نظرات في التاريخ العام

مشكلة المجتهدين الجدد مع مكة

الجدول

مشكلة المجتهدين الجدد مع مكة


يحاول الكثير من المجتهدين الجدد متابعة بعض الغربيين في تشكيكهم في أن مكة المعروفة كانت هي مكان البعثة المحمدية، والمقصودة بأم القرى، وقد انطلقوا بناءً على ذلك يبحثون للقرى عن أم أُخرى!!! ويقدمون بدائل عديدة، وساعدهم على ذلك جهل الناس في كل مكان في همجستان، وجهلهم هم أنفسهم بحقائق التاريخ الثابتة، وقد تصادف أن كل أم قرى اقترحها أحدهم كانت هي بلده! فإذا ما حاول أحد تفنيد كلامهم صرخوا فيه قائلين: "التاريخ يُزور أمام أعيننا، فكيف نثق بالتاريخ المكتوب؟ نباح، نهيق، ترلم لم لم، ترلم لم لم".

بكل بساطة، كل الأماكن التي قدموها كبدائل لمكة كانت خاضعة إما للفرس وإما للروم، هل كان يمكن أن تقع كل هذه الوقائع التي حدثت في العصر النبوي على مدى 23 سنة دون أن يتدخل هؤلاء؟

ومن المعلوم أن كل المدن التي اقترحوها كبدائل كانت مسرحا لحروب طاحنة وأحداث هائلة مواكبة للعصر النبوي، إذ كانت مسرحًا للحرب البيزنطية الساسانية (الفارسية) والتي استمرت من سنة 602 م إلى سنة 628 م، والتي شهدت تقلبات هائلة، إذ بدأت بسلسلة من الانتصارات الفارسية الخاطفة، وفي عام 613 وصلت جيوش الفرس إلى دمشق، وانتصروا في عدة معارك على الروم، منها معركة حاسمة في سهل حوران بين مدينتي بصرى وأذرعات (درعا اليوم)، وأخرى عند البحر الميت، هذا العام يعادل العام الثالث من البعثة، فكيف تكون بصرى هذه هي مكان البعثة وأم القرى؟!

ثم في العام التالي 614 زحف الفرس بقيادة شهربراز إلى إيلياء (اسم أورشليم في ذلك الوقت)، حيث حاصروها حوالي 20 يوما، ثم دخلوها عنوة وجعلوها نهبا للحرائق، وقتل اليهود (حلفاء الفرس التقليديون) عددا كبيرا من النصارى يقدره بعض المؤرخين بـ57 ألف، ودمر الفرس كنيسة القيامة واستولوا على ما يُسمَّى بالصليب المقدس (الذي يعتقد المسيحيون أن إلههم صلب عليه)، ونقلوه الى عاصمتهم المدائن، وكان لسقوط إيليا (أورشليم) في أيدي الفرس صدمة كبيرة بين المسيحيين، فقد كانت هذه كانت أول مرة تقع فيها هذه المدينة المقدسة بأيدٍ غير مسيحية.

فكيف تكون هذه المدينة مسرحًا للتاريخ الإسلامي المبكر؟

ثم تقدم الجيش الفارسي إلى مصر، فسقطت الإسكندرية في أيديهم سنة 619، وترتب على ذلك انقطاع القمح عن القسطنطينية وازدياد سوء الأحوال الاقتصادية.

ولكن تلا ذلك تطورات أشبه بالمعجزات في بلاد الروم، وتمكنوا من قلب هزائمهم إلى انتصارات، توجت بنصر حاسم سنة 628، هذه السنة هي عام صلح الحديبية الذي تلاه إرسال رسالة إلى كسرى الثاني ملك الفرس تدعوه إلى الإسلام فمزقها، فدعا الرسول عليه فقتله ابنه شيرويه وحل محله.

مشى هرقل حافيا إلى إيلياء القدس حاملا ما يسمى بالصليب المقدس عام 630 واقترف مجزرة هائلة ضد اليهود بسبب انحيازهم للفرس وغدرهم بالمسيحيين أثناء الحرب، فكيف لم يرَ هرقل المسلمين في القدس أو في بصرى؟!

ومن المعلوم أنه في سنة 629 حدثت معركة مؤتة بين المسلمين وبين ملك بصرى الحقيقية، وليست بصرى المعششة في خيال المجتهدين الجدد، كان هذا الملك، وهو شرحبيل بن عمرو الغساني، والي البلقاء الواقعة تحت الحماية الرومانية؛ قد قتل الحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله الرسول ليدعو هذا الملك إلى الإسلام، فأوثقه رباطا وقدمه فضرب عنقه، وهو عمل همجي وقح لم يقدم على مثله حاكم مصر ولا إمبراطور الروم ولا إمبراطور فارس!! وكان عملا كهذا يعني إعلان الحرب.

فكيف تكون بصرى هي أم القرى، وقد كان هذا حالها؟

ومن المعلوم أن جحافل الروم الذين كانوا يتوافدون للاحتفال بالانتصار على الفرس قد انحازوا إلى عميلهم العربي ضد الجيش الإسلامي مما اضطر هذا الجيش إلى الانسحاب بعد استشهاد قادته الثلاثة، وقد ترتب على ذلك غزوة تبوك، ثم سلسلة الحروب مع الروم البيزنطيين، والتي انتهت بطردهم من الشام ومصر والشمال الأفريقي.

*****

1

1.png