top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 115،الأفعال الإلهية والحرية الإنسانية، طبعة ثانية، 2017، (1)

*الاستدراج

قال تعالى:

{وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ {182} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ {183}} الأعراف، {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ {44} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ {45}} القلم44.

إن الآيات تنص على أن تكذيب شيء من آيات الله الكتابية أو الكونية يجعل الإنسان عرضة للاستدراج، والحديث المذكور في آية القلم هو القرءان نفسه، فكلمة الحديث بالمعنى الاصطلاحي هي القرءان نفسه مثل الكتاب والفرقان والذكر.

ولم يذكر الله في كتابه أبدا أنه يستدرج الصالحين، فمن رأى أنه يُستدرج به فليعلم أن ذلك لخطأ في نفسه وكفر ظاهر أو خفي بشأن من شئون ربه أو آيات ربه، لذلك على كل إنسان أن يأخذ حذره من نفسه وألا يحاول أن يحِّمل ربه المسئولية عن خطئه أو عن عيوب نفسه.

وما يحيق بالمكذِّب هو النتائج الطبيعية لأعماله وفق السنن الإلهية الكونية، فالقوانين موجودة ومتحققة وسارية، وهي تربط الفعل الإنساني الاختياري الواعي بالنتائج اللازمة له كما يرتبط السبب بالنتيجة، ويعمل على إنفاذ النتائج بدقة وجد وصرامة جنود وملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فلن يفلت أحد من قبضة السنن الإلهية، ولن يجد فيها ثغرة –كما هو الحال في القوانين البشرية- يمكن له أن ينفذ من خلالها لينجو بنفسه!

واستدراج المكذِّب إلى مصيره المحتوم قد يستلزم وقتا لكون الأمر محكوما بنسق من السنن يقتضي أن يكون الإنسان حر الإرادة وأن يكون مبتلى ليتبيَّن له وللناس حقيقة نفسه، فقد يكون أحدهم معلقاً إيمانه بشروط معينة، فمن الابتلاء له أن يرى الظالم يُمدّ له ويستدرج به ويُملى له، ولو رآه قد أخذ عقابه لتوِّه لآمن لذلك فقط، إن الله تعالى لم يشأ أن ينزل عليهم آية تظل أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ

وإطلاق اسم الكيد على جماع الأفعال المترتبة على تكذيب المكذبين هو لأن نتائجها سوف تسوؤهم؛ هم وليس غيرهم، ولذلك استلزم الأمر ضرورة تحذيرهم، باستعمال مثل هذا الفعل، والله سبحانه ينسب إلى نفسه مباشرة كل الأفعال التي تتم بمقتضى سننه.

*******

1

bottom of page