قرية متميزة 4

كانت الإدارة الباطشة، وكذلك ما حدث للشاب الذي احتج على عباس في المسجد أثر هائل على الناس، ولكن شدة ما يعانونه بدأت تطلق ألسنتهم من جديد، أخذوا يتهامسون ثم يتكلمون ويتناجون، كيف يمكن أن يفعل كل ذلك بهم أشقاؤهم الذين كانوا يتخذون منهم أمثلة في التدين، حتى مجموعة الهالك خسيس نالها من شر عباس المستطير الشيء الكثير.

لقد استمروا طويلا يكذِّبون كل الوقائع والأحداث وكل معطيات حواسهم في سبيلهم، هل يمكن أن نكون قد اخترنا إبليس اللعين عمدة لقريتنا ونحن مغيبون؟ أم هل تقمَّص الشياطين صور هؤلاء الناس المتدينين الطيبين بعد أن أخفوهم في مكانٍ غير معلوم؟ ألا تذكرون تلك الليلة التي كانت من أجمل ليالي العمر يوم أن تمّ إعلان فوز عباس بالعمودية؟ ألا تذكرون كيف أدينا كل الصلوات دون أن يحس أحدنا بأي كلل أو ملل؟ هل تذكرون العجائب والغرائب التي رآها الجميع؟ هل كانت أضغاث أحلام؟ أم هيستيريا جماعية؟ أم ماذا؟ كيف حدث هذا التغيير الجذري في سويعات قليلة؟

صاح أحدهم:

"لذلك أقول لكم إن الشياطين قد اختطفوا عباس الأصلي الطيب الحنون ورفاقه وحلوا محلهم"

صاح آخر:

"ألن تكفوا عن الهراء؟ إن الأمر الواقع هو أن العمدة وزمرته الممسكون بزمام الأمور في قريتنا الآن هم مجموعة من الطغاة الظلمة الفجرة، هذا هو الواقع المرير الذي علينا أن نواجهه بدلا من الاستغراق في الافتراضات والخيالات".

قال آخر:

"ولكن إذا كان هؤلاء هم أفضل من عرفوا الدين وعملوا به من بيننا كما نقرّ لهم جميعا بذلك، ألا يحتمل أن يكون الدين نفسه هو الخطأ؟"

بدأ بعض الشبان في القرية يتهامسون بذلك، ثم بدأ الأجرأ والأخبث منهم يصرح علنًا بذلك.

تذكر بعضهم الشاب أمين، أخذوا يتساءلون: ربما نكون قد ظلمناه!؟ لقد كان يعيش بيننا ويعرف كل مشاكلنا، بل كان أكثرنا معاناة منها، لماذا خذلناه حتى خرج شريدا من قريتنا دون أن يودعه أي واحد منا؟ ألم يكن يستحق منا ولو كلمة رثاء أو تعزية؟ قال أحدهم: لم نرَ يوما طيبا منذ أن هاجر من قريتنا.

صاح فيهم أحدهم: كيف تكيلون المديح لمن لم يكن مسلما؟ قال آخر: ألا تكف عن الكذب والافتراء؟ ألم يقسم في المسجد بأغلظ الأيمان أنه مسلم؟ قال آخر، ومن أدرانا بحقيقة نفسه؟ لقد كان عباس وشركاؤه أشد تدينا منه، ومع ذلك رأينا على أيديهم الويل والثبور وعظائم الأمور، قال آخر: لم نؤمر بالشق عن صدور الناس.

قال آخر: أليس لديكم عقول لتفكروا بها أو حواس لتلمسوا ولتروا بها الوقائع والأحداث؟ لقد عهدناه دائمًا أمينا وفيا صادقا مخلصا، يؤثرنا كلنا على نفسه وهو الفقير المعدم، ولا يضن علينا بوقته وهو أحوج شيء إليه؟ ألا تتذكرون موقفه النبيل من العمدة السابق الذي لم يمد إليه يد العون أبدًا؟ إن كل مصالحنا التي كان يقضيها لنا قد تعطلت ولم نجد له بديلا، إذا لم نصدق كل ما رأيناه بأعيننا ولمسناه على مدى سنين طويلة فماذا نصدق إذًا؟ وإذا كان هو على دين جعل منه هذا الإنسان السامي الكريم الذي نعرفه كلنا، فلابد أن دينه هو الدين الحقيقي.

التقط أحدهم الخيط فأضاف: لا يمكن أن يكون الدين الذي صنع أمين الكريم هو نفسه الدين الذي صنع عباس لجلج وزمرته المجرمين!

ضاق بعضهم بكل هذا النقاش ذرعا، صاحوا:

هل نظل هكذا ندور في حلقة مفرغة لابد من عمل شيءٍ ما!

تشجع أصدق فتيان القرية وأكثرهم أمانة، وقالوا: لابد من إعادة أمين إلى قريتنا، نحن أحوج شيء إلى فكره الثاقب وآرائه الجيدة، نحن في أمسّ الحاجة إلى قائد، قال آخر: وأين هو؟ قال آخر: لقد شاهدته ذات مرة في القرية المجاورة، وإن كان قد رحل من هناك يمكننا الذهب إليه في مقر عمله، قال آخر: هذا يسهِّل الأمر كثيرا، لابد من الذهاب إليه، من سيجيء معي إلى هناك؟ حولوا وجوههم بعيدا عنه، أخذوا يتشاتمون، ثم انصرفوا وهم يتلاعنون.

أما أمين فسرعان ما عرف أهل قريته الجديدة نبل سجاياه وقدراته، وأصبح له أصدقاء عديدون بينهم، حاول دون جدوى أن يطوي في قلبه آلامه وأن يتأقلم مع وضعه الجديد، كان بالطبع يتألم عند سماع أنباء عن تردي الأحوال في قريته القديمة، لم يبد أية شماتة فيهم، بل كان يفكر في كيفية إنقاذهم، كان يفكر أيضًا في كيفية حماية قريته الجديدة من الوقوع في أسر الشبكة اللجلجية الجهنمية.

أما حبه فازداد تمسكه به وإن كان لم يتبق منه إلا ذكريات محطمة يائسة.

*****

كان عباس يسير دائمًا في حراسة كثيفة مشددة، ومع ذلك كان حريصًا على أن يخطب في الناس خطبة الجمعة كما كان يفعل من قبل تأسيًا بالسلف الصالح، كان أنصاره يتوزعون جيدا بين المصلين تحسبا لأي أمر مفاجئ، كان تيار من الدموع ينهمر عادة من عينيه ويكاد يغرق المنبر كلما اشتدت وطأة الخطبة، بل تمادى في ذلك ذات مرة حتى خرجت قذائف دمع من عينيه أصابت من يجلسون تحت قدميه من أهل الصف الأول، تلا ذلك انسياب خطين من الدم من عينيه، كان ذلك وهو يقسم لهم أنه لم يعد ينام الليل منذ أن تولى أمر عموديتهم من فرط التفكير في حل مشاكلهم العضال.

لم يتمالك أحد الشبان الذي أصابته قذيفة دمعية في وجهه نفسَه، تشجع وصاح فيه: "أرجوك أن تكف ولو قليلا عن التفكير في حلّ مشاكلنا العضال، لو تماديت في ذلك ربما نصحو ولا نجد قريتنا على وجه الأرض، بل ربما لا نجد إلا فجوة كبيرة مكانها".

كان هذا آخر عهد الناس بهذا الشاب، عثروا على بقايا جثته بعد وقت في أحد غيطان القرية بعد أن أكلت الثعالب والكلاب الضالة أكثرها، أما أمه فقد جنّ جنونها وأخذت تجوب طرقات القرية باكية شاكية مولولة، فقد كان هو ابنها الوحيد وعائلها.

عدد المنشورات الفرعية : 63