وزن الأمر الديني

الأمور الدينية تتفاوت من حيث الأهمية والثقل، والميزان القرءاني هو الذي يمكن به معرفة وزن الأمر الديني، ولذلك يجب العلم بما يلي:

قد يرد الأمر مقترنا بأمر آخر تواتر أنه ركن ديني مثل الأمر بإقامة الصلاة والأمر بإيتاء الزكاة، فهذا يبين الوزن الكبير للأمر، وربما يكون هذا الأمر ركنا أصليا أو فرعيا من أركان الدين.

قد يرد الأمر متقدما على ركن ديني مشهور.

قد يرد الأمر مرتبطا بأمر آخر تواتر أنه ركن ديني، ومن مظاهر الارتباط أن يُجعل أحدهما مترتبا على الآخر أو أن يُذكر أحدهما كمقصد للآخر.

قد يرد الأمر معبرًا عنه كعمل طائفة من الذين أنعم الله عليهم أو أثني عليهم أو بشرهم بالجنة أو أعلن رضاه عنهم أو أعلن حبه لهم أو ذكرهم بسمات حسنة مثل الإيمان أو الإسلام أو الفلاح أو التقوى أو الصلاح أو الإحسان أو الإخبات.

قد يرد الأمر معبرا عنه كلازم من لوازم أو تفاصيل صفة حسنة مثل البرّ مثلا.

قد يكون الأمر مضادا لما أعلن الله تعالى غضبه على فاعله (أو المتصف به) أو لعنه أو أعلن أنه لا يحبه.

قد يكون الأمر شاملاً لمجموعة من الأوامر والأمور المتسقة والمترابطة والموزعة على الآيات بحيث يمكن اعتبارها كلها من لوازمه وتفاصيله، وبعبارة أخرى قد يُعبَّر عن الأمر بذكر الكثير من مقتضياته وتفاصيله ولوازمه.

قد يكون الأمر ملزمًا للإنسان في أكثر أحواله.

الأمر الجوهري هو الذي يكون في الوقت ذاته وسيلة وغاية وسنة ومقصد.

أعلى الأوامر مرتبة هو ما تضمن وسائل ومقاصد ومنهج حياة في الوقت ذاته، ومن ذلك مثلا "ذكر الله"، فهو مقصد في ذاته، هذا المقصد هو الإحساس الصادق بالحضور الإلهي، وهو يتضمن الوسائل المؤدية إلى تحقيق هذا المقصد، وهي كل الأعمال والسلوكيات اللازمة للتحقق بذلك، وهو أيضا منهج حياة، فالذاكر لله والملتزم بكل وسيلة تؤدي إلى ذلك وتقويه يكون له منهج حياة محقق لذلك ونتيجة أيضا لتحقق ذلك.

*******

إن كل أمر قرءاني صريح أو ضمني يجب أن يكون له مكانه في هيكل الدين، وكمثال للأوامر الصريحة:

{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} البقرة152، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} [الأعراف:180]، {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58]، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون}[العنكبوت:45]، {.... فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [المزمل:20].

أما الأوامر الضمنية فتأتي بصور عديدة، ومنها:

1. أن يثني الله تعالى على من يقوم بها أو يتصف بالصفة المؤدية لها أو الصفة الناتجة عن الالتزام بها، والثناء يتضمن أن يعلن أنه يحبهم أو أن يعدهم وعدا حسنا أو أن يبشرهم بالجنة...الخ، مثال:

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرا عَظِيما}الأحزاب35، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ{15} الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{16} الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ{17} آل عمران، {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)} فاطر، {... وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)} الشورى.

2. أن تكون من مقتضيات الأسماء الحسنى، أي ما هو من تفاصيل الاستجابة السليمة للسمة الإلهية؛ فعندما يقول الله تعالى إنه هو الرحيم فإن ذلك يعني أن الرحمة هي فضيلة وقيمة كبرى يجب توقيرها والعمل بمقتضاها وخُلُق كريم يجب التحلي به وسمة حسنة يجب الاتسام بها والتطهر مما يناقضها، وعندما يقول إنه هو الحق، فهذا يعني أن الإنسان ملزم بأن يكون حقانيا صادقا حاكمًا بالعدل قائما بالقسط لا يكذب ولا ينافق ولا يتبع الأمور غير الموضوعية، لا يقول الزور ويؤدي الشهادة لله، وعندما يقول إنه هو القاهر أو الجبار أو ذو عقاب أليم فهذا يعني أنه يجب أن يتحلى الإنسان بالتقوى والخوف من الله تعالى.

3. أن يوجد حثّ على الأمر بذكره كغاية أو مقصد لتدبير إلهي أو آية كونية أو تشريع ديني، ومن ذلك مثلا كل الأفعال المسبوقة بأدوات بيان المقصد أو الحكمة، والتي يسمونها لغويا بأحرف التعليل.

4. أن يكون من فحوى آية أو مجموعة من الآيات القرءانية.

*******

إن أهمية كل أمرٍ ديني تتحدد كما يلي:

  1. مرتبة الأمر من حيث عدد الأوامر الأخرى المستندة إليه أو التي يشكل هو أساسا لازما لها.

  2. درجة الديمومة والبقاء؛ وهذا يبين أهمية أمور مثل الأمر بذكر الله والأمر بتقوى الله والأمر بالتزكي.

  3. كون الأمر نفسه من مقاصد ركنٍ أو أمرٍ آخر مثل ركن ذكر الله أو التقوى بالنسبة إلى ركن إقامة الصلاة.

  4. كون الأمر مطلقًا؛ أي شاملا وملزما للإنسان في كل أحواله مثل ركن ذكر الله.

  5. كون الأمر متضمنا لعدد أكبر من الأركان الفرعية مثل الأمر بذكر الله.

  6. كون نفع أداء الركن متعديا إلى كيانات أكثر تنوعا وعددا.

أما درجة جوهرية كل ركن فتتحدد بما يلي:

  1. كون الأمر وسيلة وغاية وسنة (منهجا) ومقصدا في الوقت ذاته.

  2. كون الأمر من مقاصد أمر آخر مثل الأمر بذكر الله بالنسبة إلى إقامة الصلاة

  3. مرتبة الأمر من حيث عدد الأركان الأخرى المستندة إليه أو التي يشكل هو أساسا لازما لها.

  4. درجة الديمومة والبقاء؛ وهذا يبين أهمية أوامر مثل ركن ذكر الله.

  5. كون الأمر مطلقا شاملا وملزما للإنسان في كل أحواله مثل ركن ذكر الله والتفكر في آيات الله.

*******

يتصف الركن الجوهري بما يلي:

يؤدي إلى توثيق الصلة بطريقة سريعة ومباشرة برب العالمين.

يتضمن بحكم طبيعته المقصد منه والوسائل اللازمة لتحقيق المقصد.

يؤدي إلى رقي وتعملق الكيان الإنساني الجوهري.

يبقى مع الإنسان في الدار الآخرة.

*******

الأوامر الخمسة المعلومة هي أوامر شعائرية يعلن بها المسلم عن هويته للناس، وهذا هو تعريف الأمر الشعائري.

*******

إن إيجاب أمرٍ معين قد يكون بالأمر بلوازمه ومقتضياته أو بالنهي عما يناقضها ويضادها أو بكليهما معا، وإنه على الإنسان أن يثق في جدوى الأمر الإلهي وأن يعلم أن مصلحته المحققة على كافة المستويات هي في مقابلته بالأدب اللائق والعمل بمقتضياته.

إنه يجب على المؤمنين أن يعلموا الأوزان الحقيقية للأوامر الدينية، وألا يجعلوا من أمور لا يكاد القرءان يذكر عنها شيئا أو يقيم لها وزنا أركانا عظمى تفوق الأركان المذكورة فيه من حيث الأهمية، ولقد جعل القرءان للأمور القلبية السيادة والتقدم على كافة الأمور الشكلية فأمر الناس بالتقوى وجعلها مناط الأكرمية، وكذلك أمر الناس بالقيام بالقسط وجعله المقصد من إرسال الرسل ونهي نهيا مشددا عن الظلم وعن الإفساد في الأرض ولعن الظالمين وتوعدهم بأشد العذاب بل وتوعد المصلين الغافلين عن العمل بمقتضيات الصلاة.

*******

إن الميزان القرءاني يقتضي أن يكون المقصد مقدما على الوسيلة إليه، لذلك كان ذكر الله تعالى والانتهاء عن الفحشاء والمنكر أمرين مقدمين على إقامة الصلاة، ومن تفاصيل الميزان أن يذكر الأمر متقدما على أمر آخر، ولما كانت إقامة الصلاة تأتى دائما مقدمة على إيتاء الزكاة فإن ذكر الله يكون مقدما على إيتاء الزكاة، وبالمثل فإن ذكر الله وتلاوة آيات الكتاب والإيمان بالغيب كل ذلك يتقدم على إقامة الصلاة.

*******

الأمور الحاكمة على كل التعاملات مع الكيانات الإنسانية الأخرى:

  1. القيام بالقسط.

  2. الحكم بالعدل.

  3. أداء الأمانات إلى أهلها.

  4. البرّ.

  5. الإيمان بأن الإنسان خليفة في الأرض وحامل للأمانة ومكرم ومفضل.

  6. التعارف عند الاختلاف.

  7. السلم هو الحالة الطبيعية.

  8. الجهاد يكون في الله لله

  9. القتال هو الاستثناء المكروه، ولا يكون إلا عند توفر شروطه الشرعية، ويجمعها أن يكون حقًّا في سبيل الله.

والمؤمن كيِّس فطِن، فهو يعلم بالنظر إلى الظروف المعاصرة أفضل السبل إلى الحكم بالعدل والقيام بالقسط وتأدية الأمانات إلى أهلها.

فهو في توزيعه الأموال بين أبنائه يجب عليه أن يلتزم بذلك.

*******