فرار بُخبُـخ

كانت الديانة البخبخية قد تمكَّنت واستحكمت أثناء الاحتلال العثماني لبلدان الشرق الأوسط، كان الترك العثمانيون يعشقون الجهل والبهيمية والتمسك بالتقاليد، أنفوا أن يتعلموا لغة العرب المقهورين، ولكنهم في الوقت ذاته تمسكوا بعبادة تراث السلف ونعال السلف.

أما الشعوب العربية المقهورة فقد تضاعف حبها للتراث لمَّا رأوا من قهروهم يقدسونه ويبجلونه، أحبوا التراث بقدر ما أحبوا أجلاف العثمانيين الذين كانوا يضعون رؤوسهم تحت أقدامهم، ويسخرونهم لقضاء مآربهم ثم يعطونهم الأجر صفعات على الأقفية أو لطمات على الأوجه أو ركلات في المؤخرات، والشعوب المريضة تحب دائما التأسي بمن قهرها ووضع قدمه فوق أعناقها.

أما المساجد فكان أهم مهامها أن يلهج الناس فيها بالدعاء للسلطان لكي ينتصر على أعدائه في الأراضي البعيدة ولكي يغنم أموالهم ونساءهم وأطفالهم ولكي يفرق شملهم ويبدد جمعهم ..... الخ.

والديانة البخبخية هي من الأديان التي حلت محل الإسلام، وهي تقوم على الإيمان المطلق بالبخاري وكتابه، فكتاب البخاري عندهم هو الحق المطلق والمصدر الأعلى الحقيقي للدين والثابت الراسخ الشامخ الذي يكفر كل من فكَّر في الحديث عنه بدون إبداء ما يلزم من فروض التسبيح والتقديس.

ويشارك البخاري في مكانته على تفاوت في المراتب مجمع آلهة، ولكنهم كلهم سائرون على دربه ومؤتمون به.

فكتب البخاري وشركائه هي عندهم السنة الحاكمة والقاضية على القرءان، والناسخة لآياته عند التعارض، ولولاها لهلك القرءان، أو لأصبح في مهب الريح، لذلك فمنها يأخذون جلّ الدين، ولا يأخذون من القرءان إلا ما يتوافق معها، ولا يرونه إلا من خلالها، هذا مع الاستمرار في إظهار أقصى درجات الاهتمام الشكلي به، وتحويله إلى أصوات شجية وتجويد النطق بألفاظه وحروفه، وزخرفة جدران المساجد به، وإقامة المباريات بين حفظته من الأطفال، وإغداق الجوائز عليهم، مع اتخاذ كافة الاحتياطات حتى لا يأخذ أحدٌ منهم من القرءان دينه!

ولا أحد يعلم بالضبط من أين أتوا بهذه المبادئ والأسس، ولا كيف انتشرت هذه الديانة وتمكنت رغم أن البخاري نفسه كان عند من يحسنون الظن به رجلا متواضعا طيبا، ولم يكن له أية مكانة متميزة في عصره، ولم يدَّع الألوهية ولا أنه معصوم، ولم يأتهم بآية، ولم يقدم لهم أي برهان حقيقي على صحة مقولاته، كما لم يرد في أي كتاب سماوي أو أرضي أي تبشير به.

أثناء هذا الاحتلال العثمانلي أصبح كتاب البخاري يُتلَى طلبا للنصر، هل رأيتم أمة تتوسل إلى ربها بتلاوة كتاب يتضمن تطاولا عليه وعلى كتابه ورسوله؟

لم يكتف سدنة هذه الديانة بالبخاري وإنما أشركوا معه كل من أعطى لنفسه دون أي تكليف من أية سلطة رسمية أن يفعل مثله، ولكنهم احتفظوا لكتاب البخاري بمكانة متميزة، ذلك لأنه كان رائدهم، وأصبح يُسمَّى عندهم بـ"أصحّ كتاب بعد كتاب الله"، ولكن هذا القول لم يكن إلا ستارة للتمويه، يخفون وراءها أنهم يتخذونه عمليا وواقعيا المصدر الأعلى للدين.

ورغم أن الله تعالى لم يعين أحدا وكيلا عنه بل نفى ذلك عن رسوله فقد آمنوا بأن البخاري وشركاءه وكلاء الله على الأرض والأوصياء على دينه والأمناء على دينه وتصرفوا بمقتضى ذلك.

ورغم أن قولهم بأن كتاب البخاري أصحّ كتاب بعد كتاب الله يعني أن لكتاب الله تعالى التقدم والأسبقية على البخاري وشركائه إلا إنهم قاموا بعملية التفاف وتطويق وحركة كماشة ضخمة لعزله وحمل الناس على اتخاذه مهجورا، هذه الحركة تتضمن اعتبار المرويات هي السنة متجاهلين التعريف القرءاني للسنة، ثم زعموا أن هذا الكتاب غامض مبهم مجمل مطلق، وأنه لابد من السنة وفقا لمفهومهم هم لبيانه وشرحه وتفصيله وتقييده، ومن ثمَّ أمكنهم الزعم بأن "السنة" وفقا لمفهومهم حاكمة على الكتاب وقاضية عليه، كان يلزمهم أيضا التخلص من أحكام الكتاب العزيز التي لا تروق لهم، قالوا بوجود آيات قرءانية منسوخة وأنه لـ"السنة" أن تبينها أيضا بل وأن تنسخ ما تعارض معها منها.

وهكذا تمت صياغة الديانة البخارية لتحل محلّ الإسلام، وقد كانت هذه الديانة ملبية تماما لاحتياجات ومطالب الطغاة والمتسلطين والمستبدين والأعراب، والأخطر أنها جاءت وفق أهواء الشياطين الذي استعملوها لصد الناس عن دين الإسلام.

فالديانة السلفية البخارية عدوانية شرسة تحتقر إمكانية التعايش السلمي مع الآخرين وتقدس العدوان والقوة والتسلط، ولكنها كانت أيضًا ترسخ الجهل والتخلف والبهيمية والذكورية وتقديس تراث الأسلاف، كان من الممكن أن تستمر هذه الديانة في التسلط على الناس وإخضاعهم لمقولاتها حتى يفنوا أو يتفانوا أو يقضي عليهم الجهل والتخلف، ولكن الشعوب الأخرى التي لا تعاني من الديانة البخارية تقدمت وازدهرت واشتد بأسها.

هاجم بعض هذه الشعوب أتباع الديانة البخارية لأسباب سياسية واقتصادية وألحقوا بهم هزائم مريرة، ولولا أنهم كانوا قد أصبحوا علمانيين وأكثر إنسانية لقضوا تماما عليهم.

أدرك الصفوة من أبناء الشعوب البخارية أنه لابد من اقتباس الكثير من وسائل ومناهج وعلوم الشعوب الأجنبية إذا كانوا يريدون البقاء على سطح هذا الكوكب، رأوا أن الديانة البخارية تقوض كل جهودهم وأنها ألد أعداء التقدم، اضطروا إلى التخلي الجزئي عنها مع الإبقاء على الباقي.

لم يكن من الممكن أن يستسلم البخابيخ الأباة الشرسون بسهولة، عقدوا العزم على الجهاد والمقاومة، وهكذا نشبت حروب مريرة وشرسة بينهم وبين أتباع الدين الحقيقي وكل القوى التقدمية صانعة الحضارة.

زاد من شراسة الحروب أن أتباع الديانة البخارية كانوا أثرياء، وكانت تدعمهم كل القوى الشيطانية على سطح هذا الكوكب.

انتشرت المذاهب والتنظيمات البخارية في كل مكان وتنوعت تنوعا شديدا، ولكن كان ثمة أمور مشتركة توحد بينهم:

  1. عدم معرفتهم بمفهوم الدين أصلا.

  2. جهلهم بأركان الدين الكبرى ومقاصده العظمى.

  3. إهمالهم وازدراؤهم لكافة الأمور الدينية الوجدانية.

  4. قولهم بردة كل من يخالف شيئا، ولو كان يسيرا، مما يقولون هم إنه الدين.

  5. قولهم بوجود استتابة ثم قتل من يحكمون هم عليه بالردة.

  6. قولهم بوجوب رجم الزاني المحصن.

  7. رفضهم لمبدأ التعايش السلمي مع الآخرين.

  8. مقاومتهم لكل عوامل التقدم وعدم قبولهم بها إلا مكرهين.

  9. اعتبارهم أن ألدّ وأكفر أعدائهم هم من لا يتبعون مذهبهم من المسلمين الآخرين.

  10. تقديسهم وتوثينهم لمن يسمونهم بالسلف، وعبادتهم بصفة خاصة لمن يسمونهم بالصحابة.

  11. الطبيعة العدوانية الشرسة.

  12. قولهم بأن الإسلام دولة بحيث يتصور كل تابع لهم أن دوره الأساسي هو العمل على بناء هذه الدولة، مما يجعلهم حربا على المسلمين الآخرين وعلى البشرية جمعاء.

  13. ازدرائهم لكافة القيم الدينية والإنسانية الحقيقية.

  14. جعلهم إحياء ما يسمونه بالخلافة، وفقا لمفهومهم، الهدف الديني الأقدس.

  15. جعلهم أكبر همهم ومبلغ علمهم إشباع حاجات بطونهم وفروجهم والإسراف الشديد في ذلك.

*****

كانت هذه التنظيمات مثل الأفعى الأسطورية هيدرا، كلما قطعوا لها رأسا نبت لها آخر، كانت مراكز نشر الديانة اليخارية والتي تملأ البلاد تضخ في جسد هذه الأفعى رحيق الحياة باستمرار، وكان خريجو هذه المراكز يقومون بتحويل العامة إلى كائنات بخارية عن طريق المنابر وأجهزة الإعلام والفضائيات، وهذا مما أطال من أمد الصراع.

ولكن كان لابد من انتهاء كل هذه الحروب بانتصار قوى الحق والعلم والنور والحضارة والتقدم والمنطق والعقل رغم قلة من يدعمونها في هذه الدنيا.

لم يمكن القضاء على مقاومتهم العنيدة وشراستهم المعهودة إلا باتباع أشد الأساليب قسوة ودموية حيث أنهم هم أنفسهم لم يبدو أية رحمة تجاه من كان يقع في أيديهم من المسلمين الحقيقيين.

كانوا يتفننون في التمثيل بجثث من يقع في أيديهم منهم، كانوا يصلبون بعضهم في الطرقات، ويزينون برؤوسهم بيوتهم ويلتقطون الصور بجانبها، كانوا يأكلون قلوب وأكباد من يقع في أيديهم وهي نيئة، كانوا يطبخون رؤوس البعض الآخر ويأكلونها أو يستعملونها كوقود كما ورد في كتبهم المقدسة كما كانوا يلقون بالأسرى من فوق المباني أو يحرقونهم في النار، كانوا أحيانا يقطعون أيديهم وأرجلهم ويلقون بهم في الصحراء، كانوا يستمتعون بتقطيع أوصال من يقع في أيديهم.

سقط أخيرا آخر معقل من معاقل البخابيخ بعد أن كبدوا المسلمين وقوى الحضارة والتقدم خسائر فادحة، هذا مما دعا البعض إلى اقتراح إبادتهم وإراحة الإسلام والعالم من شرهم، بينما رأى الآخرون الإبقاء عليهم ليكونوا لمن خلفهم عبرة.

قال الذين غلبوا على أمرهم إن وساوس البخابيخ ومذاهبهم ستظل حية في الكتب والمواقع الإلكترونية الصديقة منها والمعادية، فلن يمكن أبدًا إبادتها، سيظل مذهبهم يجتذب ذوي الطبيعة السيكوباتية، ويتعين حماية الأجيال الصاعدة من أن تضلها هذه الوساوس من بعد.

فالرأي الأمثل هو عمل مستوطنة بخارية في الصحراء الخالية، القريبة من العاصمة، تحقق لمن بقي من البخابيخ كل ما يشترطون ويصبون إليه في البيئة المثالية التي يحبونها والفردوس المفقود عندهم، ويزورها الناس ليعرفوا مدى بشاعة الشر الذي نجوا منه حتى لا تضلهم الأباطيل التي تمتلئ بها الكتب التراثية المحسوبة على الدين، تم مد خطوط تليفريك فوق المستعمرة لتسهيل أمور الزيارة والمطالعة.

كان هذا الفردوس صورة أمينة للعصر الحجري القديم، تم تزويد المستعمرة بما يلزم من الخيل والبغال والحمير والإبل والشعير، تمَّ حفر بئر في وسط المستوطنة وتوفير كل ما يلزم للحياة السلفية الرومانسية، تم زراعة شتلات للنخيل، من بعد أصبحت المستوطنة محمية تابعة لمتحف التاريخ الطبيعي للحفاظ على البخابيخ من الانقراض.

تمَّ إحاطة المستوطنة بسور منيع لا يمكن أن ينهار إلا بضربه بقنبلة نووية، كما تمَّ اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لكيلا يتمكن أي بخبخ من الهرب وترويع الناس.

أما البلد نفسها فقد أخذت أحوالها في التحسن السريع المطرد، بل أصبحت من القوى العالمية العظمى من بعد أن ألقت عن عاتقها شرَّ احتلال ابتليت به، صار يوم الخلاص من سيطرة البخابيخ التي دامت طويلا عيدا وطنيا.

كان يتم تنظيم رحلات مدرسية إلى هذه المستوطنة ليدرك النشء بشاعة البلاء الذي نجوا منه بفضل جهاد أجدادهم المستنيرين، وكذلك ليرى دارسو التاريخ صورا حية من الماضي.

*****

كان البخابيخ يعيشون في مستوطنتهم الأثيرة تمامًا كما يحلو لهم، كان الذكور يتجولون في الطرقات مدججين بالسيوف الحادة والخناجر يرتدون أزياء الأعراب القديمة، وكانت النساء لا يخرجن من بيوت آبائهن أو أزواجهن إلا لبيت الزوج أو إلى القبر، وكانوا إذا خرجن لقضاء حاجاتهن في الخلاء ارتدين عباءة سوداء غليظة يوجد بها ثقب لا يتعدى قطره الميلليمتر الواحد لرؤية الطريق.

وكان الرجال يجتمعون ليلا ليتسامروا ويتذكروا سير أسلافهم البخابيخ، وعندما يبلغ الحماس منهم أوجه يقفون ليتعاهدوا على الثأر لهم من المرتدين الملاعين الذين هزموهم.

كانت تنشب بين طوائفهم أو قبائلهم من حين لآخر معارك دموية طاحنة، كان أسعد زوار المستوطنة حظًّا من يزورها أثناء معركة كهذه، كان مخرجو السينما والإعلاميون والهواة يستغلون هذه المعارك أحسن استغلال، كانوا يقومون بتصويرها من التلفريك والمتاجرة بها، أو استعمالها في الأفلام التاريخية.

أدَّى ذلك إلى كساد جزئي في قطاعات من قطاعات السينما.

*****

ذات مرة تمكن أحد البخابيخ الشرسين واسمه بُخبُخ من الهرب من المحمية البخارية، مازال الناس إلى الآن يتجادلون في تحديد كيفية فراره، ومنهم من اتهم بعض العاملين في قطاع التلفريك بالتورط في تسهيل هربه.

كان بُخبُخ يتسمى باسم بُخبُخ الكبير قائد أشرس فرقة من الفرق البخارية في الحروب المذهبية القديمة، كان شعارهم: "البخاري التام أو الموت الزؤام"!

لم يقبلوا أبدا أي مساس بالبخاري حتى بالاستناد إلى مسلم أو الألباني أو ابن حجر العسقلاني أو الصربي أو الأوكراني، كان والد بُخبُخ قد رباه على هدي من سيرة بُخبُخ الأصلي، وكان يتمنى أن يراه مثله.

توجَّه بُخبُخ توًّا إلى العاصمة، فقد كانت أقرب مدينة إلى مستوطنة البخابيخ، ما إن وصل إلى مشارفها حتى جرَّد سيفه من غمده وأخذ يطلق صيحات مرعبة!

أثار بُخبُخ الهلع والرعب، أصيب بعض المارة بصدمات عصبية، وخرَّ الآخرون مغشيا عليهم، سقط البعض الآخر تحت أقدام المتدافعين، تشجع بعض الشبان وقرروا التصدي له، كانت إحدى السيدات تعد الطعام في مطبخها، سمعت الضجيج تحت شرفة منزلها، رأت بُخبُخ مجردًا سيفه وقد التصق بعمود النور القريب من الشرفة، أسرعت وحملت وعاء الماء المغلي وقذفته به، خرَّ بُخبُخ على وجهه وهو يصرخ، تمت محاصرته والإمساك به حيا بصعوبة بالغة، كانت قوة من الأمن قد وصلت إلى مكان الواقعة واقتادت الجميع إلى قسم الشرطة.

تقرر إجراء تحقيق مع بُخبُخ، تبين أن سبب فراره هو أنه قرر أن يدعو إلى الديانة البخارية وأن ينشرها بين الناس الذين يأتون للفرجة على البخابيخ.

لم يمكن الاستدلال منه على كيفية فراره، ظل ذلك سرًّا مغلقا.

أخذ المحققون ينظرون إلى بعضهم البعض ويتشاورون فيما يجب عمله مع هذه الأحفورة القادمة من الماضي البعيد البغيض، قرر أحد المحققين الدارسين ومحبي الاستطلاع أن يحاور بُخبُخ، أحضر له كتابه البخاري المقدس، وأخذ يلقي عليه مخالفات البخاري لدين الحق واحدةً واحدة!

كان المحقق الذي تمرس بالأساليب الحضارية السائدة في بلاده من بعد دحر القوى البخارية يتوقع أن يسمع ردودا تشبع رغبته في النقاش الجاد والحوار المثمر البناء.

ولكنه فوجئ بأن بُخبُخ لم ينظر إليه أبدًا، ولم يسمع شيئا مما قاله، كان يحملق فقط في الفراغ أو اللاتجاه بينما تنطلق صرخاته المدوية: "كل الشبهات على البخاري مردود عليها، أنتم لستم متخصصين، البخاري التام أو الموت الزؤام، أنتم لستم متخصصين، أنتم لستم أندادا لي"، لم يُغير من هذا الصراخ أبدًا ولم يذكر أي ردٍّ حقيقيٍّ أبدا.

ضج الحضور من عناده وإصراره، قام إليه أشد الحضور بأسا وقوة وهو يتميز من الغيظ وصاح فيه: "كل اليهود والمسيحيين والمجوس وعبدة البقر وعبدة الحجر يقولون أيضا أن كل الشبهات على كتبهم ووثائقهم مردود عليها، أعطنا أنت ردا حقيقيا واحدا على أية شبهة"!!!

ولكن جاءه نفس الرد: "كل الشبهات على البخاري مردود عليها، أنتم لستم متخصصين، البخاري التام أو الموت الزؤام".

جُنَّ جنون الرجل، قام وأمسك ببُخبُخ وجلد به جدار الغرفة الأيمن فجاءه نفس الرد، فجلد به جدار الغرفة الأيسر فجاءه نفس الرد، طرحه أرضًا وجلس على صدره وأخذ يكيل له اللكمات، كانت إحداها تطيح برأسه يمينا فيردد نفس الهتاف والأخرى تطيح بها يسارا فيرد نفس الهتاف.

أقامه الرجل وأخذ يضرب فيه بكل ما أوتي من قوة حتى خارت قواه وخرّ إلى الأرض فاقدا وعيه، فلما أفاق وجد نفسه يصرخ مع بُخبُخ: "كل الشبهات على البخاري مردود عليها، أنتم لستم متخصصين، البخاري التام أو الموت الزؤام"!!!!

لم تفلح محاولاتهم لإعادة الرجل إلى صوابه، تم تحويله إلى فطاحل الطب النفسي، ذهبت جهودهم عبثا، قرر الأطباء أنه أصبح للأسف بُخبُخا آخر!! أقروا بأنه يوجد مرض شديد الخطورة أسموه بالـ(بخبخة)، وأنه ينتقل بالاحتكاك الشديد مع أحد البخابيخ، وهذا ما حدث مع ذلك المأسوف عليه.

وفجأة، اشتعلت نيران حملة شرسة للتعاطف مع بُخبُخ ومهاجمة كل من مسَّه بسوء، تمَّ التنديد بكل من تصدَّى له واتهامهم بأنهم انتهكوا حقوقه كإنسان وعاملوه كحيوان.

تمَّ محاكمة بُخبُخ وكل من اشتبك معه.

في ظلّ هذه الحملة، برَّأ القضاء الشامخ ساحة بُخبُخ، وقام بتغريم السيدة التي ألقت عليه الماء لما أحدثته فيه من الإصابات.

تقرر إعادة بُخبُخ إلى المحمية خارج العاصمة معززًا مكرما، تمَّ إرسال الرجل الذي فقد صوابه معه، تجمع عدد كبير من النشطاء وأخذوا يهتفون بحياته وحريته، أخذ صراخهم المدوي يبدد سكون الصحراء: "الحرية للبخابيخ"، "البخابيخ شركاؤكم في الوطن"، "البخابيخ فصيل وطني".

بعد أن ثبت أن البخارية، أو البخبخة، مرض سريع العدوى شديد الخطورة، تم تقديم طلب إلى البرلمان بالتخلص من محمية البخابيخ بدفنهم أحياء تحت عمق كبير باعتبارهم أخطر من الإشعاعات الذرية أو إرسالهم إلى إحدى البلدان الفقيرة المتخلفة.

كاد البرلمان يوافق على الطلب.

نشبت من جديد حملة إعلامية شرسة للدفاع عن البخابيخ ومحميتهم وللتنديد بهذا الطلب اللاإنساني، قاد الحملة منظمات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الحيوان والنبات والجماد ونشطاء الفيسبوك، وكان من ورائهم أعداء الأمة من الشياطين القابعين في الغرب الذين يريدون تكبيلها وتقييدها ليقوم عملاؤهم بضربها والإجهاز عليها هذا.

تعللوا جميعًا بحقوق الإنسان، وكذلك بكون محمية البخابيخ مصدر هام للدخل القومي حيث يزورهم سنويا الملايين من السياح.

رُفض الطلب بسبب ذلك، لم يتم إلا الموافقة على تشديد الحراسة على المحمية البخارية!

أما المخلصون من أبناء الأمة فيخشون أن يأتي يوم ينهار فيه السور الذي يفصل بين المحمية البخبخية وبين باقي البلد!

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 419