قرية متميزة (مجموعة قصصية)

قرية متميزة 3

الجدول

أما القرية فظلت هاجعة طوال اليوم التالي، أخذ من تيقظوا منهم يتجاذبون أطراف الحديث مع الآخرين ويسترجعون ذكريات الليلة الماضية، نظَّم أنصار عباس لجلج مظاهرة صاخبة ظلوا يهتفون فيها بحياة عباس إلى أن ذهبت أصواتهم، توارى من كانوا أنصارا لأمين في منازلهم، لم يجرؤوا على الخروج في هذا اليوم ندمًا على موقفهم من عباس، تواصلت أفراح القرية في هذه الليلة أيضا، رغم أنهم لم يجدوا الذهب المنتظر في الليلة الماضية فلم يخطر ببالهم أنه يمكن أن يتأخر عن هذه الليلة، كيف لا وعمدتهم هو عباس الصوام القوام الملتحي...؟

في اليوم التالي صحا أهل القرية فلم يجدوا شيئا أيضا!! ولكنهم سمعوا ضجيجا وجلبة مصدرها دوار العمدة، تصوروا أن توزيع الذهب عليهم سيتمّ هناك وأن البعض منهم قد سبقوهم إليه.

هرعوا إلى الدوار، وجدوا دونه حرسا شديدا من وجوه لا عهد لهم بها، حيل بينهم وبين الدخول، حاول أكابرهم إفهام هؤلاء الحرس الغلاظ الشداد أنهم كان مسموحا لهم بالدخول في أي وقت في عهد العمدة السابق، ولكن دون جدوى.

لم يصدق الناس أنفسهم، حاول بعض المتهورين اقتحام سياج الحراس، فوجئ بنفسه يرتفع عاليا في الهواء ثم يرتطم بالأرض بقوة شجت رأسه وأسالت دمه، أخذ الجميع يتوجسون شرا، لم يعد أمامهم إلا الانتظار الذي على غير توقع منهم طال كثيرا!

فجأة جاءهم النداء من مكبر الصوت أن عليهم أن يصبروا حتى انتهاء الاجتماع الذي ستصدر عنه قرارات حاسمة لصالح القرية وأن يبتعدوا قليلا حتى يتمكن السادة من التفكير السليم.

انصاع أهل القرية لهذا الطلب المنطقي الصارم، ساد صمت شامل، حتى حميرهم كفت عن النهيق كما كفَّت الديكة عن الصياح والصراصير عن العرير، بل كفَّت كل الطيور والحيوانات والحشرات الأخرى عن إحداث أي صوت، وحدها الخرفان هي التي لم تكف عن المأمأة، أخذ الناس وباقي الدواب ينظرون إليهم في إعجاب، وفي خوفٍ أيضا.

أخذ الجميع يترقب باهتمام بالغ القرارات الحاسمة، طال صبرهم وانتظارهم، وأخيرا ظهرت بوادر انتهاء الاجتماع.

أطلّ عليهم عباس بشموخ من شرفة الدوار، وكان قد سبقه إلى الظهور الحرس الأشداء والأنصار، بعد أن بدأ بالبسملة وما يلزم من التحميد والتسبيح والتكبير أمر بأن يحتشد كل أهل القرية في الفناء أمام الدوار، كان أكثرهم محتشدين بالفعل، جاء من تبقى منهم، رغم أن كل الظواهر كانت تنذر بالشر إلا أن أهل القرية لم يكونوا يصدقون ما يرون، حاولوا طرد الوساوس عن أنفسهم، وأخذ بعضهم يطمئن البعض الآخر.

كان عباس يقف محاطًا برجاله المسلحين بالبنادق، أمر بأن يوزع أهل القرية أنفسهم على كتلتين؛ كتلة اليمين فيها من أيده، وكتلة اليسار وفيها من أيَّد أمين، علت همهمة، قال بصوته الحنون الحاسم: "لا داعي للقلق، كما أنه لا داعي للتلاعب أو التزوير، الصناديق كلها عندنا، ونحن نعرفكم فردًا فردا، ولا يخفى علينا من أمركم شيء".

وهكذا انتظم أهل القرية في كتلتين كما أمر عباس، وانتشر بينهم الحرس الغلاظ الشداد، كان المعارضون يكادون يذوبون من الرعب، بينما كان المؤيدون ينظرون بشماتة إلى المعارضين ويمنون أنفسهم بالجوائز القيمة.

كان الشيخ خسيس في قمة النشوة والزهو، كان الوحيد الذي لم تهتز ثقته بعباس، أخذ يشرئب بعنقه الطويل حتى يراه عباس، التقت عيناهما، لاحت من عباس نظرة ازدراء واحتقار لم يحاول إخفاءها بل بدا وكأنه يتعمد إظهارها، ثم أشاح بوجهه، تلقى خسيس طعنة نجلاء في كرامته، خشي من أن يكون من بجواره قد لاحظ شيئا، أخذ يهتف بصوته الأجش بحياة عباس، ردد الناس من خلفه هتافاته.

ما إن توقفوا حتى صدرت الأوامر العباسية الصارمة:

كل من هو في كتلة المعارضين يتلقى لطمة على وجهه وصفعة على قفاه، وكل من هو في كتلة المؤيدين يتلقى لطمة على وجهه وصفعة على قفاه وركلة في مؤخرته!!

أُخذ أهل القرية من هول الصدمة التي ألجمت ألسنتهم وشلت حواسهم.

لم يتحمل خسيس على خسته المعلومة وبرودته مثل هذه الإهانة الآتية من بعد إهانة، صاح بأعلى صوته: "هذا ظلم!"، تلقى من فوره رصاصة في رأسه أسكتته، لاح له وهو يحتضر طيف الشيخ عدلان وهو يرمقه بأسى.

بعد أن رأوا رأس الذئب الطائر تقبَّل أهل القرية الصفعات واللطمات والشلاليت والإهانات صاغرين، حزّ في أنفسهم أن كل ذلك حدث أمام أبنائهم ونسائهم، انخرط الكل في بكاء هستيري.

كان ثاني سلسلة من قرارات عباس استيلاء أنصاره على كل المناصب في القرية، هذا من لوازم اللجلجة التي لابد منها لإحقاق الحق وإبطال الباطل، إنه التمكين اللازم لتطبيق الشريعة، لم تُعلن هذه القرارات، وإنما كان الناس يعلمونها عند تنفيذها، كانت تعليمات عباس مشددة هي أن يتم تنفيذ كل الأوامر برفق وحنان وأدب!

أثناء انشغال كل موظف من موظفي القرية بعمله كان يفاجأ باقتحام مجموعة من الكائنات الغلاظ الشداد مكتبه، كان بالفعل اقتحامًا رقيقا مهذبا، كانوا يحملون كل موظف بأدب ورفق وحنان حتى أنه كان يظن أنهم سيكرمونه أو سيهتفون باسمه، لم يكن يفيق إلا وهم يلقونه من النافذة، كانت تعليمات عباس أن يُراعَى عند إلقاء الموظف أن يسقط مباشرة على أم رأسه حتى لا يتألم كثيرا.

كان على رأس من أُلقي بهم من شاهق شيخ الغفر الذي لعب الدور الحاسم في فوز عباس بالعمودية باستيلائه بقوة السلاح على الصناديق وتمكينهم من تزويرها، نظرا لمكانته الرفيعة ونفوذه القوي فقد تم القذف به من مئذنة المسجد.

رغم كل شيء ورغم النذر السيئة كان أكثر سكان القرية يهللون فرحا كلما سمعوا نبأ مصرع واحد من فلول النظام القديم ويشتد أملهم في أن ينشأ على انقاضه نظام يقوم بالقسط ويحكم بالعدل.

قال له أحد أتباعه: "لماذا هذه الخطوة القاسية؟"، قال له: "وكيف كان من الممكن أن تتم لجلجة القرية دون القضاء التام والحاسم على فلول العهد البائد وتولية أتباعنا المباركين في كل المراكز المؤثرة وغير المؤثرة؟".

قال له: "صدقت، ولكن لماذا لا تصدر بيانًا تشرح فيه للناس أسباب هذه الحركة المباركة؟" قال له: "الناس؟ هل تريد منا أن نقيم وزنًا لهؤلاء البلهاء الأنجاس؟ أم هل تريد أن يتعود هؤلاء السفهاء الضالون على أن ينتظروا منا تقديم تفسيرات وتبريرات لكل قرار نتخذه لننصر به ديننا ولنمكن له في الأرض؟ هل نحن مسئولون أمامهم؟ ليس أمام هؤلاء إلا الانصياع لإرادتنا طائعين أو مُكرَهين."

أخذ عباس يدير أمور القرية بطريقة لا علاقة لها بدين ولا خلق ولا إنسانية، كان كل همه إغداق المكاسب على أتباعه وأنصاره المخلصين بحجة الأسلمة واللجلجة والتمكين.

وجد أن أسهل طريقة لإدارة أمور هذه القرية المنكوبة هي الإدارة بالأزمات، كان يعالج كل أزمة قائمة باختلاق أزمة جديدة أشد منها وطأة وأعظم هولا، سعد برؤية الناس يستغيثون به ليعيد إليهم الأزمة القديمة بدون علاج منه.

أما أسلوب الإدارة بالفشل فلم يكن يقتضي منه ولا من مساعديه أية براعة، كانوا كلهم صورا مختلفة من الفشل وتجسيدًا له يمارسونه بنفس السهولة التي يتنفسون بها، يمكن أن يُطلق عليهم عوضًا عن أسمائهم الأصلية وعلى سبيل الاختصار: فشل1، فشل2، فشل3..... الخ، كانوا باختصار عالما فاشلا متعدد الأبعاد، لذلك لم يجدوا عناءً في تحقيق الفشل في أي مجال أقحموا أنفسهم فيه، أما زعيمهم فقد كان هو الفشل المتجسد، كان الفشل الذي لو لمس النجاح لفشل!

بدأت بركات حكم عباس تضرب الناس، بدأ الخراب يعصف بالقرية وينقصها من أطرافها، انهار الأمن وانتشرت الجريمة، أخذت الحرائق تلتهم منازلهم منزلا بعد منزل، أوشكت ترعة المياه أن تجف، بلغ الأمر حدًّا لا يطاق، بدأ التذمر ينتقل من حديث النفس إلى الهمس إلى الهمهمة إلى الحديث العلني إلى الصراخ.

رأى عباس لجلج أن يفعل شيئا لتدارك الأمر، جمعهم في المسجد، ارتقى المنبر، بعد التمهيدات التقليدية علا صوته فجأة:

"هل يرضيكم الحالة المتدهورة التي تردت فيها قريتنا الحبيبة؟ هل يرضيكم الكوارث التي باتت تضرب القرية بانتظام وبغير انتظام؟ هل تنتظرون إلا أن تُخسف بكم وبقريتكم الأرض، أُقسم أنه لولا البهائم المسكينة لانقطع رزقكم ولخربت تمامًا قريتكم.

لقد كان من المفترض بمجرد أن تولينا نحن السلطة هنا أن يسود السلام والوئام وأن تُحلَّ كل المشاكل من تلقاء ذاتها وأن تخرج الأرض خيراتها، ولكن هيهات أن يتحقق شيء من ذلك والقرية يسكنها أمثالكم.

ألم يأن لكم أن تكفوا عن اقتراف الآثام وافتراء الكذب والخوض في أعراض الناس؟

ألم تسمعوا عن العذاب المريع الذي ينتظر أمثالكم في جهنم؟

هل تظنون أن وظيفة وليّ أمركم أن يحل لكم مشاكلكم؟

كذبتم وخسئتم! مشاكلكم هي بسبب شرور أنفسكم وسيئات أعمالكم، وظيفة ولي الأمر أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد فعلنا، وها نحن نأمركم من جديد بالمعروف وننهاكم عن المنكر، ولكن دون جدوى يا عبيد الشهوات، يا وقود النار، يا حطب جهنم".

استمر عباس في خطبته المرعبة المزلزلة حتى بدأ الناس يبكون بصوت خفيض أخذ يتحول إلى نحيب ثم إلى صراخ، أخذ كل منهم يتذكر ماضيه الأسود الملوث باقتراف شتى ألوان الموبقات، منهم من تذكر كيف كان يغش الناس في تجارته، ومنهم من تذكر كيف كان يمارس الجنس مع كل شيء تقريبا، ومنهم من تذكر كيف كان يسرق حمير القرية ويصبغها ليبيعها في قرية مجاورة، ومنهم من تذكر أنه لا يصلي إلا ابتغاء مرضاة الناس.

أما أشدهم هلعًا ورعبا فكان شابًّا تذكر أنه نال قبلة عارضة ذات مرة من فتاة تحبه،....الخ، أخذ الدمع يفيض من أعينهم حزنًا على أنفسهم ورهبًا من سوء المصير الذي ينتظرهم، تحولت أرض المسجد إلى بحيرة من الدموع، ابتلت ملابسهم، أخذ تيار الدموع يتدفق إلى الخارج.

وصلت أصوات الرجال إلى النساء في القرية، ظنوا لتوهم أن مصابًا جللا ضرب القرية، توشحن بالسواد وعلت رناتهن وولولاتهن، هرعن على المسجد وهن يلطمن.

فوجئن بتيار الدموع الذي يتدفق من المسجد، ما إن ترامت إلى عباس أصواتهن حتى أخذ صراخه يعلو: "أسكتن يا حبائل الشيطان، أما كفاكم ما أنتم عليه من الضلال والفسق والشرك وتبرج الجاهلية الأولى؟" خرج إليهم بعض الرجال وصاحوا فيهن، فانصرفن مهرولات مولولات.

أخذ عباس يستكمل خطبته الهائلة المزلزلة، قال:

"هل تظنون أن تحركاتكم تخفى علينا؟ إننا نعلم جيدًا أن الوغد أمين لم يكف عن التآمر منذ أن رحل من هنا مجللاً بالخزي والعار، ومازالت أصابعه تلعب في القرية، لئن لم ينته هذا النذل النجس عن التآمر علينا لنفعلن به الأفاعيل".

عندها لم يتمالك أحد شبان القرية الأنقياء نفسه، طفرت من عينيه الدموع عندما تردد اسم صديقه القديم فجأة في هذا المقام، تذكر سيرته العطرة، أخذته تلك الحالة التي تنتاب الشهداء وتدفعهم إلى اتخاذ مواقفهم البطولية دون حساب لأي أمر دنيوي، لم يتحمل مثل هذا الاتهام الكاذب الفاجر الجائر، وقف ليصرخ في عباس بصوت قوي مزلزل: "إنما الوغد الكذَّاب والنذل الحقير هو أنت، إنك أنت وكل عائلتك لا تساوي النعل الممزق الذي كان يستعمله أمين".

لم يكد ينهي كلمته إلا ورأى وحشا بشريا يطأ أعناق الناس ويتجه نحوه، استجمع الشاب كل ما لديه من قوة استمدها من سطوة الحق الذي يعرفه والذي أنطقه، استقبل الوحش البشري بلكمة هائلة قذفت به بعيدا، أدرك عباس خطورة الموقف، أومأ إلى أحد معاونيه بإشارة معينة.

فوجئ الشاب بانقضاضهم عليه من كافة الاتجاهات، لم تُجْدِ مقاومته نفعا، لم يحرك أحد من أهل القرية ساكنًا لإنقاذه، حمله الوحوش إلى الخارج، ولم تمض دقائق حتى سمع الناس صرخة ألم مدوية، أيقنوا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة، لاذوا جميعا بصمت مخزٍ.

لم يبخل عباس لجلج يومًا على أهل القرية بمواعظه الثمينة ولم يحرمهم شرف الصلاة بهم، ولا إلقاء الخطب الدينية عليهم، ولكنه كان يرى أن ذلك يأخذه بعض الشيء من أهله وعشيرته، كان يحس بالتقصير الشديد في أداء واجباته نحوهم، لم يكن يرى في تمكينهم من كل الوظائف الهامة وغير الهامة في القرية تعويضًا عن ذلك لهم، بل كان يرى في ذلك تفضلا منهم على أهل القرية.

لم يجد إلا أن يؤثرهم كل يوم بتناول الغذاء والعشاء معه، كانت الموائد تُمدّ كل يوم في مقر العمودية حافلة بما لذّ وطاب من كافة الأطعمة الدسمة، رغم أنهم لم يكونوا فقراء ولا معوزين إلا أنهم كانوا ينقضون على ما هو أمامهم من الأطعمة انقضاض اللبؤات على فرائسها ولا يتركون أطباق الأطعمة إلا قاعًا صفصفا، أما ضباعهم فكانوا يتولون أمر التعامل مع العظام القوية، وأما الفقراء الذين كانوا يعيشون على فتات ولائم العمدة السابق فقد عزَّ عليهم الفتات حتى هلك بعضهم جوعا.

1

1.png