000

مقدمة

يقدم هذا الكتاب حشدًا هائلًا من أعظم الفتوحات والإنجازات في تاريخ الأديان بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة، فهو يقدم الأسماء الحسنى الإلهية بكافة أنواعها والتي تشمل الأسماء المفردة والمثاني والحلقات الإلهية، كما يقدم بعض أنساقها الأولى، ومنها النسق الأول من الأسماء الواجب إحصاؤها ونسق الأسماء الحسنى المفردة، كما يقدم النسق التفصيلي لكل الأسماء الحسنى المذكورة في القرءان.

ولاستخلاص وإحصاء الأسماء الحسنى كان لابد من منهج للاستخلاص يتضمن نظريات حقيقية تتضمن بدورها مسلمات وبديهيات (بيِّنات قرءانية)؛ أي كان لابد من منهج يؤدي إعماله وتطبيقه إلى إحصاء الأسماء، وقد تمَّ ذلك بالفعل، وكانت النظريات ناجحة تماما، ويمكن لأيِّ إنسان أن يطبقها بنفسه للتأكد من صحتها.

والمنهج هو خُطَّة منظّمة لعدَّة عمليّات بُغية الوصول إلى كشف حقيقة أو البرهنة عليها، فهو مجموعة من الإجراءات والخطوات والاختبارات والقواعد التي يجب لتباعها لكشف الحقيقة، ونتائجه يتم التحقق منها باتباع نفس المنهج، فهو ونتائجه قابلون للتداول وللنقل من فردٍ إلى آخر.

وهذا يتمثل في مجموعة من الخطوات التي باتباعها يمكن التحقق من النتائج.

ونظرياتنا بفضل الله تعالى توفي بكل الشروط اللازمة للنظرية العلمية الحقيقية، فهي تتضمن مسلمات وتعريفات وشروطا ومنهجا لاستخلاص الأسماء، وهي تتصف بالاتساق التام وبالقدرة على تفسير كل ما يقع في نطاقها، ويمكن إعمالها بصرامة وحيادية، وقد حققت المقصود منها، كما تتصف بالمناعة التامة ضد كل محاولات النقض، ومن الممكن نقلها للآخرين ليتحققوا منها بأنفسهم، كما أنها تفسر ما كان موجودا وتبيِّن حدوده ومكامن الخطأ فيه، وقد ثبت أنها خصبة ومثمرة؛ وأعطت نتائج جديدة لا يمكن حصرها.

إنه يجب العلم بأن الإيمان بالأسماء الإلهية الحسنى هو لبّ الإيمانيات (العقيدة) الإسلامية وروحها، والعلم بها هو من مقاصد الدين العظمى، والعمل وفق مقتضياتها هو من لوازم هذه المقاصد، ومن لوازم وأسس أركان الدين، والأسماء الإلهية هي أصل ومصدر ومرجع كل عناصر ومنظومات دين الحق، ومنها منظومة القيم الإسلامية، فهذه الأسماء هي بكل ذلك أكبر أمور هذا الدين، ولذلك فالمصدر الأوحد لها هو القرءان الكريم.

والقول بأن القرءان الكريم هو المصدر الأوحد لكل أمور الدين الكبرى ومنها الأسماء الإلهية الحسنى هو أمر لازم وبديهية ومسلَّمة من بديهيات ومسلمات Axioms and postulates دين الحق، وذلك مستمد من الإيمان بهيمنة كتاب الله على كل مصادر العلوم والأمور الدينية، فهذا القول هو بلا مراء من أسس دين الحق، وليس بحاجة إلى أي مذهب ليقرره، بل لا صحة لأي مذهب إلا بقدر اتساقه معه، والمذهب الذي لا يلتزم حقًّا وصدقًا بهذا الأساس لا يجوز -على المستوى الجوهري- أن يُحسب على الإسلام، بل هو بالأحرى مذهب أو دين آخر حلَّ محلَّ الإسلام.

ولكل ذلك كان لابد من التماس الأسماء الحسنى في القرءان باعتباره المصدر الأوحد للإيمانيات الإسلامية، فالأسماء موجودة فيه بصيغها الحقيقية نصًّـا دون الحاجة إلى اشتقاقٍ من فعل أو صفة، فالأسماء الحسنى تقدم المفهوم الإسلامي  The Islamic conceptعن الإله الخالق؛ فمن البديهي أن يكون من مقاصد القرءان تقديمها باعتباره النص الذي سيكون مجمعا عليه من كل من يستحقون أن يُعتدَّ بهم كمسلمين.

والأسماء الحسنى الإلهية هي المصدر الأصلي لكل القيم الإسلامية، فكل عناصر منظومة القيم الإسلامية هي من مقتضيات الأسماء الحسنى الإلهية في العوالم الأمرية، ولذلك فالأسماء الحسنى تشير إلى السمات الإلهية التي أُمِر المسلمون بالتخلُّق بها، وهي التي تقتضي القوانين والسنن الإلهية التي أُمِر المسلمون بالإيمان بها والسعي لمعرفتها والعمل وفق مقتضياتها.

فعناصر منظومة القيم الرحمانية ومكارم الأخلاق الإسلامية هي مقتضيات الأسماء الحسنى في الكيان الإنساني، والإنسان الذي يسعى للتحلي بهذه المقتضيات والتطهر مما يخالفها إنما يسعى للتناغم مع آثار الأسماء الحسنى ويهيئ نفسه لتلقي تجلياتها، والتزكي -وهو من أركان الدين الجوهرية- هو جماع عمليات السعي للتحلي بمكارم الأخلاق الإسلامية والتطهر مما يتعارض معها.

والأسماء الحسنى كما وردت في القرءان الكريم هي فخر هذا الدين وبها اكتمل وظهرت حجته على المعاندين، وأعلن الله تعالى عن نفسه وعما هو له من سمات للناس كافة، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم، وبإعلان تلك الأسماء تمَّت حجةُ الله البالغة على عباده، فهي لبّ دين الحق الذي سيتمّ ظهوره على الدين كله، ذلك لأنه الحق الذي سيدمغُ أباطيلَ المشركين وتحريفاتِهم وأخطاءَهم في حق ربهم، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون.

ولن يعلم شيئًا عن العظمة الحقيقية للقرءان الكريم من لا يعلم ما يلزم عن الأسماء الإلهية الحسنى المذكورة فيه.

ولقد تم في كتب سابقة للمؤلف بدأ نشرها منذ عام 2002 تقديم نظرية الأسماء وتفصيلات عديدة متعلقة بهذا الأمر ونظريات استخلاص أنساق الأسماء الحسنى من القرءان، والمناهج والعلوم والحقائق التي كان اكتشافها مترتبًا على إعمالها هي من أروع ما علمه إنسان وأعظمه قيمة على المستوى الجوهري.

إن المنهج الديني الصحيح هو تطبيق لنظريات صحيحة، وثابتة بالقرءان الكريم، والنظرية الصحيحة هي نظرية حقانية موضوعية، ليس فيها أي جوانب شخصية أو ذاتية أو محلية، وهي يجب أن تكون مثمرة، كما يمكن نقلها للآخرين ليتحققوا منها بأنفسهم.

ولقد وُجد بإعمال النظرية أن ثمة نسقين من الأسماء الحسنى في القرءان الكريم؛ كل نسق منها يتضمن تسعة وتسعين اسمًا من الأسماء الحسنى، هذا بالإضافة إلى الاسم "الله" تصديقا للحديث الشريف "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا"، والتصديق على كافة المستويات.

والنسق الأول يتضمن الأسماء ذات الحسن المطلق، وهو النسق الذي يتضمن الأسماء المطلوب إحصاؤها، وهو يتضمن ثلاثة أنواع من الأسماء، الأسماء المفردة والمثاني والحلقات كما سيتم بيانه، أما النسق الثاني فهو نسق الأسماء الحسنى المفردة.

والأسماء التي لم ترد في أي من النسقين ولكنها وردت في القرءان هي أيضًا من الأسماء الحسنى، ولكن للأسماء الواردة في هذين النسقين أهمية خاصة.

ويقدم الكتاب أيضًا النسق التفصيلي للأسماء الحسنى، وهو يتضمن كل الأسماء الحسنى المذكورة في القرءان، بما فيها بالطبع الأسماء المطلوب إحصاؤها.

كما تمَّ تقديم المزيد من المعلومات والتصنيفات الجديدة للأسماء.

ولقد تم انطلاقًا من إحصاء الأسماء الحسنى اكتشاف الكثير من الأمور في القرءان الكريم وتقديم تفسيرات ونظرات جديدة للكثير من آياته وتقديم نظرية كاملة ومتسقة للإسلام تشمل بالإضافة إلى منظومات الأسماء الحسنى منظومات الشؤون والأفعال الإلهية وكذلك منظومات القيم والأخلاق والمقاصد والأركان والسنن الكونية والشرعية والتشريعية كما وردت في القرءان الكريم، هذا بالإضافة إلى اكتشاف الكثير من الحقائق الدينية وتقديم نظرات جديدة للآيات القرءانية واكتشاف الكثير من الحقائق والعناصر الدينية وحل الكثير من الألغاز والمعضلات الفلسفية، وعلى رأس ما تمّ اكتشافه كثير من العلوم المتعلقة بالأسماء الحسنى الحقيقية، وهذه العلوم تقدم للمسلم أسس وعناصر عقيدته وتغنيه عن كل ما يُسمى بعلم الكلام وأصول الدين.

وبالإضافة إلى ذلك فإنه نظرًا للارتباطات الوثيقة بين كل تلك المنظومات فإنه يمكن انطلاقا من أيٍّ منها صياغة نظرية كاملة متسقة للدين، وهذا مما يبين مدى خصوبة النظرية واتساقها ومتانة بنيانها.

والكتاب يقدم حشدا هائلا من المفاهيم والحقائق المكتشفة والنظرات الجديدة في الأمور الدينية، وهو بحق فتح مبين في العلوم الدينية والحقائق الوجودية، والْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين.

إن علم الأسماء الحسنى هو من العلوم البكر الجديدة، وهو أرقى علم ديني حقيقي، ولا يكاد يعلم شيئا عن عظمة القرءان من لم يتعلم شيئا من علم الأسماء الحسنى الذي تفضل الله تعالى به علينا.

لقد كانت نظريات الأسماء والمثاني خصبة ومثمرة مثل أية نظرية علمية ناجحة، وأدت إلى اكتشاف حقائق دينية عديدة، كما كانت نموذجا لكافة النظريات التي تم وضعها من بعدها.

وهكذا كان يجب أن يكون الأمر بالنسبة إلى كافة عناصر ومنظومات دين الحق، كان لابد من اتباع أسس للاستخلاص يمكن نقلها للآخرين بدلا من المناهج العشوائية التي كانت ومازالت سائدة لاستخلاص ما يتعلق بالدين.

وإذا كانت الأسماء الإلهية هي الأصل في المراتب الإلهية فإن الأفعال الإلهية هي الأصل في كل ما هو غيرٌ وسوى.

ومن المعلوم أن الأسماء الحسنى المذكورة في القرءان هي الأسماء الحسنى اللفظية، وهي التي تشير إلى الأسماء الحسنى الوجودية، وهذه الأسماء اللفظية هي -بصفة عامة- ألفاظ باللسان العربي، ولذلك يمكن التعامل معها على هذا الأساس، فيمكن تصنيفها من حيث البنية، كما يمكن إعرابها وفقًا لموقعها في الجمل التي ترد فيها.

وقد كنَّا قد أبدينا من قبل تحفظنا على استعمال بعض المصطلحات اللسانية (اللغوية)، وقدمنا البدائل الأكثر منطقية واتساقًا مع الحقائق وقد التزمنا هاهنا في تسمية المشتقات بما قررناه من قبل، وهو استعمال أسماء للمشتقات اللسانية أدق، وأقرب إلى أداء المعنى، وقد نذكر المصطلحات القديمة بين قوسين على سبيل التوضيح.

ولقد وجدنا أن ما هو جديد في الأمور اللسانية (اللغوية) الخاصة بالأسماء قد عظُم وكثُر وتضخم بحيث أصبح يشكل نواة كبرى لنظرية لسانية جديدة ودقيقة وفعالة ومثمرة، ولذلك أفردناه بجزء مستقل من هذا الكتاب.

واستنادا إلى الأسس اللغوية الجديدة تم تقديم تصنيف جديد للأسماء أدى إلى زيادة العلم بها، وتحسين فقه دلالاتها وسننها.

لقد أنجزنا في كل هذه المجالات البكر الأمور والجوانب الأكبر والأصعب، ونرجو أن يأتي من يستوعب هذه الأمور وأن يكمل الطريق، فالطريق إلى معرفة الحقائق لا ينتهي، والعلم بالأسماء الحسنى وما هو مذكور عنها هنا هو الأمر اللازم لفقه أسرار الوجود ولاكتشاف الحقائق الإلهية والكونية الكبرى.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65