الاستحسان

إنه يجب العلم بأنه ليس ثمة نص قطعي الورود والدلالة يوجب الأخذ بالقياس أو الاستحسان، والاستحسان هو في نظرهم أن يستبدل بالقياس الذي يؤدي إلى قبحٍ قياسٌ آخر خفي، وفى قولهم هذا إبطال للحجج التي ساقوها دفاعا عن القياس، فالاستحسان عدول عن القياس إذا قبح (أي إذا كان سيئَ النتيجة).

فإذا كان القياس أصلا شرعيا حقيقيا يُذكر مع القرءان الكريم ويؤدي إلى حكم ديني شرعي فكيف يقبح وكيف يعدلون عنه إلى حكم آخر؟ وإذا كان الاستحسان يعنى قياسًا خفيا أو يستند إلى ثقة بالمستحسن فإنه لا يستند إلى نص ديني قطعي يجعله أصلا تشريعيا، وإذا كان يعد رجوعًا إلى القواعد والأصول العامة للدين فمن الذي سوغ لهم العدول عنها أصلا؟ أليس في هذا القول إقرار بأن القياس قد يؤدي إلى الخروج من القواعد والأصول العامة للدين؟

وإذا كان هو مجرد إعمال لتلك الأصول فلماذا سُمِّي استحسانا وعُدَّ أصلا مستقلا؟

إنه لا يمكن اعتبار آليات كهذه أصولًا شرعية تؤدى إلى أحكام دينية، ذلك لأن تلك الأحكام هي في كل الأحوال نتائج إعمال ملكات الإنسان، وبالتالي فهي مقيدة نسبية ومحدودة بظروف العصر الذي تصدر فيه ولا يمكن إلزام قرنٍ ما باجتهادات أمة قد خلت، ولا يمكن أن يزعم أحد لهم ما لم يزعموه هم لأنفسهم وما تأباه طبائع الأمور.

وإذا كان بعض الناس قد ضربهم داء الشرك في مقتل وأرادوا تقديس آثار من سبق وإلزام العالمين بها فإن من الأولى بهم أن يعالجوا أنفسهم ومن الأولى بالناس أن يتصدوا لهم وإلا فسيخسرون جميعًا الدنيا قبل الآخرة.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458