لحوم مسمومة 3

أما مبروك فقد كان يسلم مثله بحاجته إلى صداقة صاحبه، كان أكثر الناس قربًا منه ومعرفة به بحكم الجيرة، كان يتعلم منه كيف يكون عمليا واقعيا غير مغرق في الخيال، كما كان يتعلم منه كيفية المذاكرة وفاعليتها، كان هو أيضا بحاجة إلى أن يشرح لصديقه ما يتلقيانه من معلومات حتى وإن لم يذاكرها هو من قبل، بل كانت حاجته إلى ذلك أشد من حاجة صديقه، فقد أصبح ذلك المسلك هو المذاكرة بالنسبة له، فهو لا يستطيع أن ينكب على كتاب ليقرأه ويحفظ ما فيه.

كان كل همه التفكير فيما يقرأه وكيف ينتفع به في حياته ولتزكية نفسه، لذلك كان لا يحفظ المعلومة إلا بقدر ما فكر فيها وأعاد إلقاء نتائج التفكير على الآخرين، كان أيضًا يجد في هذه الصداقة قوة على مواجهة المجتمع المحيط به الذي ينظر إليه شذرا ولم يأتلف معه أبدا، فلقد تعود الناس أن ينظروا إليه ككائن غريب الأطوار منفصل عن الواقع غارق في أحلام اليقظة والخيال، وقلما وجد من يفهمه منهم، بل ربما وللأسف لم يكن يفهمه منهم جيدًا إلا حشاد، وكان يعلم أن حشاد يقدره ويسلم بتفوقه في قرارة نفسه، وكان وجوده بالنسبة إليه يخفف من حدة إحساسه بالغربة، وهو على أية حال يمثل بالنسبة له ما يمكن تسميته بصديق العمر!

ولكن لم يكن من الممكن لمبروك أبدًا أن يكون مثل صاحبه اللدود، إنه يعلم جيدًا أن الدين الذي يدرسانه معًا ليس مهنة للتربح وليس مجموعة من المعارف الذهنية أو المعلومات التقنية الحرفية التي يجب أن يكون المرء محايدًا تجاهها، لذلك كان يعيش كل علم يتلقاه بقلبه وعقله ووجدانه، لم يكن يستطيع أن يستوعب أي معلومة إلا بعد اجتيازها لاختباراته المنطقية والوجدانية؛ أي من بعد أن يتقبلها عقله وتمسّ قلبه، أما المعلومة الفاشلة فقد كان يُصدّ عنها صدًّا وينبذها قلبه بشدةٍ نبذا، لذلك لم يكن غريبا أن تأتي نتائج اختباراته في المعهد متفاوتة تفاوتا عجيبا؛ ففي حين كان يحقق أعلى الدرجات متفوقا على الجميع بما فيهم حشاد في مادة فإنه في مادة أخرى كان ينجح بشق الأنفس!

رغم أن كل ذلك هو النتيجة المنطقية الطبيعية لشخصيته وسلوكياته إلا أنه لم يكن يدرك الأمر تماما، بل كان يتعجب من تعثره في اختبارات بعض المواد السهلة ونجاحه فيها بالكاد، لذلك قال ذات مرة لصاحبه وهو يحاوره:

  • ما رأيك فيما ندرسه؟

  • ولماذا يجب أن نبدي رأيًا فيه؟ علينا أن نستوعبه فقط!

  • فقط؟!

  • بل إن المطلوب ليس مجرد الاستيعاب، بل الإجادة التامة والتفوق في الاستيعاب، هذا فضلًا عن المهارة في توقع الأسئلة والتدرب على الإجابة عليها.

  • ألم تلاحظ الكم الهائل من التناقضات والمغالطات فيما ندرسه؟

  • وهل وظيفتنا هي تحليل هذه العلوم؟ ألم يفعل ذلك أهل الاختصاص والذكر من أسلافنا العظام من قبلنا؟ والمدرسون يقدمون لنا بأمانة ثمار جهودهم.

  • هؤلاء المدرسون كانوا يومًا ما مثلك ويفكرون بنفس منطقك الأعوج!

  • منطقي الأعوج هذا هو المنطق السليم الذي يكفل لي التفوق الحاسم عليكم جميعا رغم أني أعلم يقينًا أن واحدا مثلك هو أذكى مني وأفضل بكثير، النجاح هو مقياس الحقيقة! اعوجاج الشيء قد يكون لازمًا ليؤدي المطلوب منه، قل لي، بافتراض أنك تدرس الطب مثلا هل كنت ستحلل أية معلومة تُعطى لك أم سيكون كل همك الاستيعاب فقط؟

  • هل تجعل علوم الدين كعلوم الطب؟ وهل الطب نفسه كالأدب أو الفلسفة مثلا؟ بل هل الطب كالهندسة أو الرياضة مثلا؟

  • اسمع، بالنسبة لي لا يوجد أي فرق، ولو كنت أدرس في أي مجال من هذه المجالات لسلكت نفس السبيل ولاستعملت نفس المنطق الأعوج!

  • لا أسألك عن موقفك، أعرفه جيدا، أسألك عن حقيقة الأمر.

  • لست مسئولًا عن الحقائق، لا أملك هذا الترف، لقد وجدنا أنفسنا –أنا وأنت- في أسفل قاع هذا المجتمع القاسي الجائر الظالم الذي لا يبالي بنا، وعانينا الأمرين من ازدراء الآخرين واحتقارهم لنا، ولقد دفعنا ومازلنا ندفع ثمن ما لا ذنب لنا فيه غاليًا من كرامتنا، لا أريد لأولادي أن يعانوا ما عانيته من الذل والهوان والامتهان.

كان حشاد يتكلم بصدقٍ وتأثر، عند هذه النقطة وجد مبروك أنه لم يعد ثمة جدوى من استمرار الحوار، علم أنه يجب أن يواجه الأمر بنفسه دون انتظار معونة من صديقه، هل عليه أن يدير هذا الحوار داخل نفسه؟ ولكن كيف ذلك ونفسه هي التي تعاني الأمّرين؟ كيف لمريض أن يشفي نفسه؟ ربما تسببت محاولاته العشوائية في زيادة مرضه.

لم يجد إلا أن يحاول أن يلخص النقاط التي وجد من العسير على نفسه أن يقبلها وأن يحاول أن يثيرها مع من يتخيره من الطلبة أو من المدرسين.

تشجع ذات مرة عندما فتح أحد المدرسين الباب للنقاش في كافة المجالات، كان هذا المدرس يبدو أكثر المدرسين تفتحًا واعتدالا، وقف وألقى على مدرسه النقاط التي تحيره وتقض مضجعه، لاحظ أن صبر المدرس بدأ ينفد أثناء سماعه، قاطعه المدرس قبل أن يكمل:

  • اسمع يا ولد، كل هذه شبهات ملّ أسلافنا من قبلنا من تفنيدها ودحضها، ولم يتركوا مزيدًا لمستزيد!

  • هل من الممكن أن نسمع ردودهم المباركة على أية شبهة وأن نتناقش فيها؟

  • نتناقش فيها؟ لقد استكبرت في نفسك وعدوت قدرك! أتريد أن نخضع كلام أسلافنا العظام لتحليلاتك؟

  • .........لم أقصد..... ولكن......

  • وأي تناقش تتحدث عنه؟ هل أنت كفء لتناقش من هو مثلي؟ ألم يكن من حسن الأدب أن تقول مثلا: ونريد من حضرتكم أن توضحوا لنا ما غمض علينا من كلام سادتنا الأماثل؟

  • ولكن.......

  • انتهى!

أحس مبروك وكأنه تلقى صفعة هائلة ومفاجئة، ومما ضاعف من ألمه نظرات السخرية والتشفي في أعين زملائه وأصواتهم وهمهماتهم أثناء هذا الحوار القصير، أحس بألم شديد يقطّع أوصال جسده، بادر بالعودة إلى بيته وهو لا يكاد يبصر ما هو أمامه.

لبث طريح الفراش بضعة أيام، أعيى مرضه والديه البائسين، كانا يكدان ليوفرا للأسرة ما يكفيها بالكاد وهم في خوف شديد مما يمكن أن يأتيهم به غدهم، وها هو ابنهم وأملهم في حياة أفضل يشكو بلا علة ظاهرة، لم تكن أمه تملك له إلا الدموع تسكبها أمام الناس، لم تكن تملك ترف الانفراد بنفسها إلا قليلا.

عاده صديقه حشاد، نظر إليه بمودة ظاهرة، وقال: ألا ترى ماذا فعلت بنفسك وبأسرتك؟ لاذ مبروك بالصمت، أردف حشاد:

  • أفق يا صديقي، من هو مثلنا لا يملك ترف معالجة المسائل التي تثيرها.

  • ..........

  • دعك من أمر نفسك الميؤوس منها، ألا تفكر ولو قليلا في والديك وأسرتك البائسة؟

  • ..........

  • هل سأظل كثيرًا أحاور نفسي؟

  • ..........

  • لن أضيع وقتًا كثيرا معك، أنت تعلم مدى حاجتي إلى أي دقيقة من وقتي الثمين، أنصحك أن تتأسى بصديقك الهمام وأن تتخذه مثلا أعلى، هذا رغم إقراري بأنك بالفعل مثل أعلى لي ولمن هم خيرٌ مني، ها أنت ذا ترى أنني أنتقل من نجاح إلى نجاح وأحظى بإعجاب كل المدرسين!

قالها وهو يضحك، ولكن كلمته كانت من حيث لا يشعر السبب في تيقظ مشاعر التحدي في نفس مبروك، غالب آلامه وقام لتوه، ذهب إلى ما هو من المفترض أنه المطبخ.

استقبلته أمه بزغروتة فرح زادته قوة على قوته، أحسّ بمدى خطئه في حقها، وعدم تقديره الكافي لمشاعرها وجهودها.

تناول بعض الطعام القليل، ثم أخبرها بأنه سوف يخرج للتنزه، وأن عليهم ألا يقلقوا بشأنه إذا تأخر، تبددت ملامح الفرح من على وجهها، أوجست في نفسها خيفة، ولكنه أكد لها وأقسم أنه سيعود!

قالت: ألا أخبر صاحبك ليأتي معك؟ حذرها من ذلك، أسرها في نفسه، ولم يبدها لها: ألا تعلمين أن من تسمينه صاحبي هو من أسباب دائي؟

وسرعان ما انطلق وهو يكاد يعدو في الحارة الضيقة، كان يريد أن يصل إلى مكان يمكنه فيه أن يخلو تماما بنفسه حيث يمكنه أن يصرخ بكل ما يحيره، وأن يقدم على أشد الحركات جنونية وأن يفكر بأعلى صوت لديه وأن يستنطق الصمت المطبق.

كان مصمما على مواجهة نفسه ومعها شياطين الإنس والجن ليحسم أمره، لم يكن لديه أي استعداد لتحمل نظرات سخرية وشماتة أو حتى شفقة من الآخرين، قرر أنه لابد وأن ينتصر مهما كان الثمن، أوغل كثيرا في الصحراء، كان الليل قد أرخى سدوله، أما المدينة فقد أصبحت مجرد أضواء بعيدة، ما أن اطمأن إلى أنه لا يوجد إنسان ليسمعه حتى أخذ يردد بصوت مسموع قد يصل أحيانا إلى حد الصراخ:

  • إنها معركتي أنا قبل أن تكون معركة غيري

  • ولكن نتيجتها ستؤثر عليَّ وعلي أسرتي وعلى كل من أحب

  • هل سلوك حشاد هو السلوك السوي؟

  • كلا بالطبع، كلا وألف كلا!

  • هل شخصيته هي الشخصية المثلى؟

  • كلا بالطبع، كلا وألف كلا!

  • لن يكون في النهاية مهما علا شأنه إلا متكسبًا بالدين!

  • أليس المتكسب بالدين في أسفل سافلين؟

  • لقد خسر حشاد مقدما نفسه، وهو على المستوي الباطني قد خسر دينه، ولكنه لن يدرك ذلك أبدًا، وحتى إن أدركه فلن يعترف به أبدا.

  • دعنا من حشاد، على العموم هو نموذج مجسد لكل ما أكرهه ولكل ما ينبغي ألا أكونه، هذا أمر مفروغٌ منه.

  • ما هي مشكلتي بالضبط؟

  • بل ما هي مشاكلي؟

  • مشاكلي مع كل ما يمت إلى الدين بصلة!

  • لنبدأ بالأسهل

  • التاريخ الإسلامي!

  • لماذا يتعين عليَّ أن أسميه بالتاريخ الإسلامي؟ الإسلام دين، والتاريخ هو ما رواه المؤرخون عن أحوال الناس الذين خلوا من قبل، فهما أمران مختلفان تماما، كيف أضع المبادئ والمعاني والقيم في نفس المعادلة مع الوقائع والأشخاص والأحداث، أليس من الجائز أن يدخل حشاد التاريخ من بعد كإمام ديني كبير؟

  • تاريخي أنا كشخص محسوب على الإسلام شيء وحقيقة الإسلام شيء آخر، هل يمكن أن يوجد أدنى شك في ذلك؟

  • كلا بالطبع!

  • وما قلته عن نفسي ينطبق على غيري تماما إلا رسول الإسلام نفسه، فهو بأعماله وأقواله كان لابد وأن يكون التجسيد الحي للإسلام الماثل في القرءان، وإلا فمن يكون كذلك؟

  • وما النتيجة العملية؟

  • يجب أن أقرأ التاريخ بحياد تام بعيدا عن المذهبية والأهواء الشخصية!

  • بل يجب أن أستوعبه تماما كما يقول صديقي حشاد، ولكن بعد تحليله جيدا

  • كذلك يجب ألا أنظر في السيرة إلا على هديٍ من القرءان.

  • وماذا عن كتب (الأحاديث) التي يمتلئ كلٌ منها بالتناقضات في نفسه ومع غيره، بل ومع القرءان؟

  • عند هذه النقطة لزم الصمت، أخذ يلف ويدور حول نفسه، أخذ يمضي في الاتجاه الذي ينأى به عن المدينة إلى أن ضربه التعب فجثا على ركبتيه، غلبه النعاس فغاب عن وعيه.

  • لم يدرِ كم من الزمن مضى عليه في غفوته، ولكنه أفاق وقد تجددت قواه واستعاد صفاء نفسه، تذكر بسرعة سؤاله ووجد الإجابة ماثلة بوضوح شديد أمامه:

  • "إنها مثل التاريخ الذي حسمت أمره".

  • يا له من قول حاسم! ولكنه رفض هذا القول بشدة، لم يكن من السهل عليه أبدًا قبوله وهو الذي نشأ على التقديس المطلق لهذه الأسماء التي كانت تجلجل في المساجد ويرددها المشايخ بإعجاب ظاهر وخشوع شديد، إنه يتذكر جيدا كيف كان تأثير سرد السلاسل عل أسماع الناس وما تتضمنه من أسماء غريبة، كان لذلك وقع السحر على الحضور، كانت إذا تليت عليهم يخرون للأذقان سجدا ويصبحون مهيئين لسماع ما سيلقى عليهم من بعدها بكل تقديس وتبجيل.

  • لنطوح بكل ذلك جانبا!

  • ماذا؟

  • يجب دراسة الأمر من جذوره بحياد

  • إنها الآن مشكلتك أنت وليست مشكلة غيرك وإلا فستعود كما كنت ومثخنًا بالمزيد من الجراح!

  • هل كان جامعو المرويات أربابا مع الله؟

  • كلا

  • هل كانوا رسلا أو أنبياء او ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟

  • كلا

  • هل كانوا معصومين من الخطأ؟

  • كلا

  • هل ثبت أن القرءان أو الرسول بشَّر بظهورهم؟

  • كلا

  • إذًا هم أشخاص تاريخيون كغيرهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.

  • وكتبهم؟

  • ينطبق عليها ما انطبق عليهم!

  • تسلل صوت يعرفه جيدا ليقطع هذا الاسترسال، قال:

  • ولماذا لا يكون الدين كله تاريخا؟

  • ماذا تقصد؟

  • أنت استثنيت نقطة البدء ثم أعملت منطقك فيما بعد ذلك، هل هذا من المنطق؟

  • لعلك تريد أن تلقي بظلال من الشك على الدين كله!

  • ولم لا؟ ما الذي جلبه الدين عليك وعلى غيرك إلا التعاسة والشقاء؟

  • اسمع يا هذا! جرِّب أساليبك هذه مع غيري!

  • واجه أسئلتي بشجاعة، وقد عهدتك شجاعًا، إلى ماذا يستند إيمانك؟ إنك لا تؤمن إلا بما ألفيت عليه آباءك مثل غيرك!

كانت محاولات هذا الصوت عبثية، كان إيمان مبروك راسخا، إنه لا يؤمن بما ألفى عليه آباءه بل يؤمن بما ثبت عنده بأقوى البراهين والحجج والتجارب والاختبارات، البراهين الدينية ليست كالبراهين الرياضية أو الهندسية، لابد من جانب ذوقي وجداني فيها، أدرك عندها شيئا من قواه الذاتية التي كان غافلا عنها، شوح بيده فتلاشى هذا الصوت كأن لم يكن!

عدد المنشورات الفرعية : 65