العِبَر من قصة بني إسرائيل

إن قصة بنى إسرائيل هي أكثر القصص ورودا في القرءان الكريم، ذلك لأنها حافلة بالآيات والعبر اللازمة لكل الأمم؛ فبنو إسرائيل لديهم كتاب ذو أصل سماوي يسوسهم ويرجعون إليه، وكذلك تشريع مستمد منه يحتكمون إليه، فهم بذلك يدعون أنهم الأمة الفائقة والشعب المختار.

أما في الحقيقة فهم أمة أراد الله تعالى أن يمن عليها فأنقذها وخلصها من العذاب المهين، وفضلها على العالمين برسالته، واستخلفها في الأرض وجعلهم أئمة وجعلهم الوارثين، وذلك بعد أن كانوا شرذمة قليلين، ولذا فقصتهم تبين:

1. كيف تصعد أمة من الحضيض إلى الذروة ثم تتهاوي.

2. أهمية المنظومة الأمرية فلقد تفوق آل فرعون على بنى إسرائيل في كل أسباب القوة المادية بل وفى استعمال القوى الغامضة أيضا المتعلقة بالكيان اللطيف للإنسان، ولكن تفوق بنو إسرائيل في المنظومة الأمرية لإيمانهم بالإله الواحد فانتصروا وهلك عدوهم.

3. كيف يمكن أن يتحول الإنسان من عابد للأصنام إلى عابد للرحمن، ثم كيف يستدرجه الشيطان إلى الضلال المبين حتى يحوله إلى شيطان آخر رجيم.

4. إن سنة التطور تقتضي أن يكون لكل لشريعة أجلها المعلوم، والذي بعد انتهائه تظهر وتسود شريعة أخرى أعظم إحاطة ومواءمة لمتطلبات العصر، قال تعالي: 

{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(106)} (البقرة)، 

وذلك ردًّا علي بني إسرائيل الذين استبعدوا أن ينسخ ما لديهم وأن يستبدل بهم غيرهم، ولذا فإنه يتحتم على معتنقي الشرائع والمذاهب الخالية أن يقروا بسنة التطور، وأن يتبعوا الشريعة الجديدة وأن يتخلوا عن الشرائع المنسوخة وإلا فإن أئمتهم يصبحون آلات بأيدي أعوان إبليس من شياطين الجن، وشيئا فشيئا يصبحون هم شياطين الإنس والدعاة الى ابواب جهنم، ولقد أخذ الله ميثاق كل النبيين علي أن يؤمنوا بالرسول إذا ما جاءهم ولينصرنَّه فأولي بذلك من ادعي اتِّباع بعض هؤلاء النبيين، ولقد اقتضي ذلك أن يكون الدين الخاتم مصاغًا بحيث يكون له عطاء دائم متجدد في كل عصر، كما اقتضت سنة التطور ألا يقدِّم رجال عصر سابق الحلول لمشاكل عصر لاحق، وهذا لا يقدح في مراتب السلف الصالح، ولذا فعبادة الأسلاف لن تجلب علي العابدين في الدنيا والآخرة إلا الخسران المبين، وستعرض هؤلاء الأسلاف للمساءلة من رب العالمين أمام البشر أجمعين توبيخاً لمن اتبعهم بغير برهان مبين.

5. أن الاصطفاء أو التفضيل على العالمين ليس تفضيلا مطلقا بل إن له اسبابه الحقيقية الموضوعية وليس فيه محاباة أو محسوبية، ولذا فإنه ينتفي بانتفاء أسبابه، بل وربما استبدل به الغضب والمقت واللعن والعقاب.

6. إن الله يعاملهم إلى قيام الساعة بنفس النهج والأسلوب ويحملهم تبعة جرائم أسلافهم مع أنه قرر بكل وضوح أنه لا تزر وازرة وزر أخري، ذلك لأنهم طالما بقوا فسيظلون يصاغون طبقًا لنفس المنظومة الشيطانية التي أنجبت أسلافهم إذ لا سبيل إلي إصلاح موروثاتهم وتراثهم.

7. إن الصراع بين بني إسرائيل وبين الأمة المؤمنة سيستمر إلي قبيل الساعة، لذلك كان لا بد من برمجة تلك الأمة علي معرفة أساليبهم والحذر منهم، ويجب القول بأن الأمة الآن تدفع ثمن عصيان أسلافهم لأوامر ربهم بهذا الخصوص، فبدلا من الحذر منهم فإنهم ذهبوا ليتتلمذوا علي أيديهم وأعطوهم الفرصة ليدسوا في التراث ما يشاءون، وتركوا لهم الحبل علي الغارب ليتآمروا علي الأمة التي آوتهم واحتضنتهم ووفرت لهم الملاذ الآمن، كذلك فإن الله سبحانه أراد أن يحذر تلك الأمة وينذرها بما حدث لبنى إسرائيل، فكل ما ارتكبه بنو إسرائيل من أفعال وضلالات جلبت عليهم غضب ربهم هي نتيجة أمراض يمكن أن تصاب بها الأمم الأخرى.

ولقد أصيبت الإمة الإسلامية بما أصيب به بنو إسرائيل من قبل كما تنبأ الرسول الاعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فما من قول أو خطأ أو مذهب أو ضلالة أو معصية صدرت عن بنى إسرائيل إلا وصدر مثلها من أبناء تلك الأمة؛ فكان منهم المشبهة والمجسمة والحَرْفيون والكهنة المضلون وعشاق الإصر والأغلال ومحترفو التحليل والتحريم، وكان منهم الجفاة غلاظ القلوب.

وكان منهم الكلاب والحمير والقردة والخنازير وعبدة الطاغوت والمتحايلون على الشريعة والمتأكلون بالدين ومن يحرفون الكلم عن مواضعه ومن يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، وكان منهم من يحاول أن يخادع الله ورسوله ومن يأمر الناس بالبر وينسي نفسه، وكان منهم ذوو النزعة البقرية، وكان منهم من ظن أنه لن تمسه النار إلا أياما معدودة مهما فعل.

ولقد كان منهم المغضوب عليهم، وهؤلاء تجاوزوا بني إسرائيل إذ لم يكتفوا بتشبيه ربهم بخلقه وبمحاولة إنزاله إلى مستوى إدراكهم المحدود بل كفروا وزندقوا كل من أراد أن يخرجهم من ظلمات أنفسهم.

وقد جهلوا للرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَقدره، وما حاولوا أن يعرفوه حق معرفته، ولا أن يقروا له بحقه رغم تمسكهم الشديد بالأمور الشكلية المنسوبة إليه، بل إن منهم من آذاه فنسبوا إليه ما لا يليق به، وأولئك توهموا أن الإسلام هو حكر عليهم لا يدعون الخلق إليه وإنما يتطاولون على الناس به، وهم يعطون لأنفسهم حق سفك دمائهم وسبى نسائهم دون بذل أدنى جهد لدعوتهم إلى الإسلام، لقد أراد الله تعالي أن يعظ تلك الأمة بغيرها وأن ينذرها بما تعرفه من أحوال أمة حملت رسالة واستخلفت في الارض من قبلها ومازالت باقية إلى الآن تحمل رسالة الشيطان بعد أن كانت تحمل رسالة الرحمن.

ولقد حذر الله سبحانه تلك الأمة من مصير بني إسرائيل في مطلع سورة الإسراء فلم يبالوا بالنذر، ولقد تمرد بنو إسرائيل علي أوامر ربهم فسلط عليهم المصريين بقيادة شيشنق فهاجموهم من الغرب؛ وجاسوا خلال الديار ولم يلقوا مقاومة تذكر، واستولوا علي كنوز المعبد، ولما عاد بنو إسرائيل إلي كفرهم وعتوهم سلط عليهم الأشوريين فقضوا على مملكة إسرائيل في الشمال، ثم البابليين فهاجموهم من الشرق، وقضوا على مملكة يهوذا ودمروا الهيكل، وأمعنوا فيهم قتلا وأسرا، ولما أعادهم الفرس إلى فلسطين سرعان ما عادوا إلي كفرهم وضلالهم، فجاءهم الرومان من الغرب فمزقوهم وشتتوهم.

وهذا هو ما حدث مع تلك الأمة، إذ لما وصلوا إلي حالة ميئوس منها هاجمهم الصليبيون من الغرب فجاسوا خلال الديار ودخلوا المسجد الأقصى، ولما لم تبال السلطنة العباسية ولا مسلمو الجناح الشرقي بما حدث للمسلمين واستمروا في عتوهم عن أوامر ربهم سلط عليهم التتار والمغول فمزقوا بلادهم تمزيقا، ورغم كل ذلك لم يستيقظ إلا بعض المسلمين وبالقدر الذي بالكاد يمكن أن يبقى به الإسلام، ولكن استمر التدهور العام في كل مكان، ولذا جاء الصليبيون في القرن الماضي ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وبمساعدة الأعراب في هذه المرة، ثم عاد إليه بنو إسرائيل لفيفا.

أما على المستوي الفردي فإن ما عوقب به بنو اسرائيل ظاهرا في الدنيا سيعاقب به من حذا حذوهم وتأسى بهم باطنا في الدنيا وظاهرا في الآخرة ، فكما مُسخ المقلدون السلبيون منهم قردة لإصرارهم على إتباع أحبارهم في باطلهم وزيفهم وعدم نهيهم بعضهم بعضا عن المنكر وتماديهم في العصيان والعدوان وعتوهم عما نهوا عنه، كذلك مسخ المقلدون من تلك الأمة من عبدة الأئمة والأسلاف على المستوى الباطني فأصبحوا يقلدون دون إدراك مغزى أو حكمة ما يقلدون، وإنما يحركهم الشعور بالضعة والنقص تجاه من يقلدونهم بحجة أنهم يحبونهم ويعظمون قدرهم، وكذلك تحركهم الرغبة في إلقاء أعباء الأمانة التي فضلوا بسببها عن كاهلهم وكذلك الجبن عن تحمل مسؤولية الأفعال أو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلا في الأمور الهينة الشكلية.

كذلك مُسخ من قصروا في التحلي بمكارم الأخلاق خنازير في بواطنهم فلم يعودوا يحفلون بالشرف أو بالقيم الرفيعة.

وكان منهم من عبد الطاغوت بأن اتخذه ربا من دون الله لا يكل ولا يمل من التسبيح بحمده، وهناك من نسبوا إلي ربهم صفات خلقه فشبهوه بسلاطينهم وجسموه فأولئك هم المغضوب عليهم ويعرفون بالغلظة والجفوة والجلافة والقسوة وشدة الاهتمام بكل ما هو شكلي وحَرْفي وإهمال كل ما هو جوهري ومعنوي وازدراء المشاعر النبيلة.

وهناك الضالون ممن زعموا لبشر مثلهم صفات ربهم بل اتخذوهم أربابا من دونه يخشونهم أشد من خشيتهم ربهم.

ولكل هؤلاء يجب القول بأنه لا يمكن التقرب إلى الله بما يخالف أوامره ومقاصده التي أعلنها في نصوص قرءانية محكمة.

إنه يجب القول بأن ذلك الجانب من الأخلاق والقيم المتعلق بالأمة أو الذي يمسها بطريقة مباشرة مثل واجبات الفرد نحوها هو منهار تماما لدى المسلمين مقارنة بغيرهم وهذا ما جعل من تلك الأمة بيئة حاضنة للآفات المريرة التي تودى بأعتى الأمم مثل المحسوبية والفساد والطغيان والاستبداد والانحطاط وأكل أموال الناس بالباطل والاستئثار بالمال وكنزه والتحايل على القوانين وازدرائها والتعالي عليها بل والتباهي بذلك وعدم إتقان العمل وأداء الحد الأدنى المطلوب منه بل وتركه تماما إن أمكن ذلك والرضا بالذل والهوان والمهانة والاستعباد وبخس الناس أشياءهم والتطفيف وتضييع الأمانة وتوسيد الأمر إلى غير أهله والشح والإفساد في الأرض والتخريب والظلم والجور ومنع الماعون والخضوع التام للكهنوت وتقليد الأقدمين وعبادة الأسلاف وعبادة المقابر والإيمان بالدجالين والمشعبذين واتخاذ شتى الأرباب من دون الله وكافة ألوان الشرك والنفاق والتملق والفسق وانعدام الشعور بالمسؤولية نحو الجماعة بل وازدراء تلك الجماعة والتبجح بأكل حقوقها والتكبر عليها مع التذلل التام لكل معتد عليها والفخر بالجهل والتباهي بالصفات البهيمية والإيمان بالجبرية.

إن ما يعاني منه المسلمون الآن ليس وليد هذا العصر، وإنما هو حصيلة تراكم آثار كل وقائع تاريخهم، وبالتالي فإن إصلاح منظومة القيم هو الأمر الأصعب، ولكنه أيضا الأهم والأوجب إذ كيف السبيل إلى الانفكاك من إرث تراكم عبر القرون أم كيف يمكن علاج معلول يقدس أسباب مرضه، ويمكن أعداءه من نفسه.

*******