الدعـوة إلى الله (1)

الدعـوة إلى الله

إن الدعوة إلى الله تعالى هي أمر قرءاني كبير وركن ركين من أركان الدين، وهي ركن ملزم لكافة الكيانات الإنسانية الإسلامية من الفرد إلى الأمة، وكلما كبر الكيان كلما اشتدت درجة إلزام ووجوب هذا الركنِ بالنسبة له.

وجوهر الدعوة إلى الله هو الدعوة إلى الإيمان بالإله الواحد الذي له الأسماء الحسنى والشؤون والأفعال والسنن المذكورة في القرءان الكريم، ويقتضي ذلك الدعوة إلى الخير وإلى مكارم الأخلاق، أي إلى كل عناصر منظومة القيم الإسلامية التي هي مقتضيات الأسماء الحسن الإلهية، ومجال الدعوة هو كل البشر.

يجب أن يؤمن الداعي إلى الله بأن الله هو ربّ العالمين، وأنه أجلّ من أن يكون شخصًا يعمل عند طائفته الدينية أو شيخًا سماويا لقبيلته الأرضية.

فركن الدعوة إلى الله تعالى يتضمن: الدعوة إلى دين الحق والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل لإعلاء كلمات الله، وهي كذلك دعوة الناس إلى القيام بأركان الدين لتحقيق مقاصد الدين، وهي كذلك دعوة الناس إلى التحلي والتمسك بعناصر منظومة القيم الإسلامية، ويزداد ثقل هذا الركن وأهميته بازدياد وتعاظم إمكانات الكيان وحجمه.

فهذا الركن الكبير يتضمن ما يلي:

1. الدعوة إلى الله.

2. الدعوة إلى الخير، أي الدعوة إلى عناصر منظومة القيم الإسلامية.

3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وهذا الركن هو ركن أصيل وكبير وملزم للأمة، فهو من مقوماتها ومن مبررات ومقاصد وجودها، وهذه الدعوة هي من أبرز مظاهر سمة الإيجابية التي هي من أركان المنظومة الرحمانية أي منظومة القيم الإسلامية والتي يجب أن يتسم بها كل كيان مسلم.

*****

إن الدعوة إلى الله تعني الدعوة إليه كما تحدث عن نفسه في كتابه، وتعني الدعوة إلى كتابه ودينه الذي يتضمنه كتابه، والدعوة إلى الخير هي فرعٌ من الدعوة إلى الله، فهي دعوة إلى القيم والمبادئ ولأفعال الخيرة التي اقتضتها أسماؤه الحسنى، أي إلى عناصر منظومة القيم الإسلامية.

*****

من أركان الإسلام الدعوة إلى الله تعالى والعمل لإعلاء كلمته باستعمال السبل السلمية المبينة في القرءان، فالدعوة إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن وتقديم الأسوة الحسنة والعمل الصالح واستمالة وتأليف القلوب، وتلك الدعوة إنما تكون إلى كل الأخلاق والقيم التي اقتضتها الأسماء الإلهية الحسني، وتلك القيم تتضمنها المنظومة المعنوية الرحمانية؛ أي منظومة القيم الإسلامية القرءانية.


ومجال الدعوة هو الأقرب فالأقرب على كافة المستويات، وعلى كل داعية أن يبدأ بنفسه، وعليه عندما يدعو الناس إلى خُلُقٍ ما أن يجعل نفسه في زمرة من يدعوهم، فهي الأولى ببرّه، والدعوة هي واجب على المؤمن تجاه البشرية جمعاء بقدر وسعه.


ومن لوازم هذا الركن الشهادة لله تعالى والدعوة إليه والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن كبائر الإثم المضادة لهذا الركن صد الناس عن سبيل الله وإعطاء صورة مشوهة للدين والدعوة إلى مذاهب المغضوب عليهم والضالين والملحدين في أسماء الله والفاسقين والمفسدين في الأرض.


والآيات الآتية تبين أهمية ومكانة وأساليب ركن الدعوة إلى الله ودينه:

{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف108 * {....قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ }الرعد36 * {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}المؤمنون73 * {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}النحل125 * {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} الحج67 * {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}القصص87 * {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} الشورى15 * {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين} [فصلت:33].

ولا قهر ولا إكراه في الدعوة إلى الإسلام، وفي

 {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} آل عمران

حالة رفضهم للدعوة ليس مطلوبا من المسلم إلا إشهادهم على إسلامه:

والآيات الآتية تبين مدى إلزام هذا الركن للأمة:

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران104 * {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}آل عمران110 * {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(71) (التوبة) * {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}الحج41.

والآيات تنص على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من لوازم هذا الركن الملزم للأمة وتتضمن وعدا من الله تعالى بأنه سيرحم الأمة التي تعمل به وأن العمل بهذا الركن من أسباب الفلاح وأنه من علامات خيرية الأمة.

ومن لوازم الدعوة إلى الله الشهادة له تعالى بما هو له، ومن كبائر الإثم المضادة له صد الناس عن سبيله وإعطاء صورة مشوهة للدين والدعوة إلى مذاهب المغضوب عليهم والضالين والملحدين في أسماء الله والفاسقين والمفسدين في الأرض.

وليس من وسائل الدعوة الاعتداءُ على المسالمين، فالعدوان من كبائر الإثم التي أعلن الله تعالى أنه لا يحب مقترفها، ولا يمكن الدعوة إلى سبيل الله تعالى بالظلم والبغي والطغيان ولا باستعمال الأساليب الفاحشة ولا الكلمات البذيئة، إن الوسيلة في الإسلام يجب أن تكون شرعية، ولا يمكن التقرب إلى الله تعالى باقتراف ما نهى عنه.

إنه لا يمكن الدعوة إلى سبيل الرحمن باتباع سبل الشيطان، كيف تدعو إلى أسمى القيم وأنت تجسِّد للناس كبائر الإثم؟

إن الدعوة إلى الله تعالى هي ركن واجب على كل فرد وهي أيضًا من أركان الدين الكبرى الواجبة على الأمة، فالدعوة إلى الله من المهام الكبرى المنوطة بالأمة الخيرة الصالحة الفائقة وبكل فرد من أفرادها، وتلك الدعوة لها لوازم وتفاصيل عديدة فقد تكون دعوة إلى الإيمان بالله تعالى كما تحدث عن نفسه في القرءان، وقد تكون دعوة موجهة إلى الكافرين ليؤمنوا بربهم، أو إلى المشركين لينبذوا شركاءهم وليخلصوا العبادة لربهم، وقد تكون دعوةً إلى نبذ الشيع والطوائف التي فرقت الدين ومزقت الأمة، وما تفرقت هذه الأمة إلا لنقصٍ ما عندها أو لشرك كامن في نفوس أبنائها، وقد تكون دعوة إلى التعرف على قوانين الله وسننه والالتزام بها والعمل بمقتضياتها والتوافق معها، وقد تكون دعوة إلى التمسك بقيمة من القيم الإسلامية أو إلى العمل بسنة دينية تجاهلها الناس أو وأدوها.

وحيث أنه لا توجد الآن سلطة جامعة تمثل كل المسلمين فلقد أصبحت المسئولية مضاعفةً على كافة الكيانات الإنسانية بما فيها الأفراد، ومجال الدعوة ليس فقط أتباع الملل والنحل الأخرى وإنما يشمل كل كيان إنساني، فالدعوة إلى الله تعالى تتضمن الدعوة إلى التمسك بكتابه وإلى اتباع رسوله وإلى التحلي بكل صفة أثنى عليها وإلى القيام بأركان دينه لتحقيق مقاصده.

فالدعوة هي الركن الذي يُلزم كلَّ مسلم بحثّ الناس ونفسِه على القيام بأركان الدين بما فيها ركن الدعوة أيضًا، ومن الأركان التي يجب الدعوة إليها الآن بصفة خاصة ركنُ وحدةِ الأمة، وهو يتضمن العمل على إطفاء نيران الفتن المذهبية والعصبية والقبلية والقومية.

إنه على كل مسلم أن يدعو إلى الله باستعمال الوسائل الشرعية المنصوص عليها في القرءان، والدعوة تكون إلى التمسك بكل عنصر من عناصر دين الحق، والعناصر تتضمن القيم والسنن والخصائص والمقاصد والأركان، فالدعوة إلى القيام بالقسط والحكم بالعدل والعمل الصالح واستعمال الملكات الذهنية هي من الدعوة إلى الله تعالي، ويجب العلم بأن القتال ليس من الأساليب الشرعية للدعوة، والقول بذلك يتضمن شتى أنواع المغالطات والمخالفات، بل هو جريمة كبرى وإثم مبين وعدوان أثيم، القتال لا يكون إلا في سبيل الله، أي في سبيل الدفاع عن مقتضيات أسمائه الحسنى من القيم الرفيعة، وليس في سبيل الاستحواذ على أكبر قدر من متاع الدنيا، وأيسر شيء هو التمييز بين الأمرين!

والله تعالى هو الملك القدوس السلام المؤمن، فيجب ما يلي:

1. الإقرار بأن الله هو الملك الحقيقي الذي لا يجوز لأحد منازعته في ملكه يعني أنه لا يحق لمتسلط على الناس أن يعتبرهم من أملاكه، أو أن يستعملهم لتوسيع ما يظن أنه مملكته.

2. الاسم القدوس يستلزم من الإنسان أن يترفع عن دنس الدنيا وعن أن تكون أكبر همه، وهو بالأحرى لن يقاتل لذلك في سبيل الاستحواذ على المزيد من متاعها القليل.

3. الإيمان بأن الله هو السلام يعني أن تحقيق السلام من مقاصد الدين العظمى الملزمة لكل كيان إنساني، لذلك وجب على الأمة أن تجنح للسلم بمجرد أن يجنح عدوها إليه، وألا تكون البادئة بإيقاد نيران الحرب، كما يجب على الفرد ألا يسعى إلى اقتراف ما يثير العداوة والبغضاء، إلا بالحقّ.

4. الإيمان بأن الله هو المؤمن يوجب على كل كيان إنساني أن يكون مصدرا للأمن، وليس لترويع الناس ولا لاسترهابهم.

فالقتال في سبيل الله يتضمن الالتزام بكل ذلك.

إن الداعي إلى الله تعالى ينبغي أن يكون على قدر المهمة التي يريد القيام بها، فيجب أن يكون مثلا أعلى في الطهارة والرأفة والرحمة والعدالة والسماحة والحلم الحنان والرقة والحياء والصفح والصبر والكياسة والمروءة والإنسانية والإنصاف والسمو الخلقي والتفوق النظري والعملي والجنوح للسلام والحب للبشرية جمعاء والنصح لهم وحب الخير لهم، وقبل كل ذلك يجب أن يتحقق بالإسلام الجوهري فيكون مزكيا لنفسه وعلى صلة وثيقة بربه ذاكرا له معظما لكتابه متأسيا برسوله، وبالطبع لا يحق لأحد أن يتكسب بالدعوة إلى الله بمثل ما أنه لا يجوز له أن يتكسب بإقامة الصلاة أو صيام رمضان! فالدعوة إلى الله تعالى هي ركن ديني ملزم، وهي ليست مهنة للتربح.

والداعي إلى الله مأمور بأن يتلو على من يدعوهم آيات الكتاب ليس على سبيل التكسب والاسترزاق ولكن قيامًا بركن ديني ملزم، وتلاوة الآيات لا تعني فقط تحويلها إلى أصوات مسموعة، ولا تعني فقط التغني بها وتجويدها، وإنما التشبع بها والبرمجة الذاتية وفق مقتضياتها، بحيث يكون الإنسان ناطقًا بالحق بها، مُظهرا ومجسدا لها.

أما من يعرض عن آيات ربه من بعد أن تتلى عليه فهو يعرض نفسه للهلاك على المستوى الباطني الجوهري في الدنيا وعلى كافة المستويات في الآخرة.

*****

إن المسلمين مطالبون بالدعوة إلى دين الحق ولا شيء يساعدهم في سبيل ذلك أفضل من أن يؤمنوا هم أولا بدين الحق وأن يحققوا مقاصده في أنفسهم، وكذلك يساعدهم توفر حرية الفكر والعقيدة والتسامح على المستوى العالمي، لذلك فمن الأفضل للمسلمين أن يعملوا على الدفاع عن حرية العقيدة والفكر والمدنية والعلمانية بمعناها الصحيح بدلا من أن يكونوا أعداء ذلك، وبدلا من أن يعملوا على تقويض المجتمعات التي يتوفر فيها ذلك.

إن دين الحق قوي متين، وهو إذا دخل في تنافس عادل وحر مع أي دين أو مذهب آخر، بما في ذلك الأديان السنية والشيعية فلابد له من الظهور والتفوق، لذلك فمن الأفضل للمسلمين في المجتمعات الغربية مثلا بدلا من أن يكونوا حربا على أوطانهم الجديدة التي وفرت لهم حرية العقيدة وحقوق الإنسان الأساسية أن يكونوا هداة، وأن يقدموا للناس مُثل الإسلام العليا وقيمه المثلي، وعليهم أن يتطهروا من المذاهب التي فرقت الدين ومزقت الأمة وأن يقوموا بأركان الإسلام الملزمة للأمة.

*******

إن دعوة الناس إلى الإسلام هي من أهم الأركان التي يمكن أن تظهر فيها سمات الإسلام، ومن أهم تلك السمات الشمول والعالمية، ومن لوازم ذلك الصلاحية لكل زمان ومكان، فسبل الدعوة تتنوع وتتطور مع ظروف كل عصر ومصر، ولا يمكن أن تكون الدعوة الآن بالخروج على الناس بالجلابيب القصيرة واللحى الطويلة والشوارب المبادة والسيوف والرماح.

ويجب ألا يخلط الداعية بين الإسلام الذي هو الدين العالمي الخاتم وبين عاداته وتقاليده هو أو عادات وتقاليد أهل القرن السابع الميلادي، كما لا يجوز له تحميل الإسلام أخطاء المحسوبين عليه على مدى التاريخ، فبافتراض أن أحد المتسلطين المحسوبين على الإسلام كان طاغية مجرما ومفسدا في الأرض فهو مخالف للإسلام معتد على قيمه، والمسلم ليس مطالبا بالدفاع عنه لمجرد أنه انتصر مثلا على الصليبيين في معركة كذا، أو لأنه فتح بلدة كذا، ويجب أن يترك الأمر لعلماء التاريخ ليقيموا أعماله بحياد وموضوعية.

إن المسلمين في كل عصر مطالبون بالتوصل إلى أفضل سبل الدعوة إلى سبيل الله عزَّ وجلَّ، فكل كيان المسلم من الفرد إلى أية جماعة إلى الأمة مطالب بهداية الناس وليس بصدهم عن سبيل ربهم، إنه لا يجوز التضحية بسمةٍ من أهم سمات الدين وهي عالمية الدين في سبيل التمسك بعادات وتقاليد الأعراب والأقدمين، ومن المعلوم أن المحسوبين ظلمًا على الإسلام يقومون بكل ما هو مضاد لمتطلبات الدعوة، فهم لا يكتفون بأن يصدوا الناس عن الإسلام بسلوكهم البشع والمشين وبجهلهم وتخلفهم وانحطاط أخلاقهم، بل هم يعملون على إبادة المسلمين الآخرين، فهم بلا شك أخطر أدوات إبليس اللعين.

إنه لا يجوز أبدا اتباع وسائل غير مشروعة لنشر الإسلام أو لحمل الناس على الالتزام به، فلا يجوز أبدا لتحقيق شيء من ذلك استخدام الغزو أو القهر أو الترويع أو التآمر، ومن حاول ذلك سيجد نفسه وقد تدهور إلى مستوى المفسدين في الأرض والمجرمين، ومثل هذا ما له من ناصرين، فالمسلم الحقيقي هو رحمة للعالمين كما كان كذلك خاتم النبيين وسيد المرسلين، كما أن المسلم الحقيقي على خلق كريم كما كان خاتم النييين على خلق عظيم، إنه لا يجوز لأحدهم أن يزعم لنفسه أنه المسلم الحقيقي أو أن يزعم له غيره ذلك ثم يعطي لنفسه الحق ليفسد في الأرض وليسفك الدماء.

إنه يجب الالتزام بسنة الرسول الحقيقية في دعوة الناس إلى الإسلام والتدرج في مطالبتهم بالتزاماته، فلا يجوز أن يطالب من هو حديث عهد بالإسلام بكل ما يطالب به المولود مسلما في مجتمع مسلم دفعة واحدة بمثل أنه لا يجوز أن يطالب الطفل بما يطالب به الرجل الكبير، ولا يصح القول بأنه يجب أن يلتزم كل من كان حديث عهد بالإسلام بكل أوامره وجزئياته بحجة أن الدين قد اكتمل، ولقد كانت سنة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ أن يتألف قلوب هؤلاء ولو بالمال؛ أي بالمساعدات المادية والاقتصادية بلغة العصر الحديث، وليس أن يجعل الدين حرجا عليهم، وكان من سنته أن يقبل الإسلام الظاهري منهم حتى يدخل الإيمان في قلوبهم، فلقد كان منفذا لأوامر ربه المنصوص عليها في الكتاب الذي أوحي إليه هو ولم يوح إلى أحد غيره.

*****

إن الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى دين الحق، وهي تقتضي من الدعاة معرفة بألسنة وبنفسيات وبتاريخ وبأحوال كافة التجمعات الإنسانية، ولابد هاهنا من التخصص، ولقد ذكر الله في كتابه للمؤمنين كافة أحوال التجمعات والأحزاب المحيطة بهم وذكر لهم طبيعة أنفسهم وما يدور بخواطرهم حتى يتعلموا كيف يتعاملون معهم.

إنه يجب اتباع سنة الله ورسوله في الدعوة إلى الإسلام وفي التدرج بالمسلمين الجدد ويجب تقديم الأهم فالمهم؛ فيجب أخذهم بالرحمة والرفق واللين والرأفة وإيقاظ الاستعداد المستكن في نفوسهم وحاجتهم إلى معرفة ربهم.

*****

إن تحقيق مقاصد الدين العظمي مقدَّم على التمسك بالأمور الشكلية، وما ذكره القرءان بطريقة صريحة بيِّنة مقدم على ما لم يورده، والدعوة إلى الإسلام هي ركن من أركان الدين الملزمة لكافة الكيانات الإنسانية المسلمة مثل الفرد والأمة.

إن الحرص على نجاح الدعوة إلى الإسلام مقدم على ما لم يذكره القرءان من الأمور الشكلية والتي يجعلها عبيد المذاهب شغلهم الشاغل ومن ذلك التمسك بزي معين أو بغطاء رأس معين أو كل ما يؤدي إلى منع المسلمين من التفاعل الإيجابي مع الشعوب التي يحيون بينها وكل ما يدفعهم إلى تكوين جيتو على غرار الجيتو الإسرائيلي يحول بين الشعوب وبين الإسلام ويعمق خوفهم منه وكراهيتهم له.

*****

إن الداعية إلى الله ينبغي أن يعامل الناس على ما هم عليه وليس وفق صورة مفترضة لديه، والناس الآن فئات شتى، فمنهم من لا يبالي بالدين أصلا ومنهم من ينتمي إلى الإسلام ويتعصب له كتراث ألفى عليه آباءه ومنهم من ينتمي إليه ويعتز به كهوية ثقافية وحضارية ولكن لا يؤمن إيمانا حقيقيا بمقولاته ولا يعمل بأركانه ولا يسعى لتحقيق مقاصده، ومنهم من يود الانتماء الحقيقي إليه ولكن غلبت عليه أهواؤه أو لا يجد في المذاهب السائدة ما يلبي حاجاته، أما أقلهم فهم من يدينون بالولاء الحقيقي للإسلام أو بالأحرى للمذهب الذي يعتقد أنه الإسلام، ولا يمكن بالطبع أن يستوي المتصوف الملتزم والسلفي المتعصب والأشعري التقليدي .......

*****

إنه لا يجوز لأحد الدعاة إلى أي دين أو مذهب أو قول التهرب من مواجهة من يقولون بخلاف قوله، فإن من أقوى الدلائل على حجية أي قول صموده لمحاولات الدحض، ولا يجوز لأحدهم أن يدعي البطولة في غير ميدان أو في حضور أنصاره وتلاميذه ومريديه وحماته والمنتفعين به المتكسبين من ورائه أو المؤمنين بهرائه، ولا يوجد أي مبرر لترك الجدال عند الدعوة، بل إن الجدال بالتي هي أحسن من الوسائل المشروعة للدعوة.

والتملص منه عندما يصبح واجبًا هو من كبائر الإثم وهو كالفرار عند احتدام القتال، كل ما في الأمر أن الأديان السلفية و(السنية) عاشت دائما في حماية المتسلطين وهي ترى وسيلة التعامل الوحيدة مع الآخرين هي تحريض المتسلطين عليهم والتقرب إلى الشيطان بسفك دمائهم.

*****

إن الدعوة إلى الله وإلى الخير من أركان الدين الملزمة لكافة الكيانات الإنسانية بما في ذلك طرفاها وقطباها؛ أي الفرد والأمة، فكل كيان ملزم بهذا الركن بقدر حجمه واستطاعته، وركن الدعوة هو من الأركان التي يزداد تقدمها في الترتيب وثقلها كلما كبر شأن الكيان الإنساني الملزم بها، فهو من الأركان التي يتناسب مداها ومجالها وأهميتها مع حجم وإمكانات ومكانة الكيان الإنساني، لذلك فهذا الركن هو ركن أصلي على الأمة جمعاء وعلى القائم على أمورها، ولكن لا يجوز لأحد أن يتكسب بأداء هذا الركن، وثمة ارتباط موجب بين الدعوة إلى الله وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، وكل من يقوم بما ذكر هو متأس بالسمات الإلهية عامل على التوافق مع سننها ومقتضياتها.

والدعوة هي أمر آخر غير الوعظ، وكل وظيفة منهما تستلزم شخصًا ذا مواصفات خاصة وعلوم خاصة وتأهيل خاص، والتعليم الذي تقدمه المعاهد والكليات التقليدية قلَّما يجدي نفعا لتأهيل الناس لمثل هذه الأمور، بل ربما يؤدي إلى تدهور حالة من كان لديه بالفعل استعداد للقيام بأمر منها.

*****

إن الدعوة إلى الإسلام ينبغي أن تكون إلى دين الحق بمقاصده وأركانه وقيمه وسننه المثبتة بآيات الكتاب والتي لا يمكن لأحد أن يماري فيها، ولا يجوز لأحد أن يرهق كاهل الناس بأعباء هذا التراث الذي تراكم وتثاقل عبر العصور.

*****

إنه يجب على كل مسلم أن يبشر بالجنة من رآه متصفًا بصفة كريمة بشر الله المتصف بها بالجنة أو رآه يعمل عملًا صالحا بشَّر الله من يعمله بالجنة، وتلك كانت سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وعلى الإنسان أيضًا أن يبشر بالنار من رآه متصفا بصفة لعنها الله في كتابه، وذلك من باب النهي عن المنكر ومن باب الإنذار، لذلك فعليه أن يبشر كل ظالم باللعنة وبسوء الدار وأن يبشر من لا يقيم وزنًا لآيات الله والمستهزئ بها بالنار.

*****

إنه من الحكمة أن يراعي الإنسان الإمكانات الذهنية والوجدانية لمن يخاطبهم وكذلك مستوياتهم الأخلاقية، وأن يتخير الزمان والمكان المناسب لمخاطبتهم، ومن ذلك ألا ينهى أحدهم عن منكر وسط حشد من الناس، فقد تأخذه العزة بالإثم وينقلب عدوًا جامحا، وعليه أن يأخذ في الاعتبار أن طرق إعداد (رجال الدين) في ديار المحسوبين ظلما على الإسلام لا تتضمن أي تزكية منهجية أو تربية روحانية وأن هذا الجانب متروك تماما للأمور العشوائية، الدين الأعرابي الأموي لا يملك منظومة قيم، ولا منهجًا للتزكي، والثمار هي (رجال دين) أكثرهم منافقون وجهلة متخلفون وتجار دين.

فعليه ألا يعول على إمكان اتصاف (رجال الدين) بصفات إسلامية حقيقية، ومشكلة من يتخصص فيما يسمونه بالدين أنه سيكون أسهل الناس منالا لإبليس اللعين وسيفعل به كل ما يشاء وسيضله ويُضل به وسيفتنه ويفتن به، ذلك لأنه عادة لا يتلقى ما يلزم من الإعداد الروحاني، وسيمنعه الكبر من بعد عن أن يحاول تلقي ما يلزمه منه، ومشكلته الأكبر أن الناس، بسبب جبنهم وهلعهم وفسقهم، سينظرون إليه وكأنه مالك الحقيقة المطلقة ومفاتيح الجنة والنار، وبذلك يهلكونه ويهلكون أنفسهم، وهناك في جهنم سيتجادلون ويتخاصمون ويتضاربون.

*****

إن الدعوة إلى الله تعالى تتضمن: الدعوة إلى دين الحق والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل لإعلاء كلمات الله، وهي كذلك دعوة الناس للقيام بأركان الدين لتحقيق مقاصد الدين، ومجال الدعوة هو كل الكيانات الإنسانية المنتمية إلى الأمة والتي تعيش في كنفها وكذلك الكيانات الخارجية.

*****

إنه يجب دعوة الناس أجمعين إلى الإيمان برب العالمين الذي له الأسماء الحسنى المذكورة في القرءان الكريم والإيمان بما نسبه إلى نفسه من سمات وأفعال وشئون، وهذا يعني دعوة الناس إلى الإيمان بدين الحق والعمل لإعلاء كلمة الله باستخدام السبل المبينة في القرءان؛ والدعوة إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن (الحوار الهادئ الهادف) والعمل الصالح وتأليف القلوب، أما الكيانات الكبرى فيجب قيامًا بهذا الركن أن تقدم المساعدات الاقتصادية والثقافية إلى الدول الفقيرة، وأن تتألف قلوب الشعوب وأصحاب المراكز المؤثرة، وهذا يستلزم أيضا العمل على نشر اللغة العربية واستعمال وسائل الإعلام الحديثة لبيان الإسلام للناس ودعوتهم إليه.

وتأليف القلوب بالمساعدات لا يعني تقديم رشاوي، وإنما يعني إظهار نواتج السموّ الخلقي الذي يتميز به كل كيان يؤمن بدين الحقّ ويتبعه.

*****

إن الدعوة إلى الله تعالى تتضمن دعوة الناس إلى الإيمان بدين الحق والعمل لإعلاء كلمته باستخدام السبل المبينة في كتابه؛ وهى إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وهذا يستلزم دعم كل ما يلزم لذلك مثل العمل على نشر اللغة العربية واستعمال وسائل الإعلام الحديثة، فعلى الأمة إعلان الإيمان بالله تعالى والمجاهرة به والدعوة إليه، كما أن عليها أن تدعو كافة الأمم إلى نبذ الشرك وإلى ألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله تعالى وألا يستعبد بعضهم بعضا، وألا يسفكوا الدماء وألا يفسدوا في الأرض، وهذا يقتضي الجهاد ضد الطغيان والاستبداد والكهنوت والجهلوت.

والمقصود بالأمة مجموعة من الناس يؤمنون بدين الحق وبمنظومات قيمه وسننه، يحبون الخير للبشرية جمعاء، يشعرون بالمسؤولية عن كافة دواب الأرض، بل عن كل ما هو فيها، يستحقون شرف حمل الأمانة والاستخلاف في الأرض، يخلصون دينهم لله، لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ولا سلطة ولا هيمنة ولا سيطرة ولا أموالا ولا سبايا، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين.

أما أوجب أمر على الأمة والذي يمكنها أن تجتمع عليه وأن تدعو كافة الناس إليه فهو دعوة الناس أجمعين إلى الإيمان برب العالمين الذي له الأسماء الحسنى الواردة في القرءان الكريم، فيجب على الأمة أن تحمل رسالة الإسلام للعالمين بأن تكون هي تجسيدا حيا لمنظومة القيم والمبادئ والمثل العليا الإسلامية (المنظومة الأمرية الرحمانية) والتي تتضمن الحق والعدل والقيام بالقسط والتراحم والتكافل والتسامح وإيثار السلام والدعوة إليه والجنوح إليه والحرص على الأمن والسلام العالمي والوفاء بالعهود والمواثيق والالتزامات.

وهذا الركن تعبير عن إيجابية الأمة الخيرة وسعيها إلى تحقيق ما فيه الخير للبشرية جمعاء، وهو يستلزم ألا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله تعالى وأن يلتزموا بمنظومة القيم الإسلامية الرحمانية وألا يستعبد بعضهم بعضا وألا يظهروا في الأرض الفساد وأن يتناصحوا وأن يتواصوا بالحق وبالصبر، ومن لوازم ذلك في العصر الحديث إيجاد الآليات التي تكفل حرية الرأي وحرية الصحافة ووسائل الإعلام وحرية تدفق المعلومات.

*****

إنه على المنتمين إلى أمة الإسلام أن يقوموا بواجب الدعوة إلى الخير وإلا فسيُسلَّط عليهم من كان لزاما عليهم أن يحملوا رسالة الحق إليهم، إنه إذا رفض الآخرون الدعوة إلى الإيمان فلا أقل من دعوتهم إلى التعرف على قيم وأخلاق الإسلام والتمسك بها، فلدى الإسلام أسمى منظومة قيم وأخلاق عرفها الإنسان، وكذلك يجب دعوتهم إلى سنن وتشريعات الإسلام وبيان مدى جدواها وكفاءتها ورقيها.

والمقصود بالإسلام بالبديهة هو دين الحقّ الذي مصدر أموره الكبرى الأوحد هو القرءان الكريم، وليس الأديان التي حلت محله.

*****

إن الأمة كلها مكلفة بحمل رسالة الحق والرحمة والعدل للعالمين، وهي بذلك تقوم بدور الخليفة عن خاتم النبيين بل عن كل الرسل والأنبياء المرسلين.

والدعوة إلى الخير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور والواجبات الكبرى المنوطة بالأمة الخيرة الفائقة ومن مبررات ومقومات وجودها، فالدين العالمي الخاتم يقرر بكل وضوح أن تلك الواجبات الكبرى لا تنهض بها على الوجه الأكمل إلا أمة.

*****

إن الدعوة إلى الله تعالى تتضمن دعوة الناس إلى الإيمان بدين الحق والعمل لإعلاء كلمته باستخدام السبل المبينة في الكتاب؛ وهي إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وهذا يستلزم دعم كل ما يلزم لذلك مثل العمل على نشر اللغة العربية، والقتال ليس من الوسائل الشرعية للدعوة؛ فلا إكراه في الدين، ولكن للقتال شروط ومقاصد أخرى، والقتال المشروع لا يكون إلا درءا لعدوان أو تصديا لاضطهاد المؤمنين وانتهاك حقوقهم أو دفعًا عن وطن (العرض + + الأرض + المال + الأهل + الأصحاب).

*****

إنه بتقدم البشرية فإنها تتجه نحو إيجاد آليات لتفعيل هذا الركن، والغرب حين يدعو إلى نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحماية البيئة فهو يعمل بمقتضى هذا الركن رغم ما يشوب مقاصده أحيانا.

*****

إن المجتمع الإسلامي ليس هو المجتمع الذي يشكل فيه المنتسبون اسمًا للإسلام أغلبية عددية وإنما هو المجتمع الذي تحكمه وتسود فيه منظومات القيم والسنن والأوامر والأركان الإسلامية، والذي قد تحققت فيه مقاصد الدين العظمى على كافة المستويات أو هو في سبيله إلى تحقيقها، فهو المجتمع الذي كرَّس نفسه لإعلاء كلمة الله وتحقيق مقاصده الخاصة بالكيانات الإنسانية.

فالمجتمع الإسلامي الحقيقي هو الذي يشكل أمة تحيا بربها لربها وتدعو إلى الإسلام بعملها وسلوكها، فإذا لم يكن المجتمع هكذا فهو ليس بإسلامي وإن زعم ذلك أو نصت دساتيره على ذلك، ومن الأفضل لمجتمع كهذا أن يكف عن النفاق وألا يحمِّل نفسه أعباء أن يكون محسوبا على هذا الدين العظيم والرسالة الخالدة وألا يجعل من نفسه فتنة للقوم الظالمين أو الكافرين وألا يصدهم بأحواله المزرية عن سبيل رب العالمين، ومن الخير له بدلا من النفاق أن يكون صادقا مع نفسه ومع الناس، وعندها سيكون العقاب اللازم على مثل هذا المجتمع أخف وطأة؛ فلن يكون بالضرورة في الدرك الأسفل من النار وإنما في درك أعلى قليلا، ذلك لأن ادعاء أمة ما انتسابها إلى الإسلام يجعلها ملزمة بالقيام بذلك النسق من التعليمات والسنن الخاصة بالأمة ويجعلها كذلك ملزمة بالقيام بالأركان الواجبة على الأمة ويجعلها ملزمة بالوفاء بعهود ومواثيق غليظة مع الإله الأعظم.

أما المجتمع الذي لا يوفي بالشروط المذكورة فما هو إلا تجمع من أفراد محسوبين على الإسلام، وبالطبع فإنه قد يكون فيه ثلة من المسلمين الحقيقيين.

وعلى الأفراد الذين تحقق بالنسبة إليهم المقصد الديني الأعظم الخاص بالفرد فأصبح كل منهم إنسانا صالحا مفلحا أو هو في طريقه ليتحقق له ذلك ألا يقصر في أداء واجب الدعوة إلى الله تعالى والعمل لإعلاء كلمته والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في مجتمع كهذا، وعليهم أن يسلموا بأنهم لا يعملون في مجتمع إسلامي بالفعل وأن يعملوا بمقتضيات ذلك، ذلك لأن اجتذاب من يظنون أنهم مسلمون إلى دين الحق هو أجدى وأنفع من محاولة اجتذاب أفراد قلائل من أهل الكتاب إلى الإسلام، ولا يعنى ما سبق قوله تكفير المسلمين الموجودين في هذا العصر، ولكن ثمة فرقانا هائلا بين الإسلام بالمعنى البدائي السائد وبين الإسلام الذي هو دين الحق، وكذلك ثمة فرقان هائل بين الإسلام على المستوى الفردي والإسلام على مستوى الأمة والجماعة، فالجماعة من حيث هي كذلك لا تكون أمة مؤمنة إلا إذا أعلنت ذلك على رؤوس الأشهاد وإذا قامت حق القيام بأركان الدين المنوطة بالأمة والتزمت بنسق التعليمات الخاص بالأمة المسلمة.

فالإسلام بريء من مجتمعات يسودها الجهل والظلم والبغي والاستبداد والقمع والسفالة والسلفية والإجرام والإقصاء والانحطاط والسوقية والنفاق والرشوة والفساد وانتهاك حقوق الإنسان وكرامته والعدوان على مقدساته.

أما على المستوى الفردي فثمة فرقان هائل بين من لا يفقه شيئا من أمور دينه ولا يقيم له أدنى وزن في حياته وهو يعتقد أن الدين هو في الإذعان لمن يسمونه بشيخ وفي التطاول على كل من لا يعجب شيخه، وبين من كرس كل حياته لتحقيق مقاصد الدين العظمى، وعلى رأسها أن يكون إنسانًا ربانيا صالحا يتحلى بمكارم الأخلاق.

وقد يكون لدى أفراد المجتمعات المعاصرة شعور بالتعصب للإسلام، ولكن كل البشر متعصبون لما ولدوا عليه أو لما ألفوا عليه آباءهم، وهذا التعصب لا يغني عن الإنسان شيئا ولابد من الالتزام الاختياري الحر بالإسلام على كافة المستويات، وهذا يعني أن تكون الأمة حريصة على العمل بمقتضى أوامر الدين وقيمه لتحقيق مقاصده.

ويجب العلم بأنه لا يجوز تكفير أي إنسان أعلن على رؤوس الأشهاد إيمانه بالإسلام مهما صدر عنه من المعاصي حتى ولو تبين للبعض نفاقه، ولكن هذا لا يمنع الناس من معاملته وفق ما صدر عنه وأخذ الحذر منه، فليُلعن مثلا إذا ما أصر على ظلم الناس والعدوان عليهم وأكل حقوقهم، وليُعاقب على أخطائه في حقهم بموجب أحكام الإسلام التي هو ملزم بها.

وبالمثل لا يجوز الزعم بهلاك طائفة أو بكفرها لمخالفتها مذهبا يعتقد بعضهم صحته، ويجب العلم بأنه لا يوجد مذهب الآن من المذاهب المشهورة والمحسوبة على الإسلام يحتكر كل الحق أو كل الباطل، وإنما الاختلاف هو في نسبة كل منهما فقط وفي الأوزان النسبية للأوامر الدينية لدى كل طائفة.

أما من يحكم بالكفر والشرك على المسلمين الآخرين حكما يوجب في مذهبه انتهاك كافة حقوقهم وقتلهم رغم إيمانهم بأركان الإيمان فهو ليس كافرا فحسب بل شيطانا من شياطين الإنس ومفسدا في الأرض.

*****

لو أن المسلمين اهتموا بأمر الدعوة وسعوا إلى معرفة سبل إعداد الدعاة والمبشرين وتأهيلهم ومكنوهم من ممارسة أنشطتهم لما اعتنق الخزر اليهودية، والخزر هؤلاء هم أصل اليهود البيض الإشكناز الذين احتلوا فلسطين وأذاقوا العرب الأمرين، وكذلك لما اعتنق الروس الأرثوذكسية، وقصة فشل الداعية المسلم في تقديم الإسلام إليهم معلومة، وكان إمبراطور الروس ميالا إلى الإسلام، ولو كان الذي أُرسل إليهم داعية متمرسا لتغير وجه التاريخ، ذلك لأن الروس بعد تنصرهم استأنفوا الحملات الصليبية ضد المسلمين فقضوا على الممالك الإسلامية المزدهرة في وسط آسيا واشتبكوا في صراع شديد الوطأة مع العثمانيين أنقذ أوروبا الغربية منهم وكانوا من أسباب القضاء على امبراطوريتهم.

وكان بإمكان المسلمين في الأندلس اجتذاب التيوتون والساكسون والڤايكنج والروس وكل سكان شمال أوروبا الوثنيين إلى الإسلام عن طريق الدعوة والمعاملات التجارية، ولكنهم لم يكونوا يعرفون وسيلة للتعامل مع الآخرين إلا إرسال الحملات العسكرية لاحتلال بلادهم وسفك دمائهم وسبي نسائهم وأطفالهم.

*****

هل كان المسلمون بحاجة إلى مروية ظنية أو لإعمال قياس لإدراك كيفية التعامل مع المجوس أو غيرهم من معتنقي الأديان غير السماوية؟ كلا! إن التعامل معهم هو كالتعامل مع سائر البشر، فالمسلم ملزم بأن يبرّ كل الناس وأن يقسط إليهم وأن يؤمن بأن الإنسان مكرم ومفضل من حيث أنه إنسان، وهو مطالب بالإيمان بأن الله هو الملك القدوس السلام، وأن يعمل بمقتضى ذلك، وأن يؤمن بأن الله قد خلق الناس شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، وليس ليتقاتلوا.

والمسلم مكلف بأن يحمل رسالة الحق إلى كل الناس وبأن يدعوهم إليه، ولكنه ملزم أيضًا باتباع سنن الدعوة المقررة في القرءان الكريم، وليس من سبل الدعوة أن يقاتلهم لإكراههم على الإيمان، أما القتال فهو أمر آخر له شروطه الصارمة ومنها أن تتعرض الأمة أو المجتمع لعدوان سافر أو أن يتعرض المسلمون المستضعفون لاضطهاد في الدين، ولا يوجد أدنى مبرر للعدوان على دولة أو على الناس في دولة تسمح بحرية العقيدة.

*****

نسبوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آله وَسَلَّمَ أنه قال عن المجوس (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، وهذا القول يشير إلى أصل حقيقي، وهو يبين للناس شيئا عن مهام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بالنسبة إلى قومه، فالحكم القرءاني موجود في الكتاب ومبين فيه، ولكنه مصوغ وفقا للنسق القرءاني ونظمه الفريد، وقد يريد بعض الناس الحكم معزولا لوحده فيقوله لهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَبلغة أقرب إلى ما يألفونه.

لقد كان لدى المسلمين الأوامر القرءانية التي تحدد الأسلوب الأمثل للدعوة إلى الإسلام، لقد كان عليهم أن يأتموا بالسنة الإلهية التي نبَّـأهم الله بها وهي أنه يرسل الرسل للناس من أنفسهم وبلسانهم، وكان ذلك يقتضي أن يتم إعداد الدعاة وتدريبهم بحيث يلمون بلغات البلاد الأخرى وعاداتهم وتقاليدهم بالإضافة إلى توفر الإخلاص والحمية الإسلامية، ولكن لم يلق هذا الاتجاه أي دعم من الدولتين الأموية والعباسية، فلم يكن أمر انتشار الإسلام وحمله إلى مشارق الأرض ومغاربها يعنيهم في كثير أو قليل طالما كانت خزائنهم عامرة بالأموال التي تجبى إليهم وقصورهم عامرة بالجواري الحسان من شتى السلالات، ولو كان الإسلام يعنيهم في شيء لما عملوا على تقويضه في البلاد التي ابتليت بتسلطهم عليها.

ولقد جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهمًا شرعيا من أموال الزكاة مشيرًا إلى أن تقديم المعونات الاقتصادية للشعوب والجماعات المعوزة من الأساليب الشرعية للدعوة، ولكن المغضوب عليهم أساءوا تفسير ما فعله عمر بن الخطاب عندما امتنع عن إعطاء المال لأبي سفيان وأمثاله وذلك بجعل فعله نسخا للحكم القرءاني، والحق هو أنه لا يملك عمر ولا من هو خير منه الحق في إبطال حكم قرءاني أو نسخه، بيد أنه لا يوجد ما يلزمه بأن يعتبر دائما أن أبا سفيان وزملاءه من المؤلفة قلوبهم، لقد كان عمر بن الخطاب محقا في فعله، وفعله هذا يدل على أن تحديد المراد بالمؤلفة قلوبهم منوط بأولي الأمر.

أما الطواغيت الذين تسلطوا على المسلمين وأبطلوا أكثر أركان الدين لينهبوا أموالهم وأموال غيرهم فلم يكن لديهم بالطبع أدني استعداد لينفقوا درهمًا لدعوة الشعوب الأخرى إلى الإسلام ورأوا أنه من الأفضل اتخاذ قتالهم والاستيلاء على أملاكهم وسبي نسائهم وأطفالهم موردا من موارد المال، ولقد أزعجهم بشدة إقبال بعض هؤلاء على الإسلام لأن ذلك كان يعني بالضرورة نقصان مواردهم، لقد تمكن الشيطان من طغاة الأمويين واستخدمهم لنسخ وإبطال الدين وقلب الموازين.

لقد حقق قولهم بوجود آيات قرءانية منسوخة وبإبطالهم الأساليب الشرعية للدعوة واعتماد القتال أسلوبا وحيدا للتعامل مع الشعوب الأخرى للمتسلطين على الأمور أهدافا عديدة:

1- جعلوا للحماس الديني مصرفا لا يهددهم وإنما يمكن استعماله لتوسيع امبراطوريتهم كما كان الحال قديما بالإضافة إلى أن ذلك يخضع الناس لهم ويلزمهم بقبول الرضا بالعيش في حالة استثنائية دائمة.

2- التخلص من العناصر المؤمنة المخلصة المعارضة لتسلطهم والتي لا يمكن أن ترفض الدعوة إلى الجهاد.

3- الظهور أمام رعيتهم بمظهر الغيورين على الإسلام المحاربين للـ(كفار).

4- أمنوا لأنفسهم مصادر غير محدودة للثروة أغنتهم عن تنمية بلادهم والاهتمام باقتصادها.

وهكذا أساء هؤلاء إلى الإسلام وإلى الأجيال القادمة من المسلمين وأثاروا عليهم عداء الأمم وزرعوا في نفوس الناس أحقادًا على الإسلام لا تخبو نيرانها.

*****

إن مئات الملايين من المسلمين في شرق ووسط آسيا وغرب أفريقيا إنما اعتنقوا الإسلام وتمسكوا به بفضل جهود رجال الطرق الصوفية والتجار الأمناء، وليس بفضل تجار الدين ورجال الكهنوت الذين لا عمل لهم إلا صدّ الناس عن سبيل ربهم كما حدث من الدعاة الذين استدعوا لشرح الإسلام للخزر والروس، ومن العجيب أن يقلل السلفية من قدر ما أنجزه المتصوفة بحجة أنهم لم ينشروا الإسلام الصحيح الذي هو عندهم بالطبع دينهم الأعرابي الأموي الجهلوتي المجسم المشبه!!!!!

إن الأمة لم تجن من آثار أعمال كافة رجال الكهنوت بمختلف ألوانهم إلا التفرق والتمزق والشقاق والاشتغال بما نهوا عنه وتحويل الدين إلى شبكة محكمة من الإصر والأغلال تأخذ بخناق المسلم وتشل حركته، وكان بعضهم سوطا في أيدي المتسلطين يجلدون به رعاياهم.

وفيما يتعلق بالدعوة فلقد نجح رجال الطرق الصوفية فيما فشل فيه غيرهم، وكان ذلك لما يلي:

1- لأنهم ركزوا على أصول العقيدة من توحيد لله تعالى وحب له ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَوإظهار للجانب النوراني من حقيقته.

2- لأن لديهم منهجا لتزكية النفس.

3- لأن لديهم منهجا لمعايشة الدين وتذوقه وممارسته.

4- لأنهم أحيوا الجوانب الوجدانية من الدين.

5- لأنهم قدموا الإسلام للناس في صورة سمحة سهلة فلم يشغلوهم بتفريعات وجمود (الفقهاء) ولا بشقشقة وسفسطة المتكلمين والأصوليين ولا بعنعنات المحدثين.

6- لأنهم خالطوا الشعوب وعاشوا بينهم ولم يترفعوا عليهم وخاطبوهم بلسانهم وعرفوا المنهج السليم لدعوتهم إلى الإسلام وأحيوا بذلك سنة الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ.


*****


لقد تحمل أحد المشايخ وزر صد الروس عن سبيل الله تعالى وإبعادهم عن الإسلام لأنه لم يتبع السنن الإسلامية في الدعوة، وذلك عندما استدرجه الداعية المسيحي إلى ما يؤدي إلى استبعاده، وكان عليه أن يوضح لقيصر الروس إنه يجب البدء بمناقشة المسائل الكبرى لا الفرعيات، وأن الإسلام لم ينزل بالضرورة لتحريم الخمر وإنما لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولهدايتهم إلى سبيل ربهم وليقوموا بالقسط، وكان عليه أن يبين له وللداعية المسيحي أن الخمر محرمة في شريعتهم أيضا، وكان عليه أن يثبت لهم مدى تهافت أصول عقيدتهم المحرفة ومدى بعد دينهم المحرف عن الفطرة الإنسانية.

ويجب القول هنا بأن إدمان إنسان ما للخمر أو شدة ولعه بأية معصية أخرى مهما بلغت بشاعتها لا يحول بينه وبين اعتناق الإسلام ولا يلزمه اعتناق الإسلام بالكف الفوري عنها ولا يخرجه من الإسلام كما لا يخرج غيره ممن ولد مسلمًا أن يقع في معصية ما، ولقد كان رجال القرن الأول من قبل في ضلال مبين وكانوا يسجدون لأوثان يبول عليها الثعلبان وكانوا يئدون بناتهم وفلذات أكبادهم بلا رحمة قبل إسلامهم، أما بعده فاستمروا يتعاطون الخمر ويلعبون الميسر والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيحيا بين أظهرهم ورغم أن القرءان نص على أن فيها إثماً كبيرا مما يعني ضرورة الانتهاء عنها لوجود نص قطعي على أن الإثم محرم فلقد استمر أكثرهم يتعاطونها إلى أن نزل نص قاطع صارم يأمر باجتنابها، ولم ينزل هذا النص إلا بعد انتهاء العصر المكي وبعد الهجرة، ويلاحظ أن عبيد السلف تحرجا من القول بأن سلفهم المعبود قد عصوا أمرًا قرءانيا قد آثروا التهجم على القرءان والقول بنسخ الآية التي تنص على أن الخمر فيها إثم كبير.

*****

إن إسلام الكثير من التتار والمغول -وهم في ذروة انتصارهم- على أيدي مجموعة من الدعاة غير المعروفين بصفة عامة بعد أن سحقوا ما كان يسمى بالخلافة العباسية لهو أكبر لطمة على وجه من أساءوا إلى الإسلام من الذين اتبعوا سياسة البغي والعدوان مع كل من جاورهم بحجة نشر الإسلام، وهم الذين لم يلزموا أنفسهم به في بلادهم، إن النهاية المخزية المشينة لنظام الخلافة كان ينبغي أن تكون عظة وعبرة للناس وعلامة على الفشل الفادح الفاضح لهذا النظام الظالم.

ومن الجدير بالذكر أن المغول والتتار الذين أسلموا بعد أن سحقوا الخلافة العباسية وأراحوا العالم من فسقها وعبثها قد أسسوا للإسلام ممالك ضخمة عديدة وحضارات مبهرة في روسيا والهند، وقد صاروا أشد الناس ولاءً للإسلام.

*****

إن أوامر الدين إنما هي على هيئة أنساق متفاوتة من حيث الأهمية ومن حيث المجال ومن حيث النوعية، كما أنه داخل كل نسق تتفاوت الأوامر من حيث مدى أهميتها أو ثقلها الأمري، وكلما كان الأمر الديني أعظم كلما كان الإثم المضاد له أكبر وأعظم خطورة على كيان الإنسان الجوهري، وثمة أركان هي وسائل إلى أركان أخري، فهذه الأركان إذًا هي المقاصد المبتغاة من تلك، فهي تفوقها وتتقدم عليها.

وأعظم أوامر الدين هو الإيمان بالله تعالى الذي له الأسماء الحسنى المذكورة في القرءان فإن أبوا فلا أقل من أن يأتوا إلى كلمة سواء، وهي ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا وألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله تعالى، وهذا يقتضي ألا يخطئوا في حق ربهم ولا في حق أنفسهم، فإلى تلك الكلمة السواء ينبغي البدء بدعوة الناس، فإن أشرب حب الإيمان في قلوبهم سهل عليهم الإقلاع عما ألفوه مما يخالف الدين، كذلك سيسهل عليهم تقبل كافة أوامره وأحكامه.

وإذا كان الله سبحانه قد راعى أحوال القرن الإسلامي الأول ولم يأمرهم باجتناب الخمر إلا بعد حوالي خمسة عشر عاما من بدء الدعوة، وهم القرن الذي سيتأسى به الناس إلى قيام الساعة فلِمَاذا يحاول البعض أن يصور الإسلام وكأنه ما نزل مثلا إلا لتحريم الخمر؟ وإذا كان ثمة كثير من المسلمين لا يتورعون عن تعاطيها فضلا عن اقتراف كافة ما يفوقها من الكبائر كسفك دماء الناس واستباحة أموالهم وانتهاك حقوقهم وامتهان كرامتهم فضلا عن الإفساد في الأرض دون أن يجرؤ أحد على تكفيرهم، وإذا كان واضعو المذاهب قد ألزموا الناس بطاعة من قهرهم بسيفه وإن فسق وفجر ونهب الأموال وجلد الظهور، فلماذا يُصدّ الناس عن سبيل الله بسبب الإصرار على مطالبتهم بكل أوامره دفعة واحدة فضلا عن إنذارهم بالقتل إذا ما ارتدوا؟ ولماذا لا يعمل الدعاة بسنة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الحقيقية في دعوة الناس شيئا فشيئا إلى القيام بأركان الدين؟ إن التدرج بالناس هو عمل بمقتضى الرحمة، وبمقتضى مراعاة الأوزان الحقيقية للأمور، وهو سنة تشريعية حقيقية، وليس مكياڤيللية.

إن الشيطان قد لعب بدون شك بما يسمى برجال الدين وألقى إليهم ما يشاء واستخدمهم لتأليب الناس على خير دين.

ليس من حقك أن تقول لمدمن خمر: إما أن تجتنب الخمر تماما، وإما أن تظل على كفرك.

ولقد كان الرسول يقبل من الأعراب الإسلام الشكلي الخالي من الإيمان.

*****

إن الناس إذا أبوا الاستجابة للدعوة إلى دين الحق فلا أقل من دعوتهم إلى ألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله تعالى وألا يستعبد بعضهم بعضا، ومن الأولى بالأمة أن تكون سباقة إلى ذلك، وفي حالة إصرار الأمم الأخرى على البقاء على ما هي عليه فالأمة ملزمة بدعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

*****

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458