خلاصة أقوالنا في موضوع النسخ

خلاصة أقوالنا في موضوع النسخ


1. القرءان كتاب متسق متشابه لا اختلاف فيه A perfectly self-consistent book، وآياته يكمل بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا ويبيِّن بعضها بعضا ويقيد بعضها بعضا ويفصِّل بعضها بعضا.

2. حقيقة القرءان أنه روحٌ من أمر الله تعالى، تلقاه الرسول من لدن حكيمٍ عليم، وهذا يعني كماله وتمامه وعدم وجود تناقضات فيه تستدعي القول بالنسخ للتغلب عليها.

3. إن الله تعالى قد سمَّى هذا القرءان ببعض أسمائه الحسنى فقال إنه عليٌّ حكيم وحق ونور وكريم وحكيم وعظيم ومجيد ومبين ومهيمن، كما أعلن أنه الكتاب المبين، فالقول بالنسخ هو مضاد تماما لكل هذه الأسماء كما هو مضاد لكون الكتاب هدى للمتقين وللمؤمنين وللمسلمين، ومضاد لكونه برهانا مبينا ولكونه لا اختلاف فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يوجد أي كتاب أو مصدر ديني أعلى من القرءان ليقرر أي شيء بخصوصه.

4. للقرءان العلوّ المطلق والهيمنة التامة والحكم المطلق على كل مصادر الأمور الدينية وكل ما له صلة بالدين، ذلك لأنه كلام الله تعالى، ويستمد مكانته من عظمة وعلوّ قدر قائله، لذلك لا يجوز تحكيم ما هو من دونه فيه، فهو مهيمن على الكتب الإلهية فضلًا عما هو من دونها.

5. منظومة سمات القرءان الثابتة بالقرءان تقوِّض كل زعم بأن فيه آيات منسوخة.

6. كل آيات القرءان التي تتحدث عن أمرٍ ما متكافئة كاملة الحجية والمصداقية فيما يتعلق بهذا الأمر، فلا يجوز استعمال إحدى الآيات لإلغاء آية أخرى أو أكثر، وبالأحرى لا تصح محاولة استعمالها لإبطال آيات تتحدث عن أمور أخرى.

7. إن القرءان يصدِّق بعضه بعضا؛ فهو مصدق للذي بين يديه، فكل آية لاحقة لا تنسخ ولا تلغي السابقة وإنما تؤكدها وتصدقها وتتسق معها وتتكامل معها.

8. لا توجد في القرءان آيات منسوخة.

9. مع خطورة الزعم بوجود آيات منسوخة في القرءان، فإنه لا يوجد أي نصّ قطعي الدلالة في القرءان يقول بوجود مثل هذا النسخ، إنما هم كالعادة قالوا به ثم حاولوا استقطاع ثلاث آيات من كافة سياقاتها لتقول به، في محاولة كفرية مكشوفة، والخلف بالطبع يجهلون ذلك، فهم استطابوا عبادة آثار السلف دون أي تمحيص.

10. كلمة آية في القرءان لا تعني بالضرورة عبارة قرءانية بين فاصلتين، بل تعني أيضا: علامة، أمارة، فحوى العبارات القرءانية وأحكامها، أحكام الشرائع السابقة، إنجازات هائلة، سنة إلهية، ظاهرة طبيعية، مخلوق من مخلوقات الله، دليل، برهان، عبرة، عذاب نزل بقوم من المجرمين، كل مخلوق من مخلوقات الله من حيث دلالته على أسمائه، ما هو خارق للمألوف ... الخ، ومحور كل هذه المعاني هو أن الآية علامة تشير إلى أسماء الله الحسنى وما تقتضيه من سنن وتدبيرات، فلفظ آية مشترك لفظي، والمشترك اللفظي هو كل كلمة لها عدة معانٍ حقيقة غير مجازية non-metaphorical، وقد استعملها القرءان بكافة معانيها، ولا يجوز تخصيص المشترك اللفظي أو قصره على معنى من معانيه إلا بدليل قطعي، وإلا فالتخصيص أو القصر ظني، وثبوت كل آية من آيات القرءان بنصها ولفظها ومعاني ألفاظها وحكمها ومعناها الظاهر هو ثبوت قطعي، ولا يجوز إلزام القطعي بالظني، ولكل ذلك لا يحق لعبيد النسخ الاحتجاج بالآية {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة:106]، فكلمة آية فيها لا تعني عبارة قرءانية بين فاصلتين، ولم ترد كلمة آية المفردة بهذا المعنى في القرءان

11. النسخ المذكور في القرءان يعني المحو والإلغاء والإزالة والإبطال، وليس التثبيت، وقولنا هذا خلافًا لما يقول به (القرءانيون) وأكثر المجتهدين الجدد الذين يقولون إن النسخ يعني إثبات الآية المنقولة من مصدر آخر، والمعنى الذي نقول به هو المتسق مع الاستعمال القرءاني للفعل "نسخ"، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [الحج:52]، فالله تعالى لا يثبت ما يلقيه الشيطان، وإنما يزيله ويبطله بإحكام آياته، أما (القرءانيون) فهم بالمعنى الذي يقولون به يجعلون ربهم يثبت ما يلقيه الشيطان!!

12. الآية: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة:106]، تتحدث عن جواز أو احتمال وقوع النسخ، وأداة الشرط المستعملة تُستعمل في العربية لأمر غير محقق الوقوع، ولا تحتم وقوعه، وهي تتحدث عن شرطين أو احتمالين ممكنين هما نسخ الآية أو إنساؤها، وفي الحالتين يأتي الله بما هو خير مما نُسخ أو أُنسي، وهذا هو جواب الشرط، فالجواب واحد للاحتمالين أو الشرطين، فالآية التي يأتي الله بها في حالة تحقق أيٍّ من الاحتمالين أو الشرطين تحل محلّ ما نُسخ أو أنسي، ولو كان النسخ هو الإثبات كما يقول القرءانيون فما هو معنى أن يُثبتها ثم يأتي بمثلها أو بخيرٍ منها؟ وما نُسخ قد يظل لدى بعض الناس علم به لوجوده في شريعة سابقة، أما ما أُنسي فقد اندثر، فلم يعد للناس علم به قديمًا أو الآن، وتفسيرهم للآية يقوض اتساقها مع سياقها، وفي كل الأحوال إذا ثبت الاحتمال سقط الاستدلال.

13. يوجد من أنواع النسخ ما هو ثابت، وهناك منه ما لا مشكلة فيه، فلا مشكلة في أن ينسخ القرءانُ فعلًا كانوا يمارسونه أو حكمًا كانوا يأخذون به في العصر النبوي بغض النظر عن أصله أو مصدره، ومن ذلك ما يسمونه بنسخ (السنة) بالقرءان، ولا مشكلة في أن ينسخ أمرٌ ورد ذكره في المرويات فقط أمرًا سابقًا عليه ورد ذكره في المرويات فقط، مثلما حدث في مسألة زيارة المقابر.

14. الخلاف هو في مجال النسخ، وقولنا هو أن مجال النسخ هو ما أخذوا به من أفعال أو أحكام الشرائع السابقة قبل نزول الآية الناسخة، ففي القرءان توجد الآيات الناسخة للأفعال أو الأحكام المأخوذة من الشرائع السابقة، ولا توجد فيه آيات منسوخة، فمجال النسخ لا يشمل أبدًا الآيات القرءانية، الآية القرءانية التي تتضمن حكمًا يمكن أن تنسخ آية تتضمن حكما مناظرا في شريعة سابقة، والأمثلة عديدة، أما قول الأديان التي حلَّت محلّ الإسلام فهو أن النسخ يمكن أن يشمل الآيات القرءانية الموجودة الآن في القرءان الذي يتلوه الناس، وأن الناسخ يمكن أن يكون آية قرءانية أخرى أو ما يسمونه بالسنة (المرويات والآثار)، وأضاف بعضهم الإجماع، وقولهم هذا مرفوض رفضًا باتا، وهو يتضمن كفرا بكتاب الله، وتكذيبا بما ذكره الله تعالى من أنه لا اختلاف في القرءان، وتكذيبًا بأسماء القرءان وسماته التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وقولهم يحول بينهم وبين إدراك وفقه المنهج القرءاني، وقد أدى إلى صياغة الأديان التي حلت محل الإسلام، كما أدى إلى شرعنة تصرفات السلف (المقدس) المناقضة للقرءان، فلا غنى لهم عنه، ولذلك يعتصمون بشدة به، هذا في حين أن المنهج القرءاني مبني على أن آيات القرءان كلها كاملة الحجية والمصداقية، وكلها متسقة متكاملة، فلا يجوز استبعاد واحدة منها عند استخلاص القول القرءاني في مسألة تذكر هذه الآية شيئا عنها.

15. فالقرءان يتضمن آيات ناسخة لآيات من الكتب السابقة كان بها أحكام عمل المسلمون بها في العصر النبوي، فمجال عمل النسخ هو آيات تتضمن أحكاما وأوامر كانت مقررة في الشرائع السابقة، وكان مأخوذا بها في العصر النبوي قبل أن تنزل الآيات القرءانية الناسخة له، ومما تم نسخه اتخاذهم المسجد الأقصى (إلياء أو أورشليم القديمة) قِبلة، فلقد أمروا بأن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام، كما أُحلَّ لهم الرفث إلى نسائهم في ليالي الصيام بعد أن كان محرما في الشرع السابق... الخ.

16. المشكلة الأخطر في قولهم بالنسخ هي أن هذا النسخ هو أساس الأديان التي حلت محل الإسلام، وهم يحجبون به وجه الإسلام الحقيقي.

17. ما يسمونه بـ"نسخ الحكم دون التلاوة" هو باطل، ويقصدون به زوال وإبطال حكم الآية القرءانية مع بقاء رسمها ليُحوَّل فقط إلى صيغة صوتية محاكية لرسمها، وقولهم هذا يتضمن كفرا بالآيات التي زعموا أنها منسوخة الحكم، فهو ضرب من الكفر بالله الذي له الأسماء الحسنى وبآيات القرءان الذي هو كلامه، ومن يكفر ببعض الكتاب يكفر بالضرورة به كله، وذلك لكفره بمنهجه.

18. زعمهم بوجود ما يسمونه بنسخ التلاوة دون الحكم، والذي يعنون به نزول سور من القرءان لم تُدوَّن أو أن سورا لم تدون أجزاء كبيرة منها أو وجود نصوص كانت من القرءان ولم تدوَّن ولكن بقي حكمها، ومن ذلك آية الرجم المزعومة، هذا الزعم هو ضرب آخر من الكفر بآيات القرءان وبدين الحق، وهو ضرب من اللغو والعبث، وهو إلزام للمسلمين بشائعات لا حقيقة لها يستعملونها لضرب آيات القرءان، وهم بذلك يكذِّبون ربهم ويلقون بظلال كثيفة من الشك على كتابه ويستدلون بمرويات ظنية -حكم أحدهم بصحتها وفق معاييره البشرية- على ضياع أجزاء كبيرة من القرءان؟! وما هو الداعي لإنزال سور قرءانية ضخمة ثم محوها في هذه المدة القصيرة؟!

19. ومن الباطل العبثي قولهم بنسخ الحكم والتلاوة جميعا، فهذا يعني وجود نصوص قرءانية لم تُدوَّن ولم يعد لها حكم!!! وهم يحتجون فيه على الناس بما لا وجود له وببعض الهراء والسفسطة اللفظية، ويبطلون قول من خالفهم بما يقدمونه من هراء، ودون أن ينظروا في أدلته التي هي أقوى بالتأكيد من هذه السفسطة!!! والسؤال: هل المطلوب فقه القرءان أم إحداث نوع من النسخ لتكتمل التباديل الممكنة المشار إليها؟ وهل يجوز الاستدلال بمروية ظنية في الدين الخاتم الملزم للناس إلى يوم الدين؟ ما هي جدوى القول بأن ما لا وجود له نسخ ما لا وجود له؟!

20. والاستنساخ غير النسخ، فالاستنساخ هو بمثابة تسجيل الوقائع بأية وسيلة، ومن المعلوم في اللغة أن زيادة حروف على الفعل المجرد تغير معناه، وعلى سبيل المثال: غفر غير استغفر، وأطعم غير استطعم ... الخ، وفي القرءان أمثلة عديدة.

21. بافتراض –جدلا- أن المنسوخ أو المُنسَى هو بالفعل آية قرءانية، فمن المفترض أن تكون هذه الآية قد أُزيلت، أي لم تعد موجودة في القرءان منذ اكتمال التنزيل في العصر النبوي إلى الآن.

22. لا يوجد في القرءان أي نصٍّ قطعي الدلالة يقول إن بعض آياته منسوخة مع خطورة هذا القول.

23. إن القرءان يصدِّق بعضه بعضا؛ فهو مصدق للذي بين يديه، فكل آية لاحقة لا تنسخ ولا تلغي السابقة وإنما تؤكدها وتصدقها وتتسق معها وتتكامل معها.

24. ليس ثمة نسخ في الكتاب بمعنى أن يلغي النص أو الحكم اللاحق النص أو الحكم السابق، ذلك لأن الكتاب العزيز ليس مجرد مدونة قانونية، كما أن آياته قد صيغت بحيث تكون محصنة ضد النسخ بتضمنها أخبارا لا يمكن أن تنسخ أبدا، والمسلم ليس مطالبا بمعرفة ما هو النص اللاحق وما هو النص السابق، وليس مطالبا بمعرفة ما سمِّي بأسباب النزول المبنية على مرويات ظنية، ولكنه مطالب بتدبر القرءان ككتاب كلي متسق جامع.

25. في أي مسألة من المسائل فإنه يجب أخذ كل الآيات القرءانية التي ذكرت شيئا عنها في الاعتبار، فلكل آية حجيتها ومصداقيتها، ولا يجوز إبطال إحدى الآيات بالزعم بأنها منسوخة، والآيات هي بمثابة المصابيح الموصلة على التوالي؛ لا يصح قطع واحد منها وإلا لضلّ الناس عن القول القرءاني في المسألة.

26. تكرار الأمر أو إصدار أمر جديد يتضمن القديم ويبينه ويفصِّله ويؤكده ويتوافق معه لا يعني أبدًا نسخا للحكم القديم، فهذه الأمور متسقة تمام الاتساق، وهم عادة يقدمون ما يسمونه بآيات الخمر كمثال كلاسيكي للنسخ، وهم لا يملون من أن يكرروا كالببغاوات أول ما قيل في هذه المسألة دون أدنى محاولة لفحص اتساق مقولاتهم، ولا يوجد أي نسخ فيما يسمونه بآيات الخمر، وإنما الأمر هكذا: (في الخمر إثم كبير، إذًا فهي حرام لأن الإثم محرم بنصٍّ قرءاني محكم، ولا يجوز أن يقرب الناس الصلاة وهم سكارى، لأي سبب من الأسباب، لا يعلمون ما يقولون، الخمر مأمور أمرًا مشددا، باجتنابها)، فلا يوجد أي تعارض بين هذه الأمور إلا في أذهان أتباع المذاهب التي حلت محل الإسلام، هذا فضلًا عن أن ما يسمونه بآيات الخمر يتضمن أحكاما وأخبارًا غير قابلة للنسخ أصلا، بينما دليلهم يتحدث عن نسخ آية كاملة، وليس جزءا منها.

27. ومن الباطل قولهم بجواز نسخ الآية القرءانية المحكمة بمروية، فهذا يعني أن المروية عندهم يمكن أن تكون خيرًا من آية قرءانية، فنسخ الآية يكون بالإتيان بما هو خيرٌ منها أو مثلها، وسيقولون بالطبع إن الخيرية هي للتيسير، فما هو مثلا التيسير في جعل عقوبة الزاني المحصن الرجم بدلا من الجلد؟ وما هو التيسير في صيام شهر رمضان بدلا من صيام يوم عاشوراء المزعوم؟ إنهم بذلك يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.

28. ولا نسخ في السنن أيضًا طبقا لتعريفها القرءاني الأصلي الحقيقي وذلك لوجود نصوص قطعية الدلالة على ذلك من ناحية وبحكم طبيعة السنة من ناحية أخرى؛ أي من حيث أنها هي القوانين والمبادئ، فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا، هذا فضلا عن أن السنن الإلهية الكونية هي أيضًا من كلمات الله التي لا تبديل لها ولا تحويل، والسنن الشرعية والتشريعية الماثلة في القرءان لا يمكن أن تُنسخ، فالنسخ الذي اصطلحوا عليه باطل، فلا يوجد حكم استخرج من نص قطعي الثبوت ينسخه حكم آخر من نص آخر سواء أكان قطعيا أم ظنيا، ولا يقال إن القرءان ينسخ السنة، ذلك لأن السنة الحقيقية إما أن يكون منصوصا عليها فيه وإما أن تكون مستنبطة منه وإما أن تكون مصدقة له وإما أن تكون من فحوى نصوصه، فكيف ينسخ الأصل فروعه ولوازمه ومقتضياته، وبالأحرى لا يقال إن السنة تنسخ القرءان، ذلك لأنها منه فكيف ينسخ الفرع أصله؟

29. كان يحدث تدرج في التشريع وفرض الأحكام في العصر النبوي، فهي لم تُفرض دفعة واحدة، ولم يكن ذلك يحدث أبدًا عن طريق إلغاء مضمون أية آية قرءانية أو نسخها، وإنما كانت آيات القرءان تنزل بالأحكام النهائية.

30. قد يكون قد حدث تغيير لبعض الأوامر التي كان الرسول يأمرهم بها أثناء العصر النبوي، ولكن لا علاقة لهذه المسألة بقضية النسخ في القرءان، فهي لم تؤدِّ إلى نسخ أية آية قرءانية، وهي لا تعني إلا أن فعلا أو حكما ورد في أثر أو مروية نسخ فعلا أو حكما ورد في أثر أو مروية، وذلك مثل النهي عن زيارة القبور ثم السماح بها، فهذا كان شأنًا خاصًّا بقوم الرسول في العصر النبوي، ولا أثر له في آيات القرءان أو أحكامه.

31. يخطئ من يظن أن قولهم بالنسخ يقتصر خطره على إبطال معاني بضع آيات يعمل المهتمون بالأمر على تقليل عددها إلى أدنى حدٍّ ممكن، ذلك لأن خيارهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن القول بوجود آيات منسوخة هو فضيحة مخجلة مجلجلة، فيحاولون تقليل عدد الآيات المنسوخة، وهذه منهم محاولة واهية، فأسس مذاهبهم التي حلت محل الإسلام تستلزمه، فالقول بالنسخ سارٍ في كل تفاسيرهم واشتقاقهم للأحكام ومناهجهم وبنيان مذاهبهم، فهو مضاد تمامًا للمنهج القرءاني بما يتضمنه من موازين، وهو من أهم أسسهم لاتخاذ القرءان مهجورًا والقضاء عليه بمصادرهم الخاصة؛ أي هو باختصار لازم لإعطاء الشرعية للأديان التي حلَّت محل الإسلام.

*******

إن الله تعالى قد سمَّي هذا القرءان ببعض أسمائه الحسنى فقال إنه علي حكيم وحق ونور وكريم وحكيم وعظيم ومجيد ومبين ومهيمن، فالقول بالنسخ هو مضاد تماما لكل هذه الأسماء كما هو مضاد لكون الكتاب هدى للمتقين وللمؤمنين وللمسلمين، ومضاد لكونه برهان مبينا ولكونه لا اختلاف فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فالقول بالنسخ يعني السماح لكل من هبَّ ودبَّ ولشياطين الإنس لكي يضربوا آيات الكتاب بعضها ببعض ولكي يفتعلوا اختلافافيها ويتيح المجال لرجال الكهنوت ليتسابقوا فيما بينهم وليستعرضوا عضلاتهم أو بالأحرى جهالاتهم على آيات ربهم حتى لقد بلغ بهم الشطط أن جزَّؤوا الآية الواحدة إلى أجزاء منسوخة وأجزاء غير منسوخة!!

إنه ليس لديهم نص قطعي الدلالة يثبت مزاعمهم بخصوص النسخ أو يتفق مع اصطلاحهم عليه، والقول بالنسخ بالمعني الذي اصطلحوا عليه كان من كبائر الإلقاءات الشيطانية التي لوثت وشوهت التراث الإسلامي وتسببت في ظهور تلك المذاهب المحرفة التي قوضت بنيان الأمة.

وللقرءان منظومة سمات ثابتة بآياته قطعية الورود والدلالة، هذه السمات هي من مظاهر أسماء من القرءان كلامه، والقول بالنسخ مضاد تماما لمنظومة السمات هذه، فهذا القول بذلك هو من كبائر الإثم ومن الكفر المبين لتعارضه مع سمات ومقتضيات القرءان الكريم.

*******

إن السلف الصالح كانوايقصدون بالنسخ ما يعادل التدرج في التشريع وأخذ الناس بالأحكام والانتقال من التعميم إلى التخصيص والتفصيل ومن التمهيد إلى التأكيد ومن رخصة في حالة ضعف إلى عزيمة في حالة قوة كما كان يطلق على الاستثناء، ولكن لم يطلق أبدا بالمعنى الذي أحدثه شياطين الإنس والجن والذي يعني أن الكتاب العزيز يتضمن آيات أثرية منسوخة لا يعمل بها وإنما تقرأ للتبرك.

*******

إن القرءان هو الكتاب المهيمن على غيره من الكتب، فليس ثمة من مصدر للعلوم الدينية أعلى من القرءان ليقرر شيئا ما بخصوصه، وليس فيه هو أي دليل قطعي على أن أية آية من آياته هي منسوخة، وهذا القول يتناقض مع عناصر منظومة السمات القرءانية المنصوص عليها في القرءان ويلقي بظلال قاتمة من الشك على الدين كله لأي ناقد محايد، فالقول بوجود آيات قرءانية منسوخة هو إلقاء شيطاني وإفك مبين.

*******

إن القرءان مصوغ بحيث يتدرج بالناس من حيث التشريع والإلزام بالأوامر الدينية، ولذلك كان يترك الناس يعملون بما فقهوه إلى أن يتهيئوا لنزول الحكم الملزم والذي هو قطعي الدلالة كما حدث في أمر تحريم الخمر والذي بدأ بأن نزلت آية تنص على أن فيها إثما فامتنع البعض عن تعاطيها لأن الإثم محرم في نصوص قرءانية قطعية الدلالة، بينما استمر البعض في تعاطيها لأن الآية لم تكن في نظره قطعية الدلالة على التحريم، ثم نزلت الآية التي تأمر الناس بألا يقربوا الصلاة وهم سكارى فازداد امتناع الناس عنها وقل الوقت المتاح لتعاطيها.

ولقد شق الأمر على البعض ولكن أصبح الكل مهيئين لنزول حكم حاسم وقطعي الدلالة فأُنزل، ومثل هذا هو ما سماه بعض المهرجين نسخا وانطلقوا يعبثون بكتاب الله، وكان من الأولى أن يتعلموا سنة الله تعالى في تحريم ما أدمنه الناس ومنعه، ولكنهم بدلا من ذلك هرعوا على القول بالنسخ مع أن هذه الآيات ليست خاصة بموضوع الخمر فقط، فهي تتضمن أحكاما أخرى وعلوما لا سبيل إلى نسخها أبدا، بل إن القول بذلك هو من الكفر المبين.

فليس ثمة آيات منسوخة في الكتاب، والآيات اللاحقة لم تلغ الأحكام التي تضمنتها الآيات السابقة فضلا عن أن كل آية من الآيات التي أسموها ظلما بآيات الخمر وقالوا إنها منسوخة كانت تتضمن معلومات وأوامر أخري لا علاقة لها بالخمر، فما من آية قالوا إنها منسوخة إلا وهي تتضمن من الأمور ما لا يمكن نسخه؛ فمنها أسماء إلهية ومنها سنن كونية، وهذا ما يدحض دعوى النسخ، وعلى سبيل المثال فالآية التي تأمر المؤمنين بألا يقربوا الصلاة وهم سكارى تتضمن أوامر تشريعية خاصة بضرورة التطهر من الجنابة وكذلك أحكاما خاصة بالتيمم كما أنها تنص على أن الله كان عفوًّا غفورا، وكل ذلك لا سبيل إلى نسخه.

ومن المعلوم أن الآية التي أساءوا تفسيرها ابتغاء الفتنة أي لإثبات قولهم بالنسخ تتحدث عن نسخ آية وليس عن نسخ جزء منها ولا عن نسخ معناها أو الحكم الوارد فيها، ومن المعلوم أن للفظ "آية" معانيه العديدة في القرءان، وهي في قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 106 تعني حكمًا من أحكام الشرائع السابقة مثل اتجاه القبلة والرفث إلى النساء في ليلة الصيام والرجم ..... الخ.

ومن العجيب والمريب أن يقولوا إن مروية الآحاد الظنية تنسخ آية قرءانية مع أن الآية التي يثبتون بها وقوع النسخ تتحدث عن نسخ آية بخيرٍ منها أو مثلها، وهذا يكشف عن حقيقة نظرتهم للقرءان وتقديمهم المرويات (التي يسمونها بالسنة عليه)، والقائلون بالطبع يراهنون على جهل قطعان دوابّ همجستان وتجريمهم العملي لاستعمال (العقل) في الأمور الدينية، وقولهم بوجوب التلقي عن مشايخ سبق صبهم في القوالب البالية القديمة وزعمهم أن الدين مهنة كسائر المهن لا يجوز أن يتحدث فيها إلا من امتهنها واتخذها مصدر رزقه.

إنه لا يجوز تحكيم المرويات الظنية وآراء الناس في آيات الكتاب بأية صورة من الصور، بل يبقي للكتاب دائما الحكم على المرويات وغيرها ويبقي هو المصدر الأوحد للموازين ولمعاني المصطلحات.

*******

لقد كُتب الصيام على المسلمين كما كتب على الذين من قبلهم، وتعين أن يصوم كل مسلم أيامًا معدودات، ثم أُمر المؤمنون بصوم رمضان أي تم تحديد وتوحيد أيام الصيام كما تم تحديد وتوحيد أوقات الصلاة، فليس ثمة نسخ بالمعني الذي اصطلحوا عليه وإنما كان ثمة تدرج في مطالبة القرن الأول بالتكاليف.

أما الآيات التي تناولت أمر الخمر فلم ينسخ اللاحق منها السابق ذلك لأنه لا توجد آية منها اقتصر ما تعالجه وتقدمه من معلومات على أمر الخمر، بل إن كل آية منها تتضمن معلومات لا يمكن أن تنسخ وأوامر لم تنسخ، ولا نسخ لأقل من آية طبقًا لاصطلاحهم.

أما الأوامر المتعلقة بالخمر فلا تعارض بينها ولا تنافي ولا تمانع فليس ثمة تعارض بين الأمر باجتناب الخمر وبين الأمر بألا يقرب الإنسان الصلاة وهو سكران كما أنه ليس ثمة تعارض بين ألا يقرب الإنسان الصلاة وهو سكران وبين أن الخمر فيها إثم كبير ومنافع للناس.

ولقد استعملت الآيات سنة التدرج في التشريع لمعالجة داء كان شائعا واستعملت عنصر الزمن كوسيلة من وسائل العلاج وأحالت كل إنسان إلى مدي تقواه وشدة عزمه وحزمه فأشدهم وأقواهم حزما وعزما بادر بالامتناع عن الخمر بمجرد الإعلان بأن فيها إثماً كبيرا، ذلك لأن اجتناب كبائر الإثم هو من أركان الدين ونصت عليه آيات قطعية الدلالة.

أما الآن فالمؤمن بالقرءان غير معني بما يسمونه بمناسبات النزول، سواء أكان لها أصل بالفعل، أم إنها مجرد قصص حيكت من بعد لتكون سببًا لنزول الآيات، فكل مجموعة من الآيات التي تعالج شيئا واحدا، هي متكافئة، ويجب أخذها جميعًا في الاعتبار.

*******

إن القول بالنسخ بالمعني الذي اصطلح عليه عبيد الأسلاف هو من الكفر المبين، أما الذين انطلقوا يتنافسون لاكتشاف ما ظنوا أنه آيات منسوخة في القرءان الكريم فلسوف يعلمون أي منقلب ينقلبون، أما من تابعوهم من قطعان المقلدين فعليهم أن يبادروا بالتوبة والاستغفار وكفي ما جلبه هذا القول على الأمة من الكوارث، ولن يرتفع عن هذه الأمة العذاب إلا بالكف عما أحدثوه في الدين من الكُبَر مثل القول بنسخ عشرات الآيات من القرءان الكريم والتي ترتب عليها ضياع الثقة به وهجر الناس له.

*******

من العجب أن يزعموا أن بعض آيات سورة النور منسوخة مع أن أول آية فيها تقول: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1)} (النور)، ومن العجب أن يزعموا نسخ آيات قرءان وصفه رب العالمين بأنه كتاب حكيم، ومن العجب أن يقولوا إن آيات الكتاب التي هي كلام الله تعالى قابلة للتبديل مع أن آية الكهف تقول: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(27)}(الكهف).

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 416