الجدول

الإسلام والأمة والدولة والمذاهب المعاصرة

الشورى

إن الشورى هي الآلية المشروعة لتبادل وتداول الآراء حول أمرٍ ما بين أولى هذا الأمر وذلك بهدف الوصول إلى الرأي الأمثل؛ أي أفضل الآراء المطروحة بالنظر إلى المقاصد الدينية.

وكل إنسانٍ هو بالضرورة ولي أمرٍ ما بما في ذلك أمر نفسه.

فولاية الأمر إما أن تكون بحكم صلة شرعية اجتماعية مثل ولاية الأب على أبنائه أو قد تكون بحكم الحصول على ما يلزم من التأهيل الخاص بهذا الأمر، وذلك مثل المهندس أو الطبيب أو العالم في تخصصاتهم المختلفة.

والشورى هي المبدأ الذي يسمح بالاستثمار الجيد لحقيقة أن الله عز وجل قد خلق الناس مختلفين متفاوتين في الملكات والقدرات، ولقد كان ذلك من مظاهر السعة الإلهية، والأمة الناجحة هي التي توظف ذلك لصالحها، فوجود آراء وأفكار متعددة ومتنوعة هو أثمن الثروات الحقيقية، ولا يجوز للاختلافات بين الناس أن تتسبب في تفرق وصراعات.

ويجب على كل كيان مسلم إعمال الشورى في كل أمر، وهذا الإعمال هو ركن واجب على أولي الأمر وعلى كل فرد يلي أمرًا ما مثل أمر أسرته أو أمر مجموعة من العاملين في مجالٍ ما، وهو حق عليه لمن يلي أمرهم، وإعمال هذا الركن يجعل الإنسان يعمل أو يتعود العمل بحواس وملكات وقدرات جماعة من الناس، فالشورى هي نوع من المشاركة في الحواس والملكات الذهنية والاستعمال الجماعي لها وتبادل الآراء للوصول إلى القرار الأمثل، والالتزام بها من لوازم تزكية الحاسة الإنسانية الاجتماعية وحسن استثمارها، ومن كبائر الإثم المضادة لهذا الركن الفرعي الاستبداد والطغيان ورفض النصيحة والعناد والاستكبار، وكلما ازداد حجم الكيان ومسؤوليته كلما اشتد وجوب هذا الركن في حقه، وإعمال الشورى يقتضي ضمان حق النصيحة والتواصي بالحق لكل كيان.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الشورى38، {... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آل عمران159

إنه في أكثر الأحوال لا يستطيع إنسانٌ بمفرده أن يحيط بأمرٍ ما من كافة جوانبه، وأن كل إنسانٍ بحكم إمكاناته وملكاته وقدراته وتأهيله قد يرى جانبا من الأمر لم يره غيره، أو لم يره الرؤية الكافية، لذلك كان لابد أن يكون أولو الأمر مجموعة وليس فردا واحدا.

ولبيان ما سبق ذكره يمكن ضرب المثل التالي: عندما يكون مطلوبا من مجموعة من الأطباء المتخصصين علاج أحد المرضي فقد تختلف آراؤهم حول التشخيص الدقيق للحالة وحول أفضل سبل العلاج، ومن المفترض هنا أن هؤلاء الأطباء هم أولو أمر حقيقيون بمعنى أنهم متمكنون من فنهم وكذلك مؤمنون وعاملون بأركان وقيم وسنن دينهم وعالمون بمقاصده، ولا يوجد بخصوص الأمر المطروح أمامهم من نص ثابت قطعي الدلالة، فلابد هاهنا من إعمال الشورى للوصول إلى العلاج الأمثل، ولا يجوز لأحدهم فرض رأيه على الآخرين بالإكراه، ولا يجوز طرح الأمر للتصويت على العاملين بالمصحة ولا حتى على أهل المريض، ولكن ما دخل المقاصد الدينية في الأمر؟ إنه بمقتضى المقصد الديني الأعظم الخاص بالفرد يجب أن يكون العلاج الأمثل هو ما يتيح من بعد للمريض أفضل السبل ليكون إنسانا ربانيا صالحا، وهذا قد يتمثل في إعداد نفسي أفضل للمريض يطرد عنه اليأس ويزيد من متانة بنيانه النفسي، وإذا كان هذا هو النهج الذي سيتبعه كل أطباء الأمة فسيترتب عليه أفضل حفاظ على حياة الناس وعلى كفاءة أجسادهم ونفوسهم، وسيزيد من ثقة الناس بأولي أمرهم وسيزيد من متانة بنيان الأمة وترابطها وقوتها، وكل ذلك من لوازم تحقيق المقصد الديني الخاص بالأمة.

وقد تستجد معاملة مالية مثلا فيكون المطلوب من أولي الأمر المتخصصين إعمال الشورى فيما بينهم لبحث مدي اتساق هذه المعاملة مع مقاصد الدين وقيمه والتأكد من خلوها من أي جور أو ظلم، وليدخلوا عليها ما قد يلزم من تعديلات عليها وسن ما يلزم من تشريعات، ولا يجوز أبداً الزعم بأن ما وصل إليه أولو الأمر باجتهادهم هو حكم الله أو رأي الدين...إلخ، وإنما يبقى أمرا اجتهادياً قابلاً للتعديل والتطوير، والأمور الخاصة بأمة ليست بأقل شأناً من الأمور الخاصة بفرد، فلابد من إعمال الشورى في كافة الأمور التشريعية والتنفيذية والقضائية وغيرها، ولا يجوز استثناء مجال منها.

وبالطبع لا مجال لتبادل الآراء حول الحقائق الثابتة التي يتضمنها القرءان، وإنما مجال إعمال الشورى هو الأمور التي ليس لدي الناس فيها نصوص قطعية الثبوت والدلالة ومنها الأمور المستجدة، وهذا يعني أن الشورى تختلف عن الديمقراطية المعلومة ولا تحتكم إلى نظام عد الأصوات بين الناس كافة؛ فهي لا تعترف بأية سلطة أو شرعية للأكثرية، بل هي تعطي الأولوية للتمكن من الأمر والقدرة على الاستنباط أو الوصول إلى القرار الأمثل.

ومن كبائر الإثم المضادة للشورى الاستبداد والكبر وشدة الاعتداد بالنفس وازدراء الآخرين.

*****

إنه لا تخيير في أمر الشورى؛ فإعمالها ركن فرعي ملزم من أركان الدين، وهي من لوازم ومقومات ولاية أي أمر، وأهميتها تزداد بمقدار مكانة الكيان الإنساني وبمقدار حجم مسؤوليته، وهي تستند إلى منظومة أسماء الحكمة وإلى الأسماء رب العالمين، الواسع العليم،...، ذلك لأن لله تعالى في كل خلْق من خلقه شؤونا وفضله عظيم وسابغ وأوسع من أن يحتكره أحدهم لنفسه، وما من مخلوق إلا وهو من مجالات عمل أسمائه، فلكل إنسان اسم إلهي يربُّه ويدبر أمره، والإنسان من لوازم تحقيق مقاصده، فالإعراض عن الشورى يستند إلى كفر خفي بالأسماء الإلهية وإلى استكبار وعتوٍّ كامن في النفس، يخفي حقارة وضعة ونقصاً خطيراً فيها، فالاستبداد مخل بالأهلية لولاية أي أمر، ولم يحدث تقدم حقيقي على مدي التاريخ إلا بتضافر جهود مجموعات من الناس يتعلمون كيف يصغي بعضهم إلى بعض وكيف يقدرون لكل رأي أو وزنه، وآلية اختيار رأي من الآراء هي أمر يتطور بتطور العصور.

وولي الأمر ملزم بإعمال آلية الشورى والالتزام بما أفضت إليه، وذلك أوجب بعد ختم النبوة، ورغم أن إعمال الشورى هو ركن فرعي إلا أنه يعادل ركن إقامة الصلاة مثلاً، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الشورى38، فجعل الشورى بين مجموعة من الأركان المعلومة والمشهورة لبيان مدى أهميتها ودرجة الإلزام فيها.

أما المستبد برأيه فمخالف لشريعة الله مغالٍ في أمر نفسه مستخف بقدر غيره، في نفسه عتو وكبر أصله ضعة، واعتزاز بالنفس يخفي عدم ثقة بإمكاناتها والخوف من تفوق غيره وتعالم يرتكن إلى جهل عريق، فالمستبد كافر بالمساواة والأخوة الإنسانية وينازع ربه سلطانه وسطوته، ولقد كان من شر ما ابتليت به تلك الأمة استشراء الاستبداد فيهم، ولقد ظل ما ترتب على ذلك ينخر في بنيانها إلى أن تهاوت وتسلط عليها أعداؤها.

ولقد رأى الناس إلى ماذا آل أمر من قال: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)؛ لقد قادهم إلى قاع البحر في الدنيا وإلى النار في الآخرة، لقد اقتحم بهم البحر فأطبق عليهم كما سيقودهم في الآخرة فيوردهم النار حيث يتلاعنون ويتشاتمون، وهذا هو المصير الحتمي والمعروف لكل طاغية ولكل من استخف قومه فأطاعوه.

ولا يوجد في الإسلام شيء اسمه الإجماع، هذا مع استحالة تحققه أصلا، ولقد نص القرءان على ذلك في آيات محكمة وقطعية الدلالة، فسيظل الناس مختلفين ولن يجمعوا أبدًا على رأيٍ ما، فالإجماع هو من المحدثات في الدين وكل محدثة ضلالة وكل ضلالة في النار، وما الإجماع الذي قالوا به وأجمعوا على اعتباره أصلا مع كتاب الله ثم اختلفوا في كل ما يتعلق به إلا اسم مهذب لنظرية القطيع، ولم يرد في الكتاب العزيز أدني ذكر لإجماعهم هذا، وإنما ألزم الله تعالي الناس بالشورى بين أولي الأمر، وهي الشورى التي حملوا عليها حتى قضوا عليها قضاءً مبرمًا منذ فجر الإسلام، بل استحدثوا صياغة للدين يمنعون بها إمكانية الأخذ الحقيقي بالشورى في أي بلد تسلطوا هم أو تسلط مذهبهم عليه، وهكذا جعلوا من الدين الذي ندد تنديدا شديدا بفرعون لاستبداده دينا لتوليد واستنبات من هم أظلم وأطغى منه، وكذلك لاستنبات وتوليد من هم شر من ملئه وأفسق من قومه، كما جعلوا ممن قضى على الشورى وأعلن ذلك على رؤوس الأشهاد سيدا يلزمون الناس بالترضي عنه ويتربصون بكل من يحاول إعادة دراسة أمره وبيان الحق بشأنه وأعادوا صياغة دينهم ليتفق مع كبائر الإثم التي اقترفها، وهذا يكشف حقيقة المؤسسين الحقيقيين للدين السني، ولقد كانت الشورى من أول المبادئ والتعاليم الإسلامية التي قضوا عليها قضاء مبرما.

*****

إن الشورى هي المبدأ الذي يسمح بالاستثمار الجيد لحقيقة أن الله عز وجل قد خلق الناس مختلفين وذوي إمكانات متعددة متنوعة، ولقد كان ذلك من مظاهر سعته، والأمة الناجحة هي التي توظف ذلك لصالحها ولا تسمح لتلك الاختلافات بأن تتسبب في تفرق وصراعات، إن الثراء الفكري للأمة وازدياد أعداد المفكرين الحقيقيين فيها من وسائل زيادة ما نُسمِّيه من قديم بالثقل الأمري والذي تمثل القوة الناعمة جانباً من جوانبه، إن المفكر الحقيق هو كنز لأمته ومن أسباب قوتها وسيادتها، والدول العظمى المتقدمة الآن مدينة لعدد قليل من المفكرين المتميزين.

*******

إن مجال الشورى هو كل الأمور التي لا يوجد بشأنها نص قطعي الدلالة والثبوت، ومن ذلك: السبل الأمثل لإعمال الأوامر والسنن الدينية وتحقيق مقاصد الدين في كل عصر ومصر وكذلك الحكم فيما يمكن أن يستجد من أمور ومنازعات بين الناس وفقا لمنظومة القيم الإسلامية، وكذلك النظر في المصاديق الجديدة للمصطلحات القرءانية، وبإيجاب إعمال الشورى يتضح أن كتاب الله تعالى بالفعل تبيان لكل شيء، فلقد بيَّن الأسس والسنن والمقاصد والقيم والأركان والتشريعات وكل ما يجب التحرك في إطاره وجَعَل الشورى هي الآلية اللازمة لتداول وتبادل وتقليب الآراء للوصول إلى الرأي الأمثل في الأمور المطروحة.

*****

إن ختم النبوة يعني بكل جلاء أنه ليس من حق أي كيان إنساني أن يزعم أن ما وصل إليه من رأي فيما لا يوجد بشأنه نص قطعي الثبوت والدلالة هو أمر أو حكم ديني أو أن ينسبه إلى الله تعالى، وكذلك ليس من حق أحد أن يزعم لآخر شيئًا كهذا أبدا، إنه لا يمكن لإجماع بشري ولا لاجتهاد بشري أن يحدث أمرا دينيا ولا قانونا كونيا!

وهذا يقوض مزاعم الشيعة الذين يقولون بعصمة من يسمونهم بالأئمة وكذلك مزاعم أهل السنة الذين يقولون بعصمة السلف أو ما يسمونه بجمهور العلماء أو بعصمة الأمة من حيث أنها هي القطيع الذي يتبعهم، ويجب مع ذلك العلم بأنه سيوجد دائمًا من أفراد الأمة من يعرفون الحق ويتبعونه، فإذا ما أراد الله بأمة خيرًا فإن الأمر سيدبر حتى يعرفهم الناس ويتبعوهم.

*******

من الجدير بالذكر أن سدنة ومؤسسي المذاهب قد أبدوا اهتماما شديدا بالنواحي القانونية والشكلية للمعاملات وأشبعوها تأليفا وتصنيفا ولكنهم في المقابل أهملوا القيم والمبادئ والمثل الإسلامية والأمور الوجدانية بحجة أنها أمور غير منضبطة ولا يمكن ترتيب أحكام عليها، فجردوا المعاملات من جوهرها وروحها، هذا بالإضافة إلى أنهم غلبت عليهم الطبيعة الأعرابية والإسرائيلية في الصياغة القانونية التي أحدثوها للدين.

*******

قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}النساء83، إن الذين يستنبطونه هنا هم أولو الأمور القيادية والتنفيذية والاستراتيجية كما هو واضح، فالآية تتحدث عن الأمور التي يترتب عليها الأمن أو الخوف، فلا شأن لها بالفتاوى الإسرائيلية ولا يحق للكهنوت أن يتمسحوا بهذه الآية وهي لا تعطيهم أي حق في الوجود ولا في فرض أنفسهم على الناس ولا في الحيلولة بينهم وبين كتاب ربهم.

*******

قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}الشورى38، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران159، {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}البقرة233

لورود الشورى بين ركنين معلومين من أركان الدين فهي بذلك –على الأقل- ركن فرعي من أركان الدين، فكل مسلم ملزم بإعمال الشورى وخاصة في الأمور المشتركة بينه وبين غيره.

والأمر بإعمال الشورى الموجه إلى نبي يتلقى الوحي يتضمن أن من هم من دونه ملزمون بإعمالها، وللناس حق في أن يُسألوا وأن يُستشاروا يجب أن يكونوا حريصين عليه، ولا ينزع منهم هذا الحق وقوعهم في الأخطاء وفي اقترافهم الآثام.

وكل الأمور الخاصة بأي كيان إنساني يجب أن تكون محلّ شورى بين كل أعضاء هذا الكيان، ومن تلك الكيانات الأسرة؛ فيجب استشارة أعضائها في كل ما يمس حياتهم من أمور.

وكل من هم مشتركون في مجال معين لابد أن يصلوا إلى القرار الأمثل عن طريق تداول الآراء والتشاور فيما بينهم، أما في حالة عدم إمكانية الحسم بين القرارات لأي سبب من الأسباب فيمكن اللجوء إلى نظام التصويت، ويجب أن يكون هذا النظام عقلانيا يعطي لكل ذي حق حقه، ولكل ذي وزن وزنه.

*****

الشورى هي في الأمر، والأمر كلمة عامة يمكن أن يكون في أي مجال من مجالات النشاط الإنساني، وليس فيما يُسمى الآن بالمجال التنفيذي فقط، فهي تشمل مثلا كل مجالات الطب والهندسة والعلوم وإدارة الأعمال وتربية الأطفال وشئون الأسرة...الخ.

فالشورى في أي أمر تكون بين المختصين بهذا الأمر المؤهلين بالبت فيه، والذين لهم بذلك حق الطاعة فيه كما يكون للطبيب حق الطاعة على مرضاه والوالد حق الطاعة على أبنائه.

والشورى بذلك على النقيض تمامًا من الديمقراطية التي تعطي الوزن الأكبر للكثرة العددية، ولا علاقة لها بما يسمى بالنظام الانتخابي.

إن الشورى ليست هي الديمقراطية وإنما هي آلية يجب إعمالها بين أولي أمرٍ ما لتداول الآراء والأفكار ولاختيار أحسنها وأفضلها، وهذا الأمر قد يكون علميا أو طبيا أو قانونيا ....إلخ، ولا بد من اتفاق أولي هذا الأمر على قواعد وأسس تطبيق هذه الآلية والوصول إلى الأمر الذي يجب إنفاذه، فقد يتم الجدل حول الآراء المعروضة إلى أن يتم إثبات أفضلية أحدها، أو أن يتم تبني رأي هو مزيج من الآراء المعروضة وقد يوكل إلى المقدم عليهم أو إمامهم اختيار الأحسن من وجهة نظره وقد تطرح الآراء للتصويت السري مثلا، وقد يكون لكل واحد من أولي هذا الأمر وزنا يختلف عن وزن غيره فيجب أن يؤخذ ذلك في الاعتبار.

ومن مقاصد إعمال الشورى الرقي بالأمة وبالملكات الذهنية لأفرادها والوصول إلى أفضل السبل لتحقيق مقاصد الدين، وإعمال الشورى هو عمل بمقتضى السنن الإلهية التي هي من مقتضيات الأسماء الإلهية وخاصة تلك التي تشير إلى سمة الحكمة.

وبتربية المسلم على الالتزام بالشورى منذ صغره فإنه يتعلم كيف يستعمل حواس وملكات الآخرين ليحقق بهم مقاصده، فهو بذلك يرى بكل أعينهم ويسمع بكل آذانهم ويفكر بكل عقولهم فيضاعف بذلك من ملكاته وقدراته.

*****

إعمال الشورى في كل أمر هو أمر قرءاني ملزم لأولي الأمر، فهو ملزم لكل فرد يلي أمرا ما مثل أمر أسرته أو أمر مجموعة من العاملين في مجالٍ ما، وهو حق عليه لمن يلي أمرهم، وإعمال هذا الركن يجعل الإنسان يعمل أو يتعود العمل بحواس وملكات وقدرات جماعة من الناس، فهو من لوازم تزكية الحاسة الإنسانية الاجتماعية وحسن استثمارها، وهو نوع من المشاركة في الملكات والحواس Mental faculties share and senses share، ومن كبائر الإثم المضادة لهذا الركن الفرعي الاستبداد والطغيان ورفض النصيحة والاستكبار، وكلما ازداد حجم الكيان ومسؤوليته كلما اشتد وجوب هذا الركن في حقه، وإعمال الشورى يقتضي ضمان حق النصيحة والتواصي بالحق لكل كيان.

إن من له حق الشورى في أي أمر –أي حق إصدار القرار الملزم في مجالٍ ما- هم أولو هذا الأمر، والأمر كلمة عامة تشمل كل مجال موجود أو من الممكن أن يستجد من أمور الحياة، ومن الواجب على الأمة أن تعمل على أن تؤهل في كل أمر من لديه الاستعداد لذلك، فكما يتم التأهيل في فرع طبي أو هندسي أو علمي أو قانوني أو مهني أو الإداري.......الخ يجب أن يتم التأهيل في الأمور التنفيذية، فإدارة أمور أمة أهم بكثير من إدارة أمر شركة، وأولو الأمر التنفيذي يجب أن يكونوا على دراية تامة بتاريخ العالم بصفة عامة وتاريخ بلدهم بصفة خاصة وبفلسفة التاريخ وبالأمور الاستراتيجية وغيرها فضلا عن قدرات ذهنية عالية ولياقة نفسية وصحية مقبولة، فلا يجوز أن تكون كل خبراتهم التآمر في الظلام وحشد الدهماء وخداع البسطاء.......الخ، وكما قلنا كثيرا يجب توفر مدارس لإعداد المؤهلين في الإدارة العليا يتقدم لها كل من يجد في نفسه القدرة على التمكن من هذا المجال، وبالطبع يجب أن يكون قد تلقى من قبل تعليما أكاديميا رفيعا.

*****

تعريف الشورى في الأمر مرتبط بتعريف الأمر وأولي الأمر، والشورى ملزمة لكل من يلي أمرا بما في ذلك أمر نفسه وأمر من يعول.

*****

إن كل فرد من أفراد الأمة آمر حاكم في مجاله مأمور محكوم في كافة المجالات الأخرى، ولابد في كل مجال من وجود آلية معتمدة ومعروفة لتأهيل الناس واصطفاء أفضلهم لتصعيده، وهذا يحقق آليا الفصل بين السلطات ويحقق للأمة الاستفادة من كافة مواردها البشرية وهي في الحقيقة أثمن الموارد، والشورى هي الآلية الشرعية لتداول الآراء والتفكير الجماعي، فكأن الكيان الذي اسمه الأمة يفكر بكل عقول مكوناته على التوازي.

يمكن ضرب المثل التالي: عندما يمرض أحد الأشخاص لا يجوز أن يعالجه شخص واحد لابد من الشورى بين مجموعة من المتخصصين في شتى المجالات ذات الصلة لتحديد الداء وللوصول إلى الأسلوب الأمثل للعلاج، وكلما ازداد التطور والتقدم كلما اشتدت أهمية ذلك.

*****

أولو الأمر المختصون بالأمور العسكرية على المستوى الاستراتيجي لا يلزم بالضرورة أن يكونوا من جنود القوات المسلحة، ولكن القادة لابد أن يكونوا قد تمرسوا بكل ما يلزم من التدريب العسكري الجاد.

*****

لا علاقة بين الشورى وبين الديمقراطية، القرار الصادر بإعمال الشورى بين أولي الأمر يستمد مصداقيته من موضوعيته وحقانيته واستناده إلى حقائق دامغة يسلم بها المتخصصون وكونه الأفضل من بين كل الآراء المطروحة، بينما في الديمقراطية يستمد القرار مصداقيته وشرعيته من شيء غير موضوعي وهو عدد من وافقوا عليه مهما كان جهلهم الحقيقي به، والأكثرية لا تتبع عادة إلا الأهواء ويمكن تضليلها بآلات الإعلام الجبارة أو خداعها برفع شعارات دينية مضللة أو بالشعارات التي ترفعها الجمعيات السرية الغامضة.

*****

في الشورى لا يُستفتى أحد فيما يجهل، وفي الديمقراطية يُستفتى الناس فيما يجهله أكثرهم، ويسيرهم أنذالهم وأراذلهم!

*****

الشورى في الأمر هي أمرٌ قرءاني أثقل وزنًا بكثير من صيام رمضان.

سيقول السفهاء والمغفلون ونعال الشيطان: "ولماذا هذه المقارنة؟ ولماذا هذا الكلام الآن؟"

صيام رمضان هو عبادة غير ملزمة في أحيان كثيرة، ويجب الامتناع عنها في حالات عديدة، وهي تتعلق أساسًا بالفرد فقط، ولها مقاصدها التي يمكن تحقيقها بدونه.

أما الشورى في الأمر فهي أمر ملزم لكل كيان إنساني؛ للفرد، للأسرة، لكل أولي الأمر في أي أمر، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولا بديل لها، ولا عذر في تركها.

ويجب برمجة الطفل منذ صغره على الأخذ بها، وبهذا ينشأ بشرًا سويًّا، وبهذا تصبح البيئة الإسلامية غير صالحة لاستنبات واستفحال الاستبداد والطغيان، فتقوى الأمة الإسلامية وتتعملق في البنيان.

أما قلب الموازين فسيترتب عليه ما هو ماثل أمامكم، أمة تتلهى بالصيام، وتربطه بكل ما تشاء من اللهو والمهازل، وتتخذ منه ذريعة للتنصل من العمل الجاد ومن إعداد المستطاع من القوة ومن تحصيل العلم.

*****

الشورى هي من عناصر منظومة القيم الإسلامية، وإعمالها ركن فرعي لوازمي من أركان الدين، أي هي من لوازم القيام بعدة أركان، وهي من السنن الملزمة لأولي الأمر، وهي ليست ترفًا، بل هي أمرٌ قرءاني خطير قد يترتب على التمرد عليها الهلاك المعجل في الدنيا.

*****

الشورى تكون بين أولي الأمر في كل أمر، وهؤلاء يتم تصعيدهم وفق آليات معلومة ومتفق عليها مثلما هو الحال في الكادر الأكاديمي أو العسكري أو الدبلوماسي أو الإداري ... الخ.

*****

إن الديمقراطية طبقًا للتعريف الشائع هي حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب، وهذا ما لم وما لن يتحقق أبدا، وهذا التعريف يمثل بالأحرى المقصد من الديمقراطية، أو هو أمل لا سبيل إلى تحقيقه، ولا يجوز تعريف الأمر بالمقصد منه، فالديمقراطية ستظل دائما حكم الشعب لصالح الفئة التي تمكنت من خداعه بأية وسيلة، ومن بينها الآن أجهزة الإعلام، أو بالأحرى، التضليل الجبارة وأجهزة صناعة الرأي العام، والفئة المخادعة هي التي تفقه جيدا نفسية الشعب وما يسيطر عليه من أساطير وخرافات، وتعلم أن أكثر الناس عبيد الدنيا، وأنهم لا يرون أبعد من مصالحهم المباشرة الآنية.

وفي المجتمعات التي يضربها الجهل والتخلف، ويُبرمج الناس فيها منذ صغرهم على أديان شيطانية شركية، يمكن أن يركبهم أي إبليس يرفع شعارًا دينيا، وأن يشتري أصواتهم بأبخس سعرٍ أو مجانا.

والشورى ليست هي الديمقراطية وإنما هي آلية لتبادل الآراء بين مجموعة من الناس بخصوص أمر مشترك فيما بينهم، وهي نوع من التدبر والتفكير الجماعي يتيح للكيانات الإنسانية تبادل الخبرات والاستعمال الأمثل للملكات، وهي بمقتضى القرءان ركن فرعي من أركان الدين، وهي من تلك الحيثية ملزمة للناس أجمعين وخاصة بين أولي أمر معين، والمقصود بأولي أمر معين هم أكثرهم إلماماً به وإحاطة به من كافة جوانبه والذين وصلوا إلى ذلك وفقا لآليات شرعية مقررة ومعترف بها من الناس، فولي الأمر ترشحه لذلك ملكاته وقدراته وإنجازاته وصفاته وتحقيقه لكافة المتطلبات اللازمة.

والشورى في أجهزة إدارة وتصريف أمور الأمة إنما تكون بين الصفوة من أولي الألباب المؤمنين والمتمرسين في أمور الإدارة، وهم بكل تأكيد قلة قليلة كما يتنبأ بذلك المنحني الطبيعي المعياري The standard normal distribution.

أما الديمقراطية فتلزم الأمة برأي الأكثرية في كل أمورها، وهذه الأكثرية مذمومة ذمًّا مطلقا وعلى كافة المستويات في عشرات الآيات القرءانية، فمن الحقائق القرءانية الراسخة والمنصوص عليها ضلال الأكثرية وقصورهم.

والديمقراطية هي البديل للصراع الدنيوي، فهي منظومة مبادئ ومفاهيم وآليات لجعل التنافس على القيام بالأمر بين أولي المصالح المتناقضة أو مراكز القوى أو المتنافسين تنافسا سلميا، ولابد من رسوخ مفاهيم وقيم وآليات تضمن استقلال السلطات وتقتلع نزعات عبادة البشر وتوثينهم من النفوس.

ولا يمكن أن تنجح الديمقراطية في شعوب يقدس أفرادها كل من تسلط عليهم وقهرهم وعلا عليهم لأي سبب من الأسباب، ويلاحظ أن كافة المذاهب المحسوبة على الإسلام توطن الناس على توثين طوائف معينة من البشر والخضوع لهم، ويلاحظ أن النظام الفرعوني هو نتيجة لازمة لأحوال شعب ما، فالفرد في مثل هذا النظام يجمع كما يجمع المغناطيس بين طرفين كل منهما نقيض للآخر ولكن لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فكل منهما لازم لوجود وتعين الآخر، والنقيضان هما الخضوع والذل من ناحية والاستكبار والطغيان من ناحية أخري، لذلك يستطيع أي فرد أن يظهر أقصي درجات الخنوع والذل والتملق والنفاق والمازوشية لمن هو أعلى منه ويمارس أقصي درجات الاستكبار والفرعنة والسادية ضد من هو أدني مرتبة منه، أما الديمقراطية فتتضمن منظومة قيمها ما يضمن تنمية ودعم وتزكية الصفات الايجابية والفعالية في نفوس الناس وترسخ فيها مبادئ التكافؤ والمساواة ووحدة الأصل البشري وتسخر من الطغيان والتسلط، إن سر نجاح الديمقراطية هو توفر الآليات الرقابية حيث تجعل من كل حزب من الأحزاب المتنافسة رقيباً على الآخر ويساعد على ذلك قوة الصحافة ووسائل الإعلام وحرية الفكر وحرية تبادل المعلومات، وكذلك معاملة سائر الناس كبشر طبيعيين وليس كأرباب معصومين، ولا بديل لتحقيق الرقي بالنظام الديمقراطي إلا تفعيل منظومات قيم ومقاصد وسنن وأركان دين الحق فهو يحقق للناس أفضل ما في الديمقراطية ويحميهم من شرورها، وهو الكفيل بتحقيق السعادة للناس أجمعين في العالمَيْن.

*****

إن الفرق بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية الغربية كبير جدا، بل إنه لا يجوز المقارنة أصلا لاختلاف الأسس والمنطلقات اختلافا تاما، إن الشورى هي آلية للوصول إلى الرأي الأمثل بين أولي الأمر؛ أي المؤهلين المتخصصين في مجال معين، وهذا الرأي إنما يكون في الإطار العام لدين الحق ومتوافقا ومتسقا مع كل عناصره، ولو فُرِض غير ذلك لما كان هؤلاء أولي أمر أصلاً ولعزلوا بذلك أنفسهم، أما الديمقراطية فهي نظام تفرض فيه الأكثرية رأيها على الأقلية، فللأكثرية هاهنا حق التشريع بما يتوافق مع ميولها وأهوائها التي يمكن لوسائل الإعلام أن تضللها أو على الأقل تكيفها كيف تشاء، ولا يمكن للديمقراطية أن تنجح للرقيّ بشعوب غارقة في مستنقع الجهل والانحطاط والتخلف والتدين المغلوط الزائف، فالديمقراطية تجعل من الأكثرية ربا مشرعا، وهذا ما يتناقض تماما مع دين الحق، وإذا كان لابد منها كآلة عصرية فيجب أن تكون مقيدة بمنظومة القيم والسنن الإسلامية (الخاصة بدين الحق وليس المذاهب التي حلت محله).

*****

أولو أمرٍ ما هم الجديرون به المؤهلون تأهيلا تاما فيه وفق آليات معلومة ومرْضي عنها من الجميع، والأمر كلمة عامة تشمل كل أوجه النشاط الإنساني، فتأهيل ولي الأمر الإداري أو التنفيذي لا يقل أهمية بل يفوق تأهيل المهندس أو الطبيب، فإدارة أمور أمة لا تقل أهمية عن بناء عمارة سكنية أو إجراء عملية جراحية.

*****

لو استفتى الرسول قريشا والأعراب بشأن الرسالة التي جاء بها لرفضوها بإجماع شبه تام، ولو استفتى محمد علي الشعب المصري على أية خطوة إصلاحية من الخطوات التي قام بها لما حقق أي إصلاح، ومن المعلوم أن الأكثرية مذمومة دائمًا في القرءان، ومن المعلوم على مدى التاريخ أن الأكثرية كانوا قتلة الأنبياء وأعداء كل إصلاح أو تجديد.

وفي مصر الآن يوجد مشايخ يجزمون ببطلان المذاهب التي يروج لها الأزهر، ولكنهم يخشون سطوة العامة والغوغاء!

*******

موضوع أهل الحل والعقد لا وجود له في الإسلام، بل هو منقول عن أهل الكتاب ويتضمن شركا واختلاسًا لاختصاصات وسلطات إلهية.

أما المؤهلون في أي مجال فتوجد دائما آليات متفق عليها ويرتضيها المتخصصون لتقييمهم وترتيبهم ومعرفة من هو الأولى بالتقدم منهم، ونحن نتكلم عن أمة من المؤمنين إيمانا حقيقيا.

*******

إن إعمال الشورى في كل أمر هو ركن واجب على أولي الأمر وعلى كل فرد يلي أمرا ما مثل أمر أسرته أو أمر مجموعة من العاملين في مجالٍ ما، وهو حق عليه لمن يلي أمرهم، وإعمال هذا الركن يجعل الإنسان يعمل أو يتعود العمل بحواس وملكات وقدرات جماعة من الناس، فهو من لوازم تزكية الحاسة الإنسانية الاجتماعية وحسن استثمارها، ومن كبائر الإثم المضادة لهذا الركن الفرعي الاستبداد والطغيان ورفض النصيحة والاستكبار، وكلما ازداد حجم الكيان ومسؤوليته كلما اشتد وجوب هذا الركن في حقه، وإعمال الشورى يقتضي ضمان حق النصيحة والتواصي بالحق لكل كيان، فالشورى آلية إسلامية فطرية ملزمة لكل مجموعة من العاملين في مجالٍ ما أو لكل من لهم اهتمام مشترك، فهي ملزمة مثلا وينفذها بالفطرة مجموعة الأطباء عند علاج مريض ما، وهي ملزمة للرجل الذي يريد أن يزوج ابنته مثلا، وملزمة للوالدين عند اتخاذ قرار فطام الوليد.

*****

الشورى هي أمرٌ ديني كبير وملزم لمن يشتركون في أمر واحد بدءا من الأسرة وانتهاء بأعلى هيئات أولي الأمر، بل إن الإسلام يلزم الوالدين بالتشاور في أمر فطام رضيعهما فضلا عن إلزامه الأمة وولاة أمورها بالشورى، وقد ورد ذلك في أمر قوي واضح، و الشورى بحكم تعريفها تتضمن ألا يستشار أحد فيما يجهله وألا يستشار في أمرٍ ما إلا من هو مؤهل التأهيل الكافي فيه، وهي بذلك تختلف عن طريقة التصويت أو الاقتراع في النظم الديمقراطية، فطبقا للإسلام لا يجوز أخذ رأي من يجهل الكتابة في الطريقة الأمثل لكتابة الحروف العربية مثلا، وبالمثل لا يجوز استفتاء الناس في أمر دستور ملزم للأمة جمعاء إلا بعد التأكد من معرفتهم به معرفة حقيقية، ومن ذلك يتبيَّن أنه من العبث اعتماد الاستفتاء العام وسيلة للقبول بدستور، والبديل المتاح هو أن ينتخب كل مكوِّن من مكونات الأمة على كافة المستويات من يرتضي أن يمثله لكتابة الدستور بالتوافق، ولقد كتب الرسول دستور المدينة بالتوافق مع كل من فيها بما فيهم قبائل اليهود.

*****

إن الاختلاف هو من سنن الحياة البشرية، ولقد اقتضته طبيعة هذا الكون الظاهر والسنن الكونية، ولابد منه لتحقيق الغاية أو المقصد من خلق الكائنات وهو الظهور التفصيلي للكمال المطلق، فذلك يقتضي اختلاف ماهيات الكائنات حتى داخل نفس النوع، فالنقص لازم لتعين ماهية الإنسان ولتفصيل الكمال، فلا سبيل إلى دفع هذا الاختلاف ولا يمكن قولبة الناس أبدا، فلا مفر من التعايش مع هذا الاختلاف واستغلاله الاستغلال الأمثل، ومن ذلك الإفادة منه لصالح الجماعة المؤمنة، هذا مع العلم بأن الاختلاف قد يؤدي إلى التنازع والاقتتال والبغي إن لم توجد آلية لتوظيفه لصالح الأمة، فمن الأفضل إذًا إيجاد آلية تسمح بالاختلاف وتستثمره وتسمح بالتبادل السلمي للآراء والتوظيف الآمن لهذا الاختلاف، والشوري بين أولي الأمر المعتبر هي الآلية الشرعية المعتمدة والتي تغني عن كافة الأصول الزائفة التي فرضت على الأمة وأوصلتها إلى تلك الحالة المعلومة.

والشورى إنما تكون بين أولي الأمر، فلابد من وجود هيئات أو مجامع من أولي أي أمر تحتاجه الأمة، وعلى كل فرد من الأمة طاعة كل ولي أمر في مجال تخصصه.

*****

1