الإسلام والأمة والدولة والمذاهب المعاصرة

الإسلام والديمقراطيـة 1

الجدول

بداية يجب التأكيد على أنه ليس المقصد التحليل الشامل الدقيق لمفهوم الديمقراطية بكل لوازمه وتفاصيله ولا نقد النظام الديمقراطي وحصر مزاياه وعيوبه، وإنما بيان النظام الأمثل لتصريف أمور أمة من الناس طبقا لدين الحق، وهذا يستلزم أيضا عمل مقارنات بين الديمقراطية وبين دين الحق، وحيث أن أكثر الفقرات مستقلة عن بعضها البعض ويمكن قراءتها بأي ترتيب فنرجو من القارئ أن يقرأ المقال كاملا حتى تصل إليه الفكرة الصحيحة وحتى لا يتوهم تناقضا بين الفقرات.

وكلمة الديمقراطية مشتقة من الكلمة اليونانية δημοκρατία (باللاتينية: dēmokratía) و يعنى "حكم الشعب" لنفسه، أي أن السلطة هي للناس كافة وليس لأقلية مميزة أو لفرد واحد، وهو مصطلح قد تمت صياغته من شقين δῆμος ( ديموس ) " الشعب" و κράτος ( كراتوس ) "السلطة" أو " الحكم " في القرن الخامس قبل الميلاد للدلالة على النظم السياسية الموجودة آنذاك في ولايات المدن اليونانية، وخاصة أثينا؛ والمصطلح مضاد للأرستقراطية؛ ἀριστοκρατία والتي تعنى "حكم النخبة".

وهذا المفهوم يتضمن بالضرورة التسليم بوجوب وجود سلطة دنيوية، ولم يتعرض للمصدر الذي يستمد منه هذا الشعب قيمه ومبادئه ومثله.

فالديمقراطية كشكل من أشكال الحكم هي حكم الشعب لنفسه بطريقةٍ ما، ولا تسمح بتسلط فرد أو قلة من الناس عليه، فهي تعني توسيع مفهوم توزيع السلطات من القمة إلى الأفراد المواطنين، والسيادة بالفعل في المجتمع الحر هي للشعب ومنه تنتقل إلى الحكومة وليس العكس.

ويحدث عادة خلط بين مفهوم حكم الأغلبية وبين مفهوم المجتمع الحر، والحق هو أن من الكوارث أنه يمكن أن يكون هناك حكومة منتخبة ديمقراطيًّا في غياب مجتمع ديمقراطي حر، ومن الممكن أن تكون الحكومة المنتخبة ديمقراطيا لا تمثل إلا أقلية منظمة، وهذه كارثة أخرى، وفي البلدان المتخلفة يمكن أن تكون الأقلية المنتخبة ديمقراطيا لا تعترف بالديمقراطية أساسًا، فتتخذها سلما للوصول إلى قمة السلطة ثم تقوم بنسفه.

*******

إن الديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم يشارك فيها –نظريا على الأقل- جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة -إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين- في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين المنظمة لحياتهم وعلاقاتهم فيما بينهم، وكذلك فيما بينهم ككيان واحد وبين العالم الخارجي، وهي تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من المشاركة في تقرير كل ما يهمهم ككيان واحد.

والديمقراطيّة بالمعنَى الواسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافةٍ سياسيّة وأخلاقية معيّنة تتجلى فيها مفاهيم تتعلق بضرورة تداول السلطة سلميا وبصورة دورية.

وإحدى صور الديمقراطية هي الديمقراطية المباشرة، التي يتمتع فيها كل المواطنين المؤهلين بالمشاركة المباشرة والفعالة في صنع القرار وفي تشكيل الحكومة.

فالديمقراطية المباشرة هي نظام يشارك فيه كل الشعب فعليا وبالحضور المباشر في تقرير كل ما يهمهم؛ أي يمارسون بشكل مباشر سلطة صنع القرار من دون وسطاء أو نواب ينوبون عنهم.

وهذا الشكل من أشكال الحكم نادر جدا نظرا لصعوبة جمع كل الأفراد المعنيين في مكان واحد من أجل عملية التصويت على القرارات، ولهذا فإن كل الديمقراطيات المباشرة كانت على شكل مجتمعات صغيرة نسبيًا مثل المدينة-الدولة City-state، وأشهر هذه الديمقراطيات كانت أثينا القديمة.

ولكن هذا الحق كان قاصرا على نصف او ربع سكان أثينا من الذكور فقط، وكان لا يعنيهم بالطبع إلا شؤون مدينتهم الخاصة وعلوها على سائر المدن الأخرى، وكانت السياسة الخارجية لأثينا هي التي أدت في النهاية إلى هزيمتها أمام إسبرطة ثم احتلال المقدونيين لها.

وقد كان من المستحيل تطبيق الديمقراطية المباشرة، وربما يتغير ذلك الآن بعد التقدم التكنولوجي الهائل، والحق هو أنه لم يعد من الصعب الآن تطبيق نظام التصويت المباشر، ومن الممكن تطويره وإقراره بنفقات زهيدة جدا مقارنة بالنظم النيابية أو نظم التمثيل والتي تستلزم وجود أحزاب وتمويلها.

وفي الديمقراطيات الحديثة، يظل مجموع المواطنين المؤهلين هم السلطة السيادية في صنع القرار، ولكن تمارس السلطة السياسية بشكل غير مباشر من خلال ممثلين منتخبين، وهذا ما يسمى الديمقراطية التمثيلية أو النيابية.

فالديمقراطية النيابية هي نظام سياسي يصوت فيه أفراد الشعب على اختيار أعضاء الحكومة الذين بدورهم يتخذون القرارات التي تتفق ومصالح الناخبين، وتسمى بالنيابية لأن الشعب لا يصوت على قرارات الحكومة بل ينتخب نوابا يقررون عنهم، وقد شاع هذا الشكل من الحكم الديمقراطي في العصور الحديثة.

وتعاني هذه الصورة من مشاكل تحديد النظام الانتخابي الأمثل، وكذلك التوزيع الأمثل للمقاعد النيابية أو البرلمانية.

وكذلك يمكن تقسيم الديمقراطيات إلى ليبرالية (حرة) وغير ليبرالية (غير حرة)، فالديمقراطية الليبرالية شكل من أشكال الديمقراطية تكون فيها السلطة الحاكمة خاضعة لسلطة القانون ومبدأ فصل السلطات، وضمان حقوق الإنسان والمواطنة، فهي تضمن لكل المواطنين حقوقاً لا يمكن انتهاكها.

أما الديمقراطية غير الليبرالية (غير الحرة) فهي شكل من أشكال الديمقراطية لا توجد فيها حدود تحد من سلطات النواب المنتخبين ليحكموا كيفما شاءوا، وبالطبع هي لا جدوى منها ولا تختلف كثيرا عن كافة النظم الاستبدادية.

والديمقراطية بمفهومها العام هي عملية سلمية لتداول هذه السلطة بين الافراد أو الجماعات، وهي بذلك تشكل بديلا حضاريا يغني عن الصراعات الاستئصالية أو على الأقل الإقصائية.

*******

وفي النظام الديمقراطي لابد من وجود Demosأي مجموعة تصنع القرار السياسي وفق شكل من أشكال الإجراء الجماعي، فغير الأعضاء في الـ Demosلا يشاركون، وفي المجتمعات الديمقراطية المعاصرة فالـ Demoهم البالغون من أفراد الشعب، والبالغ يعد مواطناً عضوا في نظام الحكم.

ولابد من وجود أرض يعيش عليها الـ Demosوتُطبق عليها القرارات، وفي الديمقراطيات المعاصرة فالأرض هي وطن الشعب.

ولابد من وجود تقليد معين أو إجراء خاص باتخاذ القرارات وهو قد يكون مباشرا كالاستفتاء مثلاً، أو غير مباشر كانتخاب برلمان للبلاد يضم نوابا عن الشعب في ذلك.

ولابد أن يعترف الشعب بشرعية الإجراء المذكور وبأنه سيتقبل نتائجه، فالشرعية السياسية هي استعداد الشعب لتقبل قرارات الدولة وحكومتها ومحاكمها رغم إمكانية تعارضها مع الميول والمصالح الشخصية، وهذا الشرط مهم في النظام الديمقراطي، خاصة وأن كل انتخابات فيها الرابح والخاسر، ولا يمكن عادة الوصول إلى قرار يرضي كافة الأطراف نتيجة لطبيعة الناس واختلافهم الثابت والمعلوم.

وبالطبع لابد من أن يضمن النظام عدم السماح بأي تلاعب في الإجراءات المذكورة، ويجعل من كل فرد رقيبا على الآخر لمنع ذلك وكشفه إن حدث، ولابد من تسليم الحكومة بحق البرلمان في إسقاطها إذا أخفقت في شيء من مهامها.

ومشكلة النظام الديمقراطي هي في كون كل ذلك يستلزم درجة كبيرة من رقي الشعب أو رقي النخبة المتحكمة فيه.

وفي الحقيقة فإنه في النظام الديمقراطي الليبرالي يتم الحد من سلطة الأكثرية، ذلك لأن ما يحدث هو تفويض حزب معين للحكم كل فترة معينة، وقلما يلتزم هذا الحزب ببرنامجه المعلن الذي قدمه ليفوز في الانتخابات، كما أن التطور المطرد يؤدي إلى تبديل وتغير الأحوال.

ويميل النظام الديمقراطي بحكم طبيعته إلى إنتاج قوانين تخدم طائفة معينة مما يلحق الضرر عادة بأحوال من هم على يمين أو يسار هذه الطائفة.

ولا جدوى من أي نظام يزعم أنه ديمقراطي طالما لم تكن ديمقراطيته ليبرالية، فالديمقراطية الليبرالية تجعل السلطة السياسية للحكومة مقيدة بدستور يحمى بدوره حقوق وحريات الأفراد والأقليات (وتسمى كذلك الليبرالية الدستورية)، ولهذا يضع الدستور قيودا على ممارسة إرادة الأغلبية، ويجب ملاحظة أن بعض الديمقراطيات الليبرالية لديها صلاحيات لأوقات الطوارئ تجعلها أقل ليبراليةً مؤقتا إذا ما طُبقت تلك الصلاحيات (سواء كان من قبل الحكومة او البرلمان أو عبر الاستفتاء).

والديمقراطية الاشتراكية لا تعادي بالضرورة الرأسمالية ولا تنادي بإلغائها، بل تنادي بدلاً من ذلك بتقنينها بشكل كبير. والسمات المميزة للديمقراطية الاشتراكية هي:

تنظيم الأسواق، الضمان الاجتماعي ويعرف كذلك بدولة الرفاهية، مدارس حكومية وخدمات صحية ممولة أو مملوكة من قبل الحكومة، نظام ضريبي تقدمي.

وعلاوة على ذلك فبسبب الانجذاب الأيديولوجي أو لأسباب أخرى فإن غالبية الديمقراطيين الاشتراكيين يلتقون مع أنصار حماية البيئة وأنصار تعدد الثقافات والعلمانيين في أكثر المسائل.

*******

قد يظن البعض أن موقفنا من الديمقراطية يعني عداءً مطلقًا للنظم الديمقراطية، هذا غير صحيح، والحق هو أن النظام الديمقراطي الليبرالي الاشتراكي (بالأحرى الاجتماعي أو المجتمعي) يملك أفضل منظومة قيم بين النظم التي عرفها الإنسان على مستوى الدولة، ونظم الخلافة المحسوبة ظلما على الإسلام مقارنة بالنظام الديمقراطي هي نظم همجية وحشية متخلفة شرسة معادية للإنسانية والعلم والحضارة والتقدم وحقوق الإنسان.

ولكن المقصد هو بيان أن دين الحق يقدم نظامًا يضمن للإنسان خيري الدنيا والآخرة، ويختصر الطريق بشدة نحو تحقيقي النهضة والتقدم، بينما محاولة استيراد النظام الديمقراطي الغربي لن تزيد الأمور إلا سوءا ولا الأمة إلا تدهورا.

ولا شك أن طغيان الأكثرية هو أسوأ أشكال الطغيان، فهو لا يستند إلى دين الحق ولا إلى منظومة قيم إنسانية حقيقية ولا إلى تفوق وسمو الصفوة من أولي اللباب الذين كانوا نجوم وشموس الحضارة الإنسانية والتقدم على كافة الأصعدة.

*******

إن النظام الإسلامي هو نظام لأمة، وهو يتسم لذلك بضرورة الحد إلى أقصى مدى ممكن من سلطة الدولة في سبيل تعاظم سلطة الأمة، النظام الإسلامي يجعل إدارة الأمة لأولي الأمر، وهم الصفوة المؤهلة تأهيلا رفيعا في كل ما هو معلوم وما يمكن أن يستجد من الأمور بما في ذلك العلاقات الخارجية والشؤون الداخلية بالطبع، وفي النظام الإسلامي يلتزم الجميع بمنظومة قيم واحدة وتكون الأمة عبارة عن جسد واحد متماسك يتآزر لتحقيق نفس المقاصد ولا يستهلك طاقاته وإمكاناته في الهرائيات والمظاهر الزائفة المصاحبة للنظام الديمقراطي ولا يفتعل اختلافات أو أحزاب حيث لا مجال للاختلافات أو الأحزاب.

*******

إن من شروط نجاح النظام الديمقراطي وجود درجة مقبولة من الرقي والتسامح والاشتراك في منظومة قيم واحدة، وكل ذلك يجعل القوى الخاسرة تتقبل أن يحكمها ممثلو الأكثرية الفائزة في التصويت ويجعل هذه الأكثرية تحترم حقوق القوى الخاسرة ولا تجرؤ على انتهاكها، وهذا ما لا يمكن توفره في البلدان التي تجذرت في نفوس شعوبها الأديان الإقصائية الهمجية التي حلت محل الإسلام، فهؤلاء لا يقبلون إلا بالصدر دون العالمين أو القبر! ولذلك هم لا يعيشون، بل هم أشبه بالموتى، ذلك لأنه لا يمكن أن يكون للهمج المتخلفين الصدر، ومع ذلك هم يؤمنون بوجوب استئصال كل مسلم لم يكن مثلهم، وإلزام كل الآخرين بأحكام الصغار.

*******

إن النضال من أجل دولة ديمقراطية يبدأ بالأساس بالعمل من أجل بناء أحزاب ديمقراطية، فلا يمكن بناء ديمقراطية بقوى وتنظيمات غير ديمقراطية، هذا القول يجعل الوسائل غايات في حد ذاتها.

وفي الوقت ذاته لا يمكن افتعال أحزاب ديمقراطية في بلد لا توجد فيه انقسامات أساسية جوهرية أو في بلد تكون فيه الانقسامات الأساسية لأسباب قبلية أو طائفية أو دينية أو عرقية، وتكون هذه الانقسامات سببا لعداءات واختلافات أساسية، ولكن يرغب الجميع في تجاوزها بعد أن ذاقوا وبالها، وذلك مثل الهند ولبنان مثلا.

وفعالية النظام الديمقراطي تعتمد على نوعية وطبيعة المنظومة المعنوية السائدة، وكذلك المتغيرات والظواهر الاقتصادية والاجتماعية، ومنها معدل التنمية الاقتصادية ومعدل التحضر ونسبة ومستوى التعليم السائد في المجتمع.

ومن معوقات النظام الديمقراطي الاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية الحادة والتي تصل إلى درجة العداء التاريخي العميق والتي تمنع من وجود منظومة معنية سائدة وإحساس بقيم مشتركة، ذلك لأن النظام الديمقراطي يفترض ويستلزم وحدة الشعب والوطن.

ومحاولة فرض المفهوم الغربي للديمقراطية سيؤدي لا محالة إما إلى الانقسام السلمي للبلدان وتفتيتها وإما إلى حروب أهلية طاحنة وإما إلى مجازر مروعة إذا كانت الأقليات ضعيفة، وقد حدث كل ذلك في دول المعسكر الشرقي القديمة وخاصة يوغوسلافيا، وهذا سيؤدي أيضا إلى تفاقم مشكلة اللاجئين والتهجير القصري.

ومن أهم عيوب النظام الديمقراطي السياسات قصيرة المدى، فلا تتورط الحكومات في مشروعات استراتيجية بعيدة المدى بطيئة العائد أو الربح، مع أنها تكون بالضرورة مشروعات لازمة.

وذلك يدفع بالساسة إلى اعتماد خطط وسياسات ستعود بالفائدة السريعة على الناخبين، وقد يكون تأثيرها ضارا على المدى الطويل، وبالطبع لن ينشغلوا بالخطط والسياسات ذات النفع المؤكد والتي تستلزم تضحيات مؤقتة، أو لن تحقق نفعا على المدى القصير.

والديمقراطية لها تجلياتها العشوائية، وهذا ما يظهر جليا في الإدارة السياسية للولايات المتحدة، والتي تدفع الناس أحيانا إلى إعادة انتخاب رئيس لم يحقق نجاحات ملموسة أو ثبت فشله، بينما قد لا يعطون الفرصة نفسها لرئيس ثبت نجاحه!! وفيها قد يؤدي التوازن بين طائفتين إلى جعل سلطة الترجيح بيد أقلية ضئيلة.

*******

1

1.png