الصدق

الصدق هو أن يقول الإنسان ما يعلم أنه الحق وأن يتفق ظاهره مع باطنه وأن تُصدِّق أفعالُه أقواله.

والصدق هو من أركان منظومة القيم الإسلامية، وهو من مقتضيات كثير من الأسماء الحسنى، هذه الأسماء هي مفردات منظومة سمة الحق، وتتضمن هذه المنظومة من الأسماء: الحق والصادق و"الملك الحق" و"الحق المبين" و"المولى الحق".

إن الصادق يراقب من له الوجود الحقيقي ويعتصم بمن له الوجود الحقيقي ويتشبث بالوجود الحقيقي.

أما الكاذب فيتشبث بالعدم أو بالأمور العدمية، لذلك ففي حين يزكي الصادق نفسه وينمي كيانه الجوهري فإن الكاذب يدسي نفسه ويقوض كيانه الجوهري، وقَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا.

إن الصدق هو مقتضى منظومة أسماء سمة الحق، ومقتضى الاسم الإلهي "الصادق"، وبتحري الصدق يتقرب الإنسان من ربه، وينجذب إلى حضرته ويتحقق بقربه.

إن من يتحرى الصدق هو يسعى إلى التشبث بالوجود والاعتصام بمن له الوجود الحقيقي المطلق، وهو بذلك ينأى بنفسه بعيدًا عن العدم ومظاهره، فيحيا بذلك الحياة الحقيقية.

إن من يتحرى الصدق في كلامه وأفعاله إنما يحاول القيام بحقوق سمة إلهية، وهو بذلك يتقرب إلى ربه، فالتقرب إلى الله إنما يكون بالتحقق بمقتضيات سماته.

إن من يتحرى الصدق في كلامه وأفعاله إنما يحاول القيام بحقوق سمة إلهية، وهو بذلك يتقرب إلى ربه، فالتقرب إلى الله إنما يكون بالتحقق بمقتضيات سماته.

ولقد أُعطى الإنسان ملكات النطق والبيان والكلام والتفكير، وكل من الكلام والتفكير هو قوة هائلة زُوِّد بها الإنسان  ويستطيع الإنسان إذا تكلم بناء على تفكير وحضور مع المعنى أن يحدث تأثيرا في طبقة أو أكثر من طبقات العالم بما في ذلك الإنسان نفسه، وتلك المقدرة تنمو وتقوى كلما التزم الإنسان وتعود أن يكون صادقا، وعندها ستسخر قوى لطيفة وجنود غيورين على تلك الصفة للحفاظ على مكانة الإنسان ومرتبته كصادق، هذه القوى هي من جنود منظومة الحق المشار إليها، فمن كانت أعماله انطلاقا من تلك الملكة ومن مقتضياتها كانت آثارها اللازمة مؤكدة ومدعمة لها فترسخ تلك الملكة عند الإنسان فيكتب عند الله صديقا، لذلك فعلى الإنسان أن يتحرى الصدق في القول وفي الشهادة، فإذا شهد لله تعالى  بأنه لا إله إلا هو فيجب ألا يكون في أعماق نفسه إقرار بالألوهية إلا له، وإذا قال: إياك نستعين فيجب ألا يستعين بالفعل إلا به وألا يستعين بغيره إلا من حيث أنه أداة له.

والصدق هو من أركان منظومة القيم الإسلامية، وهو من الصفات الواجب التزكي بالتحلي بها والتطهر من نقيضها بمقتضى ركن التزكي، وهو أيضا من لوازم ركن معاملة الناس وفق الأوامر الشرعية، والتحلي بالصدق من لوازم تحقق المقصد الديني الأعظم الثاني، وهو إعداد الإنسان الرباني الفائق، فهذا الإنسان لابد له من الإيمان والصدق.

والصدق هو من صفات الإنسان الرباني الفائق، ولما كان الصدق من أركان منظومة القيم الإسلامية، فإن الكذب يكون بالضرورة من أركان منظومة الصفات الشيطانية ومن كبائر الإثم.

*******

الصدق صفة حقانية، وهو من مقتضيات الأسماء الإلهية، وبذلك فهو من أركان منظومة القيم الإسلامية، والعمل على التحلي به هو من وسائل التقرب إلى الذات الإلهية، فهو أعظم قيمة من أداء العبادات العملية.

ونقيض الصدق هو الكذب، وهو بذلك صفة شيطانية تجلب لصاحبها الهلاك على المستويات الجوهرية، ذلك لأن من يتحرى الكذب إنما يتعلق بالأمور الباطلة العدمية فيدسِّي نفسه، ويلقي بها إلى التهلكة، هذا في حين أن الصادق يتعلق بالأمور الوجودية الحقانية فيزكيها، ويتعلق بالباقي فيبقى.

*******

إن الصدق هو الخلق اللازم للقيام بمقتضيات الأسماء الإلهية الحق والصادق والملك الحق والحق المبين والمولى الحق والصادق، فمن التزم بالصدق إلى أن اتسم به يكون قريباً من الله تعالى من حيث هذه الأسماء، فالصدق من مكارم الأخلاق وقيم الإسلام، وهو صفة كريمة وأعلى درجاته الصدق مع الله عزَّ وجلَّ، ومن تفاصيله صدق العهد مع الله ومع الناس، صدق الإيمان، صدق القول، أن يصدق العمل القول، صدق الوعد، الوفاء بالعقود....، ومن مراتب التفوق والسمو الجوهري أن يكون الإنسان من الصادقين، قال تعالى:

{قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }المائدة119  *  {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }الأحزاب23  *  {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }الأحزاب24  *  {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ }محمد21  *  {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ }آل عمران17  *  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }التوبة119  *  {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّا}مريم54  *  {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرا عَظِيما}الأحزاب35  *  {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}الحجرات15  *  {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الحشر8

*******

لما كان الصدق من أركان منظومة الإيمان، ولما كان هو من مقتضيات الاسم الإلهي الحق في كيان الإنسان كان له ارتباط وثيق وموجب بالإيمان، فبالالتزام بالصدق يقوى إيمان الإنسان ويترقى في مدارج اليقين فيثبته الله تعالى بالقول الثابت ويكتب الإيمان في قلبه.

*******

والتزكي من أركان الدين الجوهرية الكبرى المتقدمة على إقامة الصلاة والصيام والحج، بل إن بعض أركانه الفرعية متقدمة على هذه الأركان، ومن تفاصيل هذا الركن العمل على اكتساب صفة الصدق والتطهر من نقيضه وهو الكذب، ومن تزكى بالتطهر من الكذب والتحلي بالصدق فإنه يكون أقرب إلى الله تعالى، ذلك لأن من سماته سبحانه الصدق، والمؤمن الحقيقي قد يتورط في معصيةٍ ما ولكنه لا يكون أبدًا كذابا.

*******

إن الصدق هو الاستجابة لمنظومة سمة الحق مثل "الحق، الحق المبين، الملك الحق" وكذلك للاسم الإلهي الصادق، فهو بذلك من أركان منظومة القيم الإسلامية، وهو أيضا بمثابة اعتصام بمن له الوجود الحقيقي المطلق، فمن اعتصم به سيفوز بالبقاء الحقيقي.

أما الكذب فهو مضاد لصفة الصدق، فضلا عن أنه يتضمن تشبثا بالباطل ومحاولة إظهار أمر عدمي على أمر وجودي، فالكذب يتضمن الانتصار للعدم على حساب الوجود!! فهو يتضمن ادعاء الوجود لما هو عدم وانحيازا للنقص ضد الكمال، وهو انحياز للشيطان ضد الرحمن، وأول من اقترف إثم الكذب هو إبليس اللعين، فهو الذي كذب على آدم وزوجه بل وأقسم على كذبه.

فمن اقترف الكذب فقد خالف قوانين الوجود والفطرة، فستعمل ضده قوانين الوجود والفطرة، فقد خلق الله تعالى كل شيء بالحق والميزان.

ولابد من انتصار الصدق ومن اعتصم به على الباطل ومن تشبث به!

والأمر الشرعي بتحري الصدق يترتب عليه سنن وقوانين جديدة ترتب لمن يلتزم بالصدق أثرًا طيبا (الثواب) وعلى من اقترف أمرا مضادا أثرا سيئًا (العقاب)، فمن يكذب يقترف مخالفتين؛ مخالفة للسنن الكونية ومخالفة للسنن الشرعية، وآثار الكذب ترتد على فاعله وتجعله يتمادى فيه.

أما آثار الصدق فهي تؤدي إلى تزكية الكيان الإنساني الجوهري، ومن كان حريصًا على تحري الصدق وقول الصدق سترسخ صفة الصدق في قلبه ولبه، وعندها ستنفعل الأشياء لكلامه، ومن وسائل ذلك أن يردد الإنسان أقوالا هي حقانية وصادقة في نفسها، فترديد الأذكار القرءانية ليس مجرد تمتمة لسانية، ولا بتحصيل حاصل كما يظن البعض، ومن يردد سرًا أو جهرا مثلا "لا إله إلا الله" مثلا لن يزيد تلك الحقيقة رسوخا، وإنما هو يذكر حقيقة ثابتة صادقة فتتزكى بذلك نفسه، ويتوافق بذلك مع الحقائق والسنن الوجودية العليا، فتعمل لصالحه على المستوى الجوهري، وقد يصل بذلك إلى درجة الصديقية، فيكون من الذين أنعم الله عليهم.

*******