صفات من يستحقون شرف المعية المحمدية

قال تعالى:

{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29]

آية الفتح 29 توضح صفات من يستحقون شرف المعية المحمدية وهي مرتبة متاحة لكل مؤمن إلى يوم القيامة، ولكن الدين الأعرابي الأموي قائم على جعل الدين مسألة أمور شخصية، وليس قيمًا وأوامر إلهية، وعلى أن القرءان ليس إلا قصيدة مدح لأربابهم وقصيدة هجاء لأعدائهم.

فمن أراد تلك المرتبة فيجب أن تكون فيه الصفات التالية:

  1. أن يكون شديدا على الكفار فلا يواليهم ولا يميل إليهم وأن يقدم حق الله تعالى على كل أمر آخر، والكافر هو من بلغه الحق البلاغ المبين فأصر على كفره والعمل بمقتضى كفره، أي بالإصرار على التصدي للإيمان والمؤمنين وفتنتهم في دينهم مثلما كان حال كفار قريش والأعراب.

  2. أن يكون رحيما بالمؤمنين، وهذا يستبعد من شرف تلك المعية أهل الجور والبغي والظلم وسفاكي دماء المؤمنين وناهبي أموالهم والواقعين في أعراضهم والآمرين بسبهم.

  3. المحافظة على الصلوات فيُرَوا ركعا سجدا فهم يظهرون خضوعهم لله تعالى وإخباتهم التام له ويفخرون بذلك.

  4. يبتغون فضل الله تعالى ويحرصون على رضوانه.

  5. يشيعون جوا من التقوى والطهارة والإيمان حولهم بما يبدو عليهم من أمارات الصلاح، وهذا يستبعد المجاهرين بالمعاصي ويستبعد أيضا السلبيين الذين لا ينتفع بثمار أعمالهم إلا هم وكذلك من يتعمدون إظهار المعاصي سترا لصلاحهم.

  6. أن يكونوا غيظا للكفار بصلاحهم وتقواهم وقوتهم وتفوقهم.

  7. وبعد كل هذا فلا بد من الحفاظ والتمسك بالإيمان والعمل الصالح.

وليس من حق أي إنسان أن يحدد لآخر من هم أصدقاؤه ومن هم أصحابه ومن هم خلانه ومن هم إخوانه، إن ذلك حق لا يملكه الإنسان إلا لنفسه، وهكذا فليس من حق إنسان ولد بعد الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بمائتي عام أن يحدد له وللمسلمين من كانوا أصحابه ويضع لذلك من القواعد والأسس ما يحلو له حتى يدخل في هؤلاء الصحابة الأعراب والمنافقين والفاسقين …..الخ، فليس من حق أحد أن يحدد للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ صحابته خاصة إذا ما رتب على ذلك شرائع وأحكاما دينية يلزم بها الناس إلى يوم الدين، إن مسلكهم هذا يتضمن ضربا من التطاول على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ والتقدم بين يديه والتزكية على ربه وعليه، وإذا كان الرسول قد استخدم هذا الوصف للإشارة إلى بعض السابقين الأولين من المهاجرين فإنه وصف به أيضًا رأس المنافقين، بل وصف به من هموا باغتياله عند عقبة تبوك.

فهو لم يخرجه أبدًا عن معناه اللغوي، بل إنه عندما أشار عليه عمر بن الخطاب بقتل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول قال: (فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، هذا بالإضافة إلى أن كل مصطلح شرعي أو ديني يجب أن يستخلص من القرءان وحده، وهذا حكم قاطع وأمر لازم وهو الذي تحتمه طبائع الأمور ولا علاقة له بما شاب أمر تدوين المرويات من أمور معلومة، ومن المعلوم أن الكتاب العزيز لم يستعمل هذا اللفظ خارج معناه اللغوي أبدا.

ويجب القول بأن الإنسان قد يكون مهتديا وقد يؤتيه الله تعالى آياته ثم ينسلخ منها أو قد ينقلب على عقبيه ولقد صح عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أن بعض أهل القرن الأول سيحدثون بعده ما يستحقون به النار، ولقد حذرهم من أن يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، ولم تمض إلا سنوات قليلة إلا وقد ضرب بعضهم فعلا رقاب البعض، ولقد كان بعض أهل القرن الأول في جيش زعيم الفئة الباغية، ولقد فتن بعضهم بالدنيا وتنافسوا فيها، ولقد تخلى أكثرهم عن الإمام عليّ (عليه السلام) وخذلوه ومكنوا بذلك لمعاوية من إحداث انقلابه الذي كاد يقضى به على الإسلام والذي تسبب من بعد في القضاء على بقايا خير أمة أخرجت للناس، ولقد ثبت أن كثيرا من مسلمي القرن الأول كانوا في ضلال مبين ثم اهتدوا ثم فتنوا بالدنيا فضلوا ومنهم من بغى من بعد ومنهم من أقر بذنوبه مثل عمرو بن العاص وتخلى عن كل ما له وطلب من ربه الصفح والمغفرة، ومنهم من مات مصرا على بغيه وظلمــه بل ودبر الأمر بحيث يستمر ظلمه من بعده.

*****

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 416