****

قال تعالى:

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [البقرة:242] {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الأنعام:151] {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قرءانا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [يوسف:2]، {...فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [النور:61] {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قرءانا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الزخرف:3] {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الحديد:17]

إن من مقاصد تبيين الآيات وإصدار الأحكام وإنزال القرءان عربيا والظواهر الطبيعية تنمية وتزكية ملكة العقل عند الإنسان، فالتفاعل إيجابي وبناء بين إعمال ملكة العقل في الأمور المذكورة والعمل بمقتضى الأحكام القرءانية من ناحية وبين تزكية وتنمية هذه الملكة.

وبذلك يتبين أنه لم يكن لهم أن يختزلوا الأمر في مسألة العقل والنقل بالمعنى الذي صاغوه.

وذلك يبين أيضًا أن الإنسان بما لديه من ملكات لا يملك سلطة إصدار أحكام دينية، ولا أن يحاكم الحكم الديني بما لديه من مسلمات عقلية، ولكن له أن يسعى إلى التفقه في الدين.

*****

لا يمكن تقديم ما يسمونه بالعقل أو إلى ما يسمونه بـ(اتفاق العقلاء) على نص ديني، أما الناس فسيظلون مختلفين ومتفاوتين في كافة ملكاتهم الذهنية والوجدانية.

*****

لقد أثبتت آيات القرءان على الأكثرية صفات وأفعالا، ونفت عنهم صفات وأفعالا أخرى.

فممّا أثبتت عليهم:

الجهل، الفسوق، نقض العهد، الأعراض، الإسراف، الحكم بالظّن، اتباع الظّن، الضلال، الكفر، الشرك، كراهة الحقّ، ....

ومما نفت عنهم: العلم، الشكر، الإيمان، الانتفاع بملكاتهم، .....

*****

الحرية الحقّيقية هي في الإيمان بأنه لا إله إلا الله، والعيش بمقتضى ذلك، فهي الرفض القلبي الصارم للخضوع للباطل مهما اشتدت سطوته، والخضوع فقط لله الذي له الأسماء الحسنى، والذي أنزل على عبده القرءان.

*****

كما يكون للجسم أمراضه، كذلك للقلوب أمراضها:

النفاق، الجهل، الارتياب، الزيغ الغمرة أو الرين، المرض، الإشراب، النجاسة (عكس الطهر)، القسوة أو الصغو او الاشمئزاز من التوحيد، أن يكون القلب في كنان (غطاء) أو عليه كنان يمنعه من الفقه، العمى

والطبع، الختم، أن يكون عليها أقفالها

*****

اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فهو خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وخالق المادة التي خُلِق منها كل شيء، وخالق من نسب إليهم فعل الخلق وما خلقوه، وخالق المواد التي خلقوا منها ما خلقوه، فنفي الخلق عن المخلوقات هو لكونهم لا يخلقون بالأصالة، فهم لا يخلقون المادة التي منها يخلقون الأشياء، كما أنهم هم أنفسهم مخلوقون، أما الخلق المنسوب إليهم فهو خلقٌ نسبي محدود.

فمن هو خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هو واحد لا يمكن أن يتعدد.

*****

من الآيات المظلومة:

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة:122]

فلقد أساؤوا عمدًا تأويل هذه الآية لاختلاق طبقة كهنوتية متبعين سنن من كان قبلهم، وضربوا بتأويلهم الزائغ أمرً قرءانيا كبيرا ملزما للمسلمين، بل هو أهم من الصيام والحج، وهو مقصد من مقاصد الدين في الوقت ذاته، وهو السعي إلى فقه آيات الله الكتابية والكونية، قال تعالى:

{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون} [الأنعام:65]، {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُون}[الأنعام:98]، {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُون} [الأعراف:179]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} [الأنفال:65]، {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُون} [المنافقون:7]، {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون}[الحشر:13]

فالآيات تبين أن الفقه من أركان النصر، وأن الفقه يحمي الإنسان من النفاق ومن الهزيمة ومن سوء المصير.

أما أكثر الناس فقد اطمأنوا إلى التأويل الزائغ للآية، وعقدوا مع رجال الكهنوت وأهل اللاذكر اتفاقًا صارمًا لا يمكن الإخلال به، ألا وهو: أن يسبغ أكثر الناس على رجال اللادين واللاذكر ما شاؤوا من ألقاب التفخيم والتعظيم وأن يتركوا لهم تماما أمر الدين باعتباره مهنة للتربح كسائر المهن الدنيوية، على أن يبرئ رجال الدين ذمة هؤلاء الحثالة وأن يحلوهم من أكبر وأقوى الالتزامات الدينية، وبذلك بقي هؤلاء على جهلهم، بل وفرحوا وتباهوا به، وأصبحوا مجرد آلات حقيرة في أيدي رجال اللادين يسلطونهم على ورثة الأنبياء والمصلحين.

*****

المؤمن بدين الحق يعمل على أن يتشبع بمفاهيم وقيم وأسس دين الحق، بمعنى أن يبرمج نفسه عليها، وبذلك تتزكى ملكاته الذهنية والوجدانية، فيمكنه أن يعمل بمقتضى كل ذلك في أموره الجزئية، فيزداد رسوخ دين الحق في قلبه، فيزداد اقتراب افعاله من الحق، وكذلك أحكامه في الأمور الجزئية، والأحكام أنواع، منها الحكم على الأمور بمعنى توصيفها وتقييمها، ومنها الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والحكم بين الناس في منازعاتهم ومعاملاتهم وأمورهم الحياتية.

وأحكام البشر لا يُزاد بها الدين، أي لا تتحول إلى أحكام دينية، وإنما هي تشير إلى الحكم الديني السليم إذا كانوا من العاملين بدين الحقّ.

*****

عناصر منظومة السنن التشريعية إما أن يكون منصوصًا عليها في كتاب الله، وإما أنه يمكن استنباطها منه ببرهان مبين، أي باتباع المنهج القرءاني الذي يأخذ في الاعتبار طبيعة النصّ القرءاني ومنظومة السمات القرءانية وكل ما هو ثابت من عناصر وامور دين الحق.

ولا ينشأ الضلال واللبس إلا من سوء التعامل مع نصوص القرءان ومحاولة إملاء أمور خارجية عليها وإلزامها مسبقًا بها، أو اقتطاع عبارات قرءانية ومحاولة استنطاقها بما هو مقرر سلفًا.

*****

يقول الأصوليون: ((النصوص متناهية، بعكس الأحداث والوقائع فإنها ليست كذلك، لهذا يجب البحث والنظر في النصوص وما تحتمله من معاني ومقاصد ودلالات، وذلك لإيجاد أحكام وفتاوى لمستجدات ووقائع متسارعة، ولذلك يجب الاجتهاد في استثمار كافة طاقات النص في الدلالة على المعنى)).

وهم يتحدثون وكأنه يجب أن يوجد قانون أو حكم لما لا يتناهى من الوقائع والمستجدات، والحق أن العلم الحقيقي يحاول تقليل عدد القوانين إلى أدنى حدّ ممكن، ولذلك يبحثون عن نظريات التوحيد الكبرى، وهم لا يرتابون في وجوب اكتشاف نظرية واحدة تنطبق على كافة الظواهر التي تبدو متباعدة، وقد تمكنوا بالفعل من تحقيق نجاحات مشهودة أدت إلى هذه الطفرات العلمية والتكنولوجية.

لذلك يجب القول بأن القرءان يتضمن ما يلزم من قوانين تغطي كافة ما يحتاجه الإنسان الفرد أو الجماعة المؤمنة، وأن تركيز الأصوليين من السلف على الأحكام ذات الصيغة الظاهرية القانونية يستند إلى جهل عميق وعريق بمقاصد الدين، بل بمفهوم الدين، وأن مساعيهم قد أدَّت إلى تسطيح الأمور.

*****

زعموا أن كلّ ما يحكم به العقل من حسن وقبح فالشارع يحكم به قطعا، ومن قال بذلك لا يملك أن يعطي تعريفًا صارمًا لهذا العقل، وهذا الكلام يتضمن أن الكائن المسمى بالعقل هو إله معصوم، بل إنه مقدم على (الشارع) الحقيقي، ولو كان هذا الكائن بهذا القدر من الرقي والبراعة فلماذا كانت الرسالات؟ ولماذا اختلف الناس فيما بينهم في كل الأمور التي تعالجها الشرائع؟ ولماذا سيظلون مختلفين؟

قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)} هود

1

1.png