الدواعش ليسوا مسلمين

للإسلام معانيه العديدة، وأهمها هو الإسلام الاصطلاحي، الإسلام من حيث إنه دين الحق الملزم للناس كافة، بشرط البلاغ المبين، والذي يتضمنه القرءانُ الكريم (The religion of truth, The official or the true Islâm)  ، والذي كان الرسول مجسِّدًا له بأقواله وأفعاله وسنته وحياته، لذلك فمصدر أموره الكبرى الأوحد هو القرءان الكريم، وهو أيضًا المصدر الأعلى لأموره الثانوية، وهذا الإسلام هو الدين الكامل الجامع الخاتم، وهو أيضًا الدين العالمي والرسمي والاصطلاحي، فهذا الدين هو الصورة الكاملة التامة للدين الذي أرسل به كل الأنبياء، والذي هو دين الفطرة، فهو يتضمن كلَّ عناصر دين الفطرة، فدين الحق هو دين الفطرة في صورته الكاملة التامة؛ أي بعد أن بلغ ذروة تطوره وتمت الكلمة صدقًا وعدلا، وهو الذي أعلن الله تعالى في القرءان أنه أكمله للناس وأنه سيظهره على الدين كله، 

{....الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا ....} المائدة3، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح:28]،

 ولهذا الدين سماتُه وعلومُه وبيِّناته ومقاصده وقيمه وأركانه وسننه، ولكل عنصر من العناصر الواردة في القرءان مكانه في هذا الدين طبقا لوزنه القرءاني.

هذا الدين هو الدين اللازم للنجاة والفوز في الدار الآخرة.

إن الدواعش قد كفروا بدين الحق، هذا، على مستوى العقيدة وعلى مستوى السلوك، وسلوكهم الإجرامي تجاه المسلمين الآخرين إنما ينطلق من عقيدة إجرامية فاسدة، فالداعشي لا يقيم أي وزن لإيمانك بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كل ذلك لا يشفع لك عنده طالما لم تؤمن بحقه في أن يقتلك وينهب مالك ويسبي نساءك ويستعبد ذريتك ولم تبايع الشخص الذي عينوه خليفة عليك وعلى سائر المسلمين.

إنه لا يمكن لمن يقول بكفر المسلم الذي يؤمن بأركان الإيمان المعلومة ويستحل دمه بذلك أن يكون مؤمنا بنفس دينه، فلابد أن يكون المسلم أحدهما، والكافر هو الآخر، ولما كان المسلم لا يمكن أن يكون مجرما كما ذكر القرءان ولا يمكن أن يكون مفسدا في الأرض فالداعشي ومن يدافع عنه غير مسلمين، ذلك لأنهم في الحقيقة على دينه وإنما يتبعون النفاق والتقية.

*******

إن الذين يكفِّرون كل المسلمين الآخرين بحجة أنهم ليسوا مثلهم ويستحلون بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم ويخربون بلادهم وينفذون ذلك عمليا، بل يعيشون ليحققوا ذلك، ليسوا بالطبع مسلمين، فهم لا يؤمنون بدين الحق ولا بإله دين الحق وكتابه، وهم أيضًا من المجرمين الذين يسعون في الأرض فسادًا ويسفكون الدماء ويقتلون النفس التي حرَّم الله، هذه هي الحقيقة دون تمحك في شكليات لا قيمة لها، فالأمر ليس أمر مسألة (فقهية) ليشتغل بها مشايخ الجهل والهبل والهطل والتخلف، الموضوع أكبر من مستوى هؤلاء الذين يتواجدون على سبيل الخطأ في هذا القرن.

والمشايخ لا يستطيعون بالفعل تكفير الدواعش وغيرهم، ذلك لأنهم يعلمون جيدًا أن الدواعش ينفذون عمليا ما يحلمون هم به، ويؤمنون به نظريا، ودينهم هو واحد، وهو الدين الأعرابي الأموي الذي أخذ من الإسلام بعض الطقوس والشكليات ووضع من الآليات ما يفرغه من مضمونه ومن مقاصده العظمى وأركانه الكبرى.

وحالة الدواعش ليست حالة ردة، بل هي حالة وجود طوائف تعتنق دينا بشريا شيطانيا، ليس من دين الحق في شيء، ولا شيء في اعتناق أي طائفة لأي دين إذا لم يترتب على ذلك أعمال إجرامية، فحرية الدين مقررة في دين الحق، ولكن المشكلة هي أن هذه الطوائف ترفض التعايش السلمي مع المسلمين الآخرين وتجعل من أهدافها القضاء التام عليهم، وتتعاون في سبيل ذلك مع ألد أعداء المسلمين، فما يعتنقونه هو دين شيطاني دموي إجرامي، فمن لا يقيم وزنا لأركان الإيمان المعلومة التي يؤمن بها المسلم ولا لأركان الدين المشهورة التي يؤديها المسلم ويصر مع كل ذلك على أنه كافر لا يمكن أن يكون متبعا لنفس دينه، هذه بديهية لا يمكن أن تكون مجالا للجدل أو المراء.

أما مسألة الردة، فهي أمر آخر تماما، والردة عن دين الحق هي أمر باطني، لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الذي سيفصل فيه يوم القيامة.

*******

إن المجرم الذي يفجر نفسه في عباد الله والذي يقطع رؤوسهم لمجرد اختلافهم عنه في الدين أو المذهب لا يعبد الإله الذي له الأسماء الحسنى، لا يعبد الله الملك القدوس السلام المؤمن؛ مصدر الأمن والأمان، فما لديه من تصور عن الله تعالى يسيء إليه، وهو بالطبع لا يؤمن بكتاب الله ولا يتبع دين الحق، وإنما يتبع دينا إجراميا شيطانيا دمويا حل محله، ومن يزعم أنه مسلم ومن أهل القبلة إنما هو شريك له في جرمه.

فالدواعش كفروا بمجمل دين الحق، فأداء بعض الطقوس لا قيمة له بعد الضرب بمقاصد الدين العظمى وأركانه الجوهرية عرض الجدار.

ومن يفعل أفعال داعش إنما ينطلق من تصور خاطئ وإجرامي عن رب العالمين، فهؤلاء كفروا بالإله الذي له الأسماء الحسنى الذي أنزل القرءان، ولا قيمة لأن يولوا وجوههم شطر مكة بعد ذلك، فقبلتهم الحقيقية هي الشيطان القابع في البيت الصهيوني الأغبر، وهم مجرد أدوات لتحقيق الحلم الصهيوني والوعد القديم لليهود.

قال تعالى:

{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} [المائدة:33]

ما ذكرته الآية ينطبق تماما على كل جماعات تكفير وقتل المسلمين الآخرين بزعم أنهم كفار أو مرتدون، والعقوبات الواردة هي ليرتدع بها أمثالهم، فكثير من الناس قابلون للتحول إلى قتلة مجرمين باسم المذهب أو الدين.

ويؤمن بعض المشايخ بداعش إيمانا راسخا، فهي تحقق لهم أحلى أمانيهم الشيطانية وألذّ أحلامهم البهيمية، ويتبع آخرون أسلوب التقية، فيزعمون أنهم يؤيدون الدولة في حربها ضد داعش، ثم يقولون عن داعش إنهم أهل الشهادة وأهل القبلة، ولا يجوز تكفيرهم طبقا للمذهب الأشعري!! وإنما يمكن أن يُطبق عليهم حد عقوبة الحرابة المذكورة، فهل هذا يتسق مع كلامهم السابق؟ إذا كانوا يؤمنون بنفس الإله وبنفس الرسول كالمشايخ فهم بالطبع لن يحاربوهم، وإنما يحاربون في سبيلهم، وبالتالي يختل شرط من شروط تطبيق العقوبة.

ولا يمكن أن تُطبق هذه العقوبة على داعش وأخواتها إلا من حيث دين الحق، فهؤلاء الدواعش لا يؤمنون بالله وكتابه ورسوله وإنما يؤمنون بتصورات وأقوال السلف عنهم مثلهم مثل السلفية وغيرهم.

وطالما يحكم الدواعش على كل المسلمين الآخرين بالكفر، ويرون أنه يجب المبادرة بالقضاء عليهم قبل القضاء على باقي البشرية، بل وتورطوا في الاعتداء على المسلمين بالفعل فإنه يجب من كافة الحيثيات على كل المسلمين التآزر لرد عدوانهم بمثله والقضاء عليهم، ولهم أيضا أن يستعينوا بالضحايا المنتظرين لداعش.

ولا يمكن لمن يكفِّر المسلم المؤمن بأركان الإيمان المعلومة تكفيرا مطلقا ويستحل دمه أن يكون مؤمنا بنفس دينه، فلابد أن يكون المسلم هو واحدا منهما فقط، ولما كان المسلم لا يمكن أن يكون مجرما فالداعشي ومن يدافع عنه غير مسلمين.

إنه من حق الكيان الحديث (الدولة-الوطن-الشعب) أن يدافع عن نفسه ضد أي اعتداء وألا يقيم وزنا لكلام المشايخ طالما ارتضوا أن يركبهم الشيطان وأن يقفوا ضد الأمة، ومن يعمل أثناء حالة الحرب على التشكيك في عدالة قضية شعب يدافع عن كيانه ووجوده هو بكل بساطة خائن يجب تطبيق القانون عليه.

*******

من بعد الرسول إلى الآن فإن داعش تمثل الصورة الأرثوذوكسية لما يُسمَّى ظلما بالإسلام، ومحاولات التحسين العديدة لم تجدِ كثيرا، والناس منذ هزيمة المشروع الحضاري التقدمي في القرن الماضي يعودون إلى دين داعش أفواجا

*******

أما داعش والتنظيمات الدموية الإجرامية فأولئك إما أعداء خارجيين يجب قتالهم دفاعا عن الوطن (الأهل والديار والأموال والأصحاب؛ أي المواطنين بصفة عامة)، وإما أعداء من الداخل، وكل هؤلاء يشتركون في أنهم يعتنقون دينا يختلف عن الإسلام، وآية ذلك حكمهم على المسلمين بالردة واستباحتهم لدمائهم وأموالهم وأعراضهم، وهم بذلك لا يؤمنون بالإسلام وإنما بديانة شيطانية تنتحل اسمه، والمسلمون ليسوا مجرمين.

والمؤمن كيِّس فطِن، وليس "كيس قطن"، وإذا كان هناك طائفة تعتبر أن كل المسلمين كفارا وتظهر عداوة لهم أشد من عداوتها لكافة البشر الآخرين، بل تستبيح لنفسها قتلهم ونهب أموالهم فهي بالتأكيد تعتنق دينا آخر لا يقيم وزنا لأركان الإيمان الحقيقية مهما زعمت خلاف ذلك، ولا قيمة لفتاوى المشايخ، فهم الشياطين في زي رجال دين.

ويجب العلم جيدا بأنه على مدى القرون كان المشايخ يقرون شريعة المتغلب، وهي شريعة العصور الوسطى، ولا شأن لها بالدين، وأنه كان لهذه الشريعة الغلبة والسيادة على الدين والمذهب والإنسانية، وأنه طبقا لهذه العقيدة قاتل الأخ أخاه كما فعل المأمون العباسي بالأمين العباسي، وكما فعل الأمراء الأيوبيون ببعضهم البعض، بل قتلت الأم ابنها كما فعلت الخيزران بابنها موسى الهادي لصالح ابنها هارون الرشيد، وقتل الابن أباه كما فعل المنتصر بأبيه المتوكل (من أرباب المذهب الأثري)، كما قتل السلطان كل من كان يمكن أن يشكل تهديدا ما في يومٍ ما عليه من أقاربه مثلما كان يفعل سلاطين بني عثمان، وقاتلوا كل الدول السنية الأخرى لضمها إلى إمبراطورتيهم، فهؤلاء المجرمون من عبيد السلطة والدنيا لم يتعلموا شيئا يُعتد به من دينهم، ولم يجدوا من يريح الدين والإنسانية من شرورهم وسيئات أعمالهم وموبقاتهم، ولكنهم يجدون الآن حشودا من السفهاء يسعون إلى إحياء سنتهم والتوسع في تطبيق تراثهم الإجرامي إلى المدى الأقصى.

إن الدواعش لا يؤمنون بالإله الذي أنزل القرءان، لا يؤمنون برب العالمين، ولا يؤمنون بالله الملك القدوس السلام المؤمن، ولا يؤمنون بدين الحق الماثل في القرءان، فهم يؤمنون بإله صنعوه على أعينهم، هو صورة مجسمة لهم، وهو لذلك ربٌّ خاصّ بهم.

فلا قيمة لاتجاههم نحو قبلة المسلمين المادية طالما أعرضوا عن قبلة المؤمنين الحقيقية الجوهرية، واتخذوها وراءهم ظهريا.

*******