السبع المثاني

المثنى الخاص بآدم عليه السلام

الجدول

المثنى الخاص بآدم عليه السلام

قال تعالى:

{ فَتَلَقّىَ آدَمُ مِن رّبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ} (البقرة: 37)

وطبقًا للنظرية فإن المثنى الذي أوتيه آدم عليه السلام هو المثنى الأمري المقتضى "تّوّابُ رّحِيمُ".

ويبين القرءان أن آدَمُ عَصَى رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، ولقد ندم آدم على ما بدر منه من معصية فألهمه الله تعالى أن يقول مع زوجه:

{رَبّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف: 23).

هذه الكلمات هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، وهي اعتراف محض بالذنب وإقرار بأن رحمة الله تعالى ومغفرته هما سببا النجاة.

فآدم عصى ربه كما أخبر الله سبحانه، ولا ينبغي تكذيب ما أخبر الله تعالى به اعتذارا لآدم عليه السلام عما بدر منه، فإن شرف آدم وعلوّ قدره إنما ظهرا بسبب ذنبه، فهو لم يستكبر كإبليس بل ندم واستغفر وفرّ إلى ربه، فكان ذلك سببا لاجتبائه وحبه، قال تعالى:

{...وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى{121} ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى{122}،

فبيَّن أن الاجتباء كان بعد المعصية، إذ بعدها أصبح آدم واعيًا بالمسئولية الملقاة على عاتقه وبواجبه نحو ربه وبدأ استخلافه في الأرض، وأصبح نبيًّا لله تالى بالنسبة لذريته التي كثرت وتضاعفت بسرعة في عمره المديد.

فآدم لم يعصِ ربه عندما كان نبيا، بل قبل ذلك، وكان ذلك أمرًا مقدرا، ولابد أن يصدق التقدير الإلهي؛ أي لابد من أن يكون الأمر المتحقق أو العلم الظاهر اللاحق مصدقا للأمر المقدر أو العلم التقديري السابق دونما إكراه، وإنما لكمال السمات الإلهية وإحاطتها التامة، فالتقدير ليس بإكراه.

وبالطبع لا يجوز لأحد أن يحتج بسبق التقدير، فهو عندما عصى فقد فعل ذلك بإرادته واختياره المتفقين مع طبيعته الذاتية وحقيقته عندما كان عليه أن يختار، ولذلك كان العدل أن ترتد عليه آثار فعله.

إن معصية آدم وتوبته كانتا سببًا في تجلّي المثنى "التّوّابُ الرّحِيمُ"، وتولى هذا المثنى المعبر عن التوبة المقترنة بالرحمة أمر آدم وبنيه من بعده، فكل بني آدم لهم حظهم من تجلي هذا المثنى.

فإيتاء آدم هذا المثنى جعله مستعدا لتقبل آثاره، وكان ذلك لازمًا للكائن الذي استخلفه الله تعالى في الأرض وكرَّمه وحمَّله الأمانة وفضله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا.

*******

1

1.png