ملخص سريع لتاريخ القرن الأول من الأمة

أرسل الله تعالى سيدنا محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، فكان رسولا نبيًّا وخاتم النبيين، وجاء إلى الناس بالرسالة التي بها َتَمَّتْ كَلِمَةُ الله صِدْقًا وَعَدْلًا، وبها اكتمل الدين للناس أجمعين.

ذكَر الله تعالى كل مهام رسوله في القرءان، ومنها المهام المذكورة في البند الأول، ونفى عنه أن يكون جبارا أو مصيطرا أو حفيظا أو وكيلا على الناس؛ أي نفى عنه كل مهام الملك أو الرئيس أو الإمبراطور، وذلك أمرٌ طبيعي، فالرسول لم يؤسس دولة، وإنما أعدَّ أمة من مهامها الرئيسة حمل الرسالة للعالمين.

كان الرسول وليَّ أمر هذه الأمة، والفرق هائل بين ولاية أمر أمة وبين رئاسة دولة.

من المعلوم أن أكثر العرب والأعراب لم يسلموا إلا من بعد الفتح، ولم يهاجروا، ولم يتلقوا أي علم أو تزكية على يدي الرسول، وقد نصّ القرءان على أن الأعراب أسلموا (انقادوا وأذعنوا) ولم يؤمنوا، وأن أكثر قوم الرسول قد حقَّ القول على أكثرهم فلم يؤمنوا، وأنه كان من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون غير معلومين حتى للرسول نفسه.

من مهام الرسول العظمى والباقية أنه شهيد على الأمة، كان شهيدا على قومه ما دام فيهم بالإضافة إلى مهامه الأخرى، أما من بعد انتقاله فأصبحت الشهادة على قومه وأمته مهمته الرئيسة.

والشهادة العظمى التي قدمها عن قومه هي أنهم اتَّخَذُوا هَذَا الْقرءان مَهْجُورًا.

الرسول كان يتحرك في إطار الأوامر القرءانية، وطالما لم يكن من مهام الرسول تأسيس دولة يورثها لمن يشاء من بعده، فهو لم يعين أحدًا رئيسًا لهذه الدولة.

ولكن باعتباره ولي أمر الأمة، وبالنظر إلى كل ما سبق كان عليه أن يعين من بعده وليًّا لأمر الأمة، وذلك ليستكمل مهام تعليم وتزكية الأفواج الهائلة التي أسلمت، ولم تتعلم أو تتزكى على أيدي الرسول، وكان من الطبيعي أن يعين لذلك سابق الأمة وهارونها الذي رباه في بيته، والذي نجح نجاحًا تاما في كل المهام التي نيطت به حين فشل وتخاذل غيره.

أعلن الرسول على رؤوس الأشهاد أن الإمام عليا هو ولي أمر الأمة، وأنه سيتولى من بعده استكمال مهامه من تعليم وتزكية وتصريف الأمور، وأوصى باتباع عترته، وشدد في الوصية، كما أعلن أنه لو تولى أمر الأمة عدد معين من الأئمة الدينيين فسينصلح حالها وستظل بخير، وكانت هذه أمنيته.

كان الرسول يعلم موقف القرشيين من الإمام علي وكراهيتهم العميقة له بصفة خاصة، ولبني هاشم بصفة عامة، خاصة وأنه أثخن في القرشيين، وكان يعلم أن النزعات القبلية الطاغية ستعود للسيطرة عليهم والتمكن منهم، ولكن لم يكن في سلطاته ومهامه أن يقهرهم أو يقمعهم، لقد أدى كل مهامه، وأشهدهم على ذلك، وشهدوا، وكان عليهم أن يتحملوا مسؤوليات أنفسهم.

ومع ذلك كان له أن يتخذ من الإجراءات ما يمكن أن يضمن تحقيق أمنيته، وهمَّ أن يكتب لهم كتابًا بما أوصى به توثيقًا له، ولكنهم أدركوا الأمر، فرفعوا أصواتهم فوق صوته في مرض موته، وتمردوا، فطُرِدوا.

ومن الإجراءات التي اتخذها الرسول تعيين الفتى أسامة بن زيد ذي الثمانية عشر ربيعا قائدًا على جيش مكلف بالذهاب لمحاربة الروم في الشام، وكان في الجيش شيخا قريش أبو بكر وعمر كجنديين مرؤوسين لهذا الفتى في إشارة ذات أهمية فائقة، ولكن لعلم القرشيين بحقيقة الأمر بدأوا في التمرد والتسلل من معسكر الجيش والعودة إلى المدينة ليكونوا على مقربة من موقع الحدث.

أدرك الرسول أن الشيطان ألقى في أمنيته كما حدث مع من جاء قبله من الرسل والأنبياء المرسلين، وأن القضاء سبق، وذلك كما جاء تمامًا في الآية: 

{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون} [الأنعام:65]،

 وكان الرسول عندما استعاذ ربه مما ورد فيها من ألوان العذاب أجيب في أول اثنين، وقيل له إن القضاء قد سبق في الأخيرة، وليس في ذلك أي ظلمٍ أو جبر، فهذا ما اختاروه لأنفسهم، وهكذا اختاروا الطريق المفضي إلى تفريق الدين والتمزق شيعًا، ولذلك أعلن عليهم أن الفتن ستنزل عليهم وتضربهم.

كان سادة قريش الجدد براجماتيين عمليين، لم يعولوا كثيرا على القيم والمثاليات، ولم يقيدوا أنفسهم بشيءٍ منها، دبروا الأمر وأحكموا التدبير، واستغلوا كل ما يمكن أن يكون في صالحهم، واستعانوا بالأعراب المحيطين بالمدينة للسيطرة على الأمور، كما أجادوا استغلال الخلافات بين قبيلتي الأنصار لتفريق صفوفهم والسيطرة عليهم، ولم يشغلوا أنفسهم كثيرًا بوجوب أداء أي واجب تجاه جثمان الرسول الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، بل أجادوا استغلال انشغال ذوي قرباه بذلك.

عندما تمت (الفلتة)، وبويع أبو بكر للقيام بالأمر (لم يكن لفظ خليفة مستعملا في ذلك الوقت) كان عليهم أن يستمروا في الطريق الذي اختاروه لأنفسهم، فوجدوا أنه لابد من إلزام كل من لم يبايع أبا بكر بأن يبايعه حتى وإن استدعى الأمر استعمال القوة، وهكذا صادروا أملاك السيدة فاطمة، وحاصروا بيتها، ليكون ذلك أول الفتن الكبرى، وسرعان ما انخرطوا في حروب وحشية دموية ضد من لم يعتبروا أنفسهم ملزمين ببيعة أبي بكر.

وجد أبو بكر أنه قد تورط أو وُرِّط فيما لا قبل له به، فحاول التراجع، واحتدم في نفسه الصراع النفسي المضني والمؤلم الذي تسبب في القضاء عليه.

أدرك أبو بكر أن من الخطر أن يترك كل الحشود المدججة بالسلاح، والتي تؤمن بوجوب الأخذ بالثأر، والتي أصبحت مولعة بالمعارك الكبيرة، في الجزيرة العربية، كانوا سيأكل بعضهم بعضا، ولذلك أطلقهم على الأمم المجاورة، وكان أكثرهم لا يكادون يعلمون أي شيء عن الإسلام، وباعتباره شيخًا للحزب القرشي وذا نظرة استراتيجية بعيدة المدى فقد آثر القرشيين بقيادة هذه الجيوش، وخاصة فتاه الأثير خالد بن الوليد، ولم ينس بالطبع العائلة الأموية السفيانية، فعين يزيد بن أبي سفيان قائدًا لأحد الجيوش المتجهة إلى الشام ليبدأ بذلك التمكين للأمويين في الأرض.

كان هدف (الفتوحات) الأكبر نهب أكبر قدر من أموال الشعوب وسبي أكبر قدر من نسائهم واستيطان بلادهم للتنعم بخيراتها دون أي عمل سوى الحكم والتسلط.

تدفقت على الحجاز ثروات أغنى شعوب الأرض وأكثرها تقدما، لم يستطع العرب والأعراب إدراك قيمة هذه الثروة، لم يحاولوا استعمالها بطريقة حضارية، لم يستعملوها لشقّ طرق جديدة أو لتحصين مدن الحجاز الرئيسة أو لاستحداث وسائل للإنتاج .... الخ، ظلت الأحوال هناك كما كانت عليه، ظلت مدن الحجاز فريسة سهلة لأي جيش صغير محترف، لذلك سيتمكن الأمويون والعباسيون من بعد من سحق أي ثورة تحدث ضدهم هناك.

أما على الصعيد الاقتصادي فقد اختفت رحلتا الشتاء والصيف، واختفى النشاط التجاري الذي كان مزدهرا في منطقة الشرق الأوسط، واستعمل الولاة الأعراب شتى الأساليب لنهب ثروات وأقوات الشعوب.

كانت الأموال المنهوبة من شعوب المنطقة توزع على الجيوش الغازية، وما يتبقى يُرسل إلى المدينة، استحدث عمر بن الخطاب سياسة تراتبية لتوزيع هذه الأموال، وهكذا تكدست ثروات طائلة لدى القرشيين بصفة خاصة، ونشأت طبقة من ذوي الثروات الأسطورية، لها مصالحها الخاصة، فأصبحت بالضرورة معادية لدين الحق!

كما نشأ في الشام مركز خطير للكيد لدين الحق والعمل على تقويضه وإطفاء نوره، وذلك بقيادة معاوية وحلفائه النصارى من بني كلب وجهاز الدولة البيزنطية العميق في الشام برئاسة سرجون الرومي وابنه (القديس) يوحنا وأحبار اليهود، وغضَّ عمر ابن الخطاب الطرف عن كل ذلك، فقد كان معاوية فتاه المدلل.

بسبب ما أتيح له من وسائل وإمكانات لم تُتَح لغيره أدرك معاوية أن نظام الخلفاء البدائي لن يصمد طويلا، وأخذ يعدّ العدة ليرث الأرض ومن عليها، أتاح له حكم عثمان الأموي الطويل كل المجال لإحكام خططه.

كان من أهم ما تعلمه معاوية أن يصادر أموال الناس لحسابه وأن يستغلها لتحقيق مآربه وأن يؤسس جيشا محترفًا يدين له بالولاء المطلق

كان أتباع دين الحق القدامى الذين صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا يدركون خطورة الانحراف الذي أخذ يتفاقم بشدة.

كذلك نشأت في مقابل أثرياء وقادة قريش طبقاتٌ من المهمشين والناقمين والطوباويين والمثاليين والحالمين بالعدالة والمثل العليا والمتشددين الدينيين والفوضيين والمغامرين، وجد هؤلاء قادتهم الطبيعيين فيمن بقي من السابقين الأولين، وعلى رأسهم الإمام علي.

وهكذا أصبحت كل الظروف مهيأة للثورة، وأصبح الصدام حتميا، ولكن أصبحت نتيجته بسبب طبيعة كلٍّ من الطرفين محسومة!

*******

الوقائع التاريخية وقعت وحدثت وتحققت، فهي لا تُخترع، وقد سجلها المؤرخون، والاطلاع على ما جاء بخصوصها متاح لكل باحث، ولا ينفرد بها أي مذهب، وهناك مذاهب قائمة على التاريخ، وهذا من علامات بطلانها.

وبالنسبة لوقائع العصر الإسلامي الأول فقد روى كل تفاصيلها المؤرخون والكتاب المصريون المحدثون في القرن العشرين، وكانوا محايدين أكثر من غيرهم

*******

أما أكابر الحزب القرشي فقد شغلهم بغض وشنآن الإمام علي وبني هاشم والحقد عليهم عن الخطر الداهم المتربص في الشام، وهكذا جعل هؤلاء الأكابر من أنفسهم مجرد أدوات لمعاوية لتحقيق رغباته.

فمنهم من قُتِل، ومنهم من عاش ليتعذب بالندم والغيظ!

*******