السعي إلى الله

السعي إلى الله هو في العمل بكل ما يقرب الإنسان منه زُلفى، ومن ذلك السعي إلى ذكر الله، والتحقق بمقتضيات أسمائه الحسنى، وحسن الاستجابة له.

إن الإنسان ذا الفطرة السوية والنفس الزكية يجد لذته العظمى وسعادته القصوى في اكتساب الكمالات اللازمة لذاته ولا يجدها فقط في الأمور الخارجية التي لا يمكن أن يحتويها بل لا بد من أن تتفلت منه، وإن اكتساب كمال ما يجعل الإنسان مستعدا لاكتساب مزيد من الكمالات ومن الاستزادة من نفس الكمال وبالتالي يزداد الإنسان شوقا إلى هذا الكمال، فالكمالات المعنوية لا يملها الإنسان ولا يشبع منها، وهي أيضا قابلة للنمو والزيادة بدون حد أقصى، والزيادة منها لازمة لسمو ونمو الكيان الإنساني الجوهري، ولذلك أُمر الرسول أن يقول: 

{رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114)} (طه)،

 فالنمو الباطني ليس كالنمو الظاهري إذ لا حد له.

ولما كان الله سبحانه هو أصل كل الكمال فإن كل الأشواق إنما تتجه بالأصالة إليه، فكماله الذاتي يجتذب إليه كل طالب للكمال ويجعله يدور في فلكه ساعيا إلى التقرب إليه، أما أصل كل خطيئة فهو ظن الإنسان أنه يمكن أن يحصِّل كمالا أو لذة أو سعادة بالسعي بعيدا عن ربه بمخالفة أوامره أو بالتعلق بما هو من دونه، وإن إبليس هو الذى يزين لابن آدم هذا الظن، فالصفات الملكية والخلود كمالات ولكن لا ينالها الإنسان بعصيان الأوامر الإلهية وإنما بالاعتصام بمن هو أصل تلك الكمالات ومالكها، وكذلك يردى الإنسان ظنه السيِّء بربه وقلة ثقته به؛ فهو يتوهم لذة وهمية في كل ما نهاه ربه عنه، كما أن لذات الدنيا بحكم طبيعتها محدودة ومقيدة وعابرة، ومتاعها جد قليل.

فالسعي إلى الله من سمات وأفعال الإنسان الرباني، وهو في الوقت ذاته مقصد، ووسيلة للتزكي.

والعبادة من لوازم تزكية النفس، وهي كل ما يصدر عن الإنسان بمحض اختياره قياما بحقوق الأسماء الحسنى، وهذا يعني التزام الإنسان بنسق التعليمات والأوامر الدينية الخاصة بالإنسان، فالعبادة إذًا هي كل سعي يؤدي إلى تحقيق مقاصد الدين العظمي، ولكى يؤدى الإنسان كل عمل الأداء الأمثل يجب أن يعرف الثمرة المرجوة منه أي الحكمة من الأمر به، وهى إما أن يكون منصوصًا عليها في الكتاب العزيز وإما أنه يمكن استنباطها منه بطريقة عقلانية صارمة، وبذلك يمكنه أن يكون حسيبا على نفسه وأن يكون على بصيرة من أمره، وبتصحيح القصد والنية يكون كل عمل يصدر عن الإنسان عبادة لله رب العالمين، فالعبادة إذًا هي كل عمل أو سلوك يؤدي إلى تحقيق المقصد الديني الأعظم وهو الوصول بالإنسان إلى كماله المنشود، وكل ضروب العبادة لا بد من أن تُؤدَّى طوعًا لا كرها وإلا لانتشر الرياء والنفاق دون أن تسبب نفعًا، ويجب العلم بأن تلاوة كتاب الله هي العبادة المقدمة على أركان الدين المشهورة:

{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ} (العنكبوت: 45)، {إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ(29)} (فاطر)، وهي رأس المقاصد العظمى للبعثة النبوية: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(2)} (الجمعة: 2).

*******

والكيان الإنساني الجوهري لا يجد سعادته إلا في التعلق بمن له اللطف المطلق، لذلك فإذا أبعده الإنسان عن ربه بما يقترفه من الآثام وما يكتسبه من الصفات الذميمة فإنه يعاني من شتى ضروب الشقاء التي لا يشغله عنها إلا شدة تعلقه بجسده والانشغال به وبالأمور الحسية، ومثل هذا الإنسان سيشقى شقاء الأبد بعزله عن هذا الجسد.

*******

إنه لكي تتم التزكية يجب أن يتلقى الفرد المسلم العلوم الدينية الحقيقية بحكمة وترابط منطقي منذ صغره وبما لا يسمح بوقوعه فريسة للمذاهب والشيع التي تفرق إليها الدين، ويجب التركيز أولا وقبل كل شيء على الأركان الجوهرية للدين، ويجب ألا يترك المسلم فريسة لدعاة الفتنة الذين سيطروا على مساجد المسلمين وصادروها لصالح مذاهبهم الضالة الشركية، ويجب على القائمين على الأمور ألا يتركوا المساجد نهبا وغنيمة باردة لدعاة الفتن وأعداء الوطن.


*******

إن التزكي هو ركن من أركان الدين الجوهرية، والتزكية هي أصلًا التنمية والتطهر، ولأهمية هذا الركن فقد أقسم الله عز وجل في كتابه أقسامًا متعددة متتالية على فلاح من زكَّى نفسه وعلى خيبة من دساها، ذلك لأن التزكية هي التي ستحدد مصير الإنسان النهائي، قال تعالى: 

{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} الشمس.

أما التدسية فهي عكس التزكية فهي التحقير والتصغير، فمن كان حريصا على اقتراف المعاصي والآثام وكل ما هو مضاد لمتطلبات التزكية فهو يجني على كيانه الحقيقي الجوهري.

ولكي يقوم الإنسان بهذا الركن لابد له من القيام بكل أركان الدين الأخرى، فالأركان تترابط ترابطًا إيجابيا مع بعضها البعض.

ومن الأدعية النبوية للتحقق بالتزكي: "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا".

ولا يكفي الإنسان أن يطهر نفسه بل لابد له من تنميتها بزيادة أسباب قوتها على كافة المستويات، وفي ذلك يختلف دين الحقّ عن التصوف، فلا حاجة للمسلم إلى سحق نفسه وقمع حواسه، بل هو منهي عن ذلك.

والنفس تتزكَّى بالعمل بكل أركان الدين لتحقيق مقاصده، وليس بالعمل ببعضها فقط، القيام بكل أركان الدين يأتي للكيان الإنساني الجوهري بكافة احتياجاته لكي ينمو ويتزكى ويتعملق.

*****

إن من الوسائل القرءانية لتزكية الملكات القلبية الذهنية أن يقرأ الإنسان وأن يتدبر أشد الآراء عداءً لما يؤمن به ولما يعرفه وأن يتعلم ألا يواجه ذلك بالعنف بل بإعداد وتقديم الحجة، هذا لازم دائمًا على المستوى النظري، لابد من وجود برهان وحجة.

ولقد ذكر القرءان بلا حرج كل ما ذكره الكفار والمشركون قي إطار معارضتهم لرسلهم، كما ذكر كيف كانوا يستهزؤون بهؤلاء الرسل الذين كانوا يحاولون إنقاذهم من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم.

إن تكرار قراءة كل ذلك وتدبره يعطي الإنسان مناعة ضد الكفر والشرك، وضد المثبطات والمحبطات.

أما التعامل مع آحاد الناس فيجب أن يكون بمقتضى الحكمة، فمن الحكمة أن يقدر الإنسان لكل أمرٍ قدره آخذا في الاعتبار الحقائق الراسخة، ومنها:

1. أكثر الناس لن يتبعوا إلا ما ألفوا عليه آباءهم حتى وإن كان في ذلك هلاكهم في الدنيا والآخرة.

2. أكثر الناس لا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون ولا يعلمون.

3. أكثر الناس لا يتبعون إلا الأوهام والظنون.

4. أكثر الناس هم من أهل النار.

5. لن ينتفع بالحقّ إلا من يطلبه من أعماق قلبه.

6. ليس للإنسان أن يهدر موارده فيما لا أمل فيه ولا جدوى منه.

*****

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 418