ذكر الله 1

إن ذكر الله هو أمر قرءاني كبير، وهو أيضًا ركن من أركان الدين الكبرى الجوهرية المقاصدية، فهو ركن ووسيلة ومقصد وغاية وسنَّة وقيمة وسمة في نفس الوقت، ولا قيمة لدين لا يتضمن من السنن والوسائل ما يحقق للإنسان مقصد هذا الذكر، فذكر الله هو جوهر الدين وروحه.

وذكر الله هو الإحساس الصادق بالحضور الإلهي، والأمر الملزم للإنسان هو جماع كل ما يؤدي إلى تنمية وتزكية هذا الإحساس بمعنى أن يلتزم الإنسان بكل ما يذكره بالحضور الإلهي معه في كل أحواله حتى يتحقق له هذا الذكر فلا يغفل عن ربه أبدًا ويتولد لديه إحساس صادق دائم بهذا الحضور، ومن ذلك أن يكون لسانه دائمًا رطبًا بذكر الله تعالى مع حضور القلب مع المذكور ومع معاني الذكر، والدراسة الجادة الحقيقية للعلوم الطبيعية تزكي هذا الإحساس لأنها تذكِّر الإنسان بآيات ربه فتذكره به.

والذكر هو ضد الغفلة وضد النسيان معا، والذكر هو إحساس إيجابي بحضور المذكور وعمل بمقتضى هذا الإحساس، إن الذي يذكر الله في نفسه يعمل على رفع حجاب الغفلة في نفسه عن ربه، وهذا يعني دوام حضوره مع الله فيكون جزاؤه أن يحظى بالحضور الإلهي الخاص معه كما يليق بذات الإله سبحانه وتعالى، أما من يذكر الله في ملأ فهو يعمل على رفع حجاب الغفلة عن جمع من الناس أو يعمل على تذكير الناس بربهم وإعلاء كلمته والدعوة إليه فيكون جزاؤه أن يرفع الله ذكره، وكل إنسان مطالب بالأمرين بقدر وسعه، ولكنه مطالب أيضًا بأن يبدأ بنفسه.

فذكر الله هو ركن الدين الجوهري والأمر الديني الأوجب، ويمكن للإنسان أن يجمع بين القيام بركن ذكر الله وبين القيام بركن تلاوة آيات القرءان بتلاوة الآيات التي تتضمن الأسماء الحسنى مع توطين النفس على الإحساس الصادق بحضور من أنزل هذه الآيات وعلى التجاوب مع معاني الأسماء والآيات، فيردد الإنسان الآية وهو يوقن أنه يخاطب إلهًا حيًّا جليلًا حاضرًا معه ومحيطا به ظاهرا وباطنا إحاطة تامة، فهو على علم تام بما يدور في أعماقه.

فذكر الله تعالى بأسمائه الحسني المذكورة في الكتاب العزيز وبالآيات التي تتضمنها هو أعظم الذكر، وعلى الإنسان أن يكون صادقًا تماما مع ربه في قوله مؤمنا بصدق حديثه عن نفسه وأن يكون حريصًا على الالتزام بالأدب اللائق واللازم تجاه ربه خاشعًا له مخبتًا إليه موقنا بأنه مصدر كل كمال، ويجب أن يجمع إلى ذلك فرحًا حقيقيا بربه وثقة تامة به وبقدرته على نفع عبده وتزكيته.

إنه يجب دائما تذكر أن ذكر الله ركن ركين من أركان الدين، وأنه أيضًا من لوازم ركن عظيم هو ركن العمل على إقامة صلة وثيقة بالله عز وجل، ولقد أمر الله به عباده بأقوى صيغ الأمر وكرر مرة بعد أخرى الأمر بالذكر، قال تعالى:

{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا}المزمل8، {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} البقرة152، {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ } آل عمران41، {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا } الإنسان25، {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}الأعراف205، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ{190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{191} }آل عمران، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً{41} وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا{42} }الأحزاب41، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }الجمعة10، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }البقرة114، {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}البقرة200، {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}البقرة239، {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }آل عمران135، {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً }النساء103، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}النساء142، {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } المائدة91، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }الأنفال2، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } الأنفال45، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }الرعد28، { وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا}الكهف24، {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا}الكهف28، {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي }طه14، { كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرا{33} وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً{34} وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}طه، {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي }طه42، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }طه124، {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ }الأنبياء42، {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}الحج28، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} الحج34، {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الحج35، {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج40، {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ }المؤمنون110، {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ {36} رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} النور، {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُورا} الفرقان18، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} الشعراء227، {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }الزمر22، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}الزمر23، {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}الزمر45، {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }الزخرف36، {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا }النجم29، {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}الحديد16، {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المجادلة19، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }الجمعة9، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }المنافقون9، {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَدا} الجن17، { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى{15}}الأعلى15.

إن كل هذه الآيات وغيرها لم تكف لإقناع أتباع المذاهب الضالة بأن ذكر الله تعالى هو ركن من أركان الدين يفوق إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من كافة النواحي ولا يوجد ما يعفي الإنسان أو يحله من أداء هذا الركن فهو ملزمٌ بأدائه قائمًا أو قاعدا أو على جنبه أي في كل أحواله وهو ملزم بإقامته قبل الصلاة وفي الصلاة وبعد الصلاة وفي ساحات القتال، وكل ما نُسِب إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ من الأدعية والتسبيحات عند قيامه بكل أمر إنما هو من مقتضيات وتفاصيل القيام بهذا الركن.

*******


إن "ذكر الله" هو من الأركان الجوهريةالتي يكون الركن هو الوسيلة والمقصد في حد ذاته ولكن من حيثيتين مختلفتين، فذكر الله هو إحساس الإنسان الصادق بالحضور الإلهي معه بكافة الأسماء الحسنى، وهو بذلك مقصد من مقاصد الدين ومن لوازم وتفاصيل المقصد الديني الأعظم الخاص بالفرد، وهو إعداد الإنسان الرباني الفائق.

ولكن الذكر هو أيضا جماع الأعمال والأقوال التي يتوسل بها الإنسان للتحقق بالحالة المذكورة، ومن ذلك الذكر اللساني -مع حضور القلب- للأسماء الحسنى أو للآيات التي توردها، وكذلك التسبيح والتكبير والتهليل، ولكون هذا الركن من الأركان الجوهرية العظمى فإن سائر الأركان هي من وسائل التحقق به.

و"ذكر الله" هو من الأركان المفتوحة، التي يجب أن يؤديها الإنسان بحب وإجلال وعزيمة وقوة وحضور ذهن ويقظة قلب، والقرءان حافل بالأذكار التي يجب أن يلهج بها المسلم ظاهرًا وباطنا

*******

إن من أعظم العبادات جدوى أن يوطن الإنسان نفسه على الإحساس بالحضور الذاتي الإلهي وأن يعمل الإنسان على تذكر أن الله تعالى معه وقريب منه ومحيط به حتى يرسخ كل ذلك في نفسه وقلبه وعندها يبدأ في استحضار أسمائه المشيرة إلى سمات كماله، وأن يجهد نفسه في العمل بمقتضياتها، فإدراك أنه سبحانه فعّال لما يريد يقتضي أن يتوكل الإنسان عليه وأن يفوض الأمر إليه وأن يعتصم به وأن يلوذ به وأن يعوِّل عليه.

إنه يجب أن يتعلم الإنسان منذ طفولته كيف يذكر ربه، كما يجب أن يتعلم أن المقصد من كل العبادات هو أن يتحقق الإنسان بذكر الله تعالى.

وذكر الله بالمعاني المذكورة هو من أركان منظومة القيم الإسلامية.

*******

إن التوجه إلى الله بالدعاء بأسمائه الحسني والاستغفار والتسبيح باسمه وبحمده من وسائل القيام بحقوقه والتقرب منه وهي أيضا من تفاصيل ركن الذكر.

*******

إن ذكر أسماء الله وآياته باللسان هو وسيلة إلى التحقق بالذكر الحقيقي، ذلك لأن الذكر هو ملكة قلبية، فذكر اللسان مع استحضار موضوع الذكر أو صورته هو وسيلة لحمل القلب على التركيز والتذكر وعدم الغفلة عن موضوع أو مضمون الذكر.

وكل صيغ الذكر هي في الحقيقة تحصيل حاصل، فهي مجرد تلاوة لحقائق، وهي لن تنفع الله في شيء، وهي لن تنفع الرسول في شيء، وإما المنتفع هو الذاكر نفسه، خاصة إذا ذكر بما استطاع من قوى كيانه، فهو يقوم بتزكية نفسه وبرمجة كيانه على مقتضيات الذكر فيرتقي بذلك.

وفي كل الأحوال لا يمكن أن يكون الذكر لسانيا خالصًا، فاللسان أو بالأحرى الجهاز الصوتي للإنسان لا يعمل بمفرده، وإنما بأوامر من القلب الإنساني (القلب بالمفهوم القرءاني)، ولكن من طبيعة القلب أن ينشغل بأكثر من أمرٍ في الزمن الواحد، والمطلوب من الذاكر أن يحشد كل ما استطاع من قواه عند الذكر.

أمثلة:

1- من يقول "لا إله إلا الله"، لن يغير شيئا من الحقيقة، فقوله تحصيل حاصل، فهو لم يجعل آلهة متعددة إلها واحدا، وإنما هو يطهر نفسه من الشرك الذي هو توهم ذلك، ويبرمج نفسه وكياناته على تلك الحقيقة فيتصرف بمقتضاها.

2- من يقول "الله أكبر" استجابة للأمر القرءاني: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} لن يغير شيئا في الذات الإلهية، وإنما هو يبرمج نفسه وقلبه على حقيقة أن الله أكبر من كل مخلوقاته، فتكون له بذلك المكانة الكبرى في قلبه، فلا يقصد بأعماله إلا وجهه.

3- من يطلب من الله تعالى أن يصلي على النبي كاستجابة للأمر بأن يصلي هو عليه إنما يفوض الأمر إلى ربه ويوكله، وهذه دعوة مستجابة ومحبوبة.

*******

إن ذكر الله تعالى هو الإكسير الذي يحول التراب إلى تبر؛ فيحول كل فعل مهما هان شأنه إلى عبادة حقة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، ويحول كل ذي نفس رديئة إلى نفسٍ نفيسة.

*******

إن الذكر يعني الإحساس القلبي الوجداني العرفاني الصادق بالحضور الذاتي للإله بكافة أسمائه الحسنى، وكل ألوان العبادة إنما تهدف إلى أن يكتسب الإنسان هذا الإحساس وأن يتحقق به وأن يتوب عن الغفلة القلبية عن الله تعالى والتي هي راس كل خطيئة، فذكر الله تعالى هو الركن الديني الذي يسبق سائر الأركان المشهورة ومنها إقامة الصلاة وصيام رمضان وغير ذلك، ومكانته بالنسبة إليها هي كمكانة المقصد أو الغاية بالنسبة إلى الوسيلة، وبالتحقق الدائم بذكر الله تعالى يكون قد تحقق للإنسان المقصد الديني الأعظم الثاني ووفى بمقتضيات حمل الأمانة ووصل بصورته الجوهرية إلى كمالها المنشود.

*******

{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون} [البقرة:152]

الآية تنص على ركن ديني جوهري، هو "ذكر الله"، ولعظمة وأهمية هذا الركن أمر الله تعالى به بنفسه وجعله مؤديا إلى أن يذكر هو من قام به، هذا الذكر هو ذكر خاص بمن يذكر الله تعالى، فهل يمكن أن يتخيل الإنسان عظمة هذا الذكر، إن من يحب فتاة جميلة، مثلا، يصبح أعظم آماله أن يخطر ببالها، ومن كان يتطلع إلى الجاه يصبح أعظم آماله أن يذكره ملك بلاده أو رئيسها، وهم يعلمون أن ما دفعهم إلى ذلك هو أمور زائلة، لا سبيل إلى تخليدها، فكيف يكون الحال إذا كان من يذكرك هو رب العالمين، الله الذي له الأسماء الحسنى، والذي له مقاليد السماوات والأرض، والذي له الأمر والحكم، والذي له الحسن والجلال والإكرام؟ وهو لا يطلب منك لكي يذكرك إلا أن تذكره أنت.

أما الشكر له فهو من لوازم إقامة صلة وثيقة به، وإعداد الإنسان الرباني الصالح الشاكر هو المقصد الديني الأعظم على مستوى الفرد، والشكر هو المقصد من التحقق بالتقوى.

وذكر الشيء هو أن يكون التصور عنه حاضرًا في القلب الإنساني، وفي ذاكرة العمل الرئيسة، وأبسط صوره التلفظ باسمه، وهو ضد الغفلة والنسيان.

وللذكر صوره العديدة، ومنها ذكر الاسم الإلهي وتسبيحه والتسبيح بحمده والحمد، وذكر الآيات التي تتضمن الأسماء أو الشؤون الإلهية.

*******

تذكر هذه الآية أمرا قرءانيا كبيرا وركنا من أركان الدين الجوهرية، إنه ذكر الله تعالى، وهذا الركن من الأركان الباقية مع الإنسان في كل تقلباته وأحواله وأطواره في الدنيا والآخرة، وهذا الركن متقدم على معظم الأركان تقدم الغاية على الوسيلة، وهل ثمَّ من إنسان سوي أُعطِي الفرصة الوسيلة لكي يحظى بأن يذكره ربه ذكرا خاصا ثم يُقصِّر في اغتنام هذه الفرصة والأخذ بتلك الوسيلة؟

وتذكر الآية أيضًا أمرًا قرءانيا كبيرا وركنا فرعيا من أركان الدين؛ ألا وهو الشكر لله، وهذا الركن من لوازم أركان عديدة مثل ركن إقامة صلة وثيقة بالله وركن ذكر الله، والشكر هو من أركان منظومة القيم الإسلامية، وهو من صفات الإنسان الرباني الفائق، وإعداد هذا الإنسان هو المقصد الديني الأعظم على المستوى الفردي.

ثم تنهى الآية عن اقتراف كبيرة من كبائر الإثم؛ ألا وهي إنكار فضل الله تعالى أو جحده وكفرانه أو الكفر بأية سمة من سماته أو شأن من شئونه.

ويلاحظ أن كل ذلك قد ذُكِر في آية شديدة الإيجاز وهي في أعلى ذرى البلاغة، والمتحدث فيها هو الله تعالى وحده.

*******

لقد نص الكتاب العزيز على أركان تفصيلية وفرعية لركن الذكر منها ذكر اسم الله تعالى والتبتل إليه والتسبيح والتكبير والاستغفار والحمد.

إن الإنسان الذي يتعلق باسم من الأسماء الحسنى ويداوم ذكره والنظر في معانيه ودلالاته يكتسب ملكة راسخة متعلقة على الدوام بهذا الاسم ودائرة في فلكه فيعامله الله سبحانه باعتبار ما اكتسبه فيعمل نسق القوانين الخاص بالاسم وملائكته وجنوده لصالحه؛ بل ويصبح الإنسان ذاته من مظاهر الاسم وجنوده، فهذا الإنسان يكتسب بذلك استعدادات جديدة تؤهله لاكتساب قوي ولطائف وإمكانات من آثار هذا الاسم، فينفخ فيه من روح الاسم ويصبح بذلك من آثاره المعتمدة بل ويصبح الإنسان ذاته من مظاهر الاسم وجنوده، فمن عرف الله تعالى رؤوفًا رحيما وتحقق بمقتضيات تلك المعرفة ينفخ فيه من روح هذا الاسم فيتصرف بمقتضاه، فيحق له أن يسمَّى رؤوفا رحيما، أي إنه يصير بمثابة اسم لهذا الاسم على المستوى الإنساني.

ولقد أمر الله كل مسلم بأن يدعوه أي يعبده ويتوجه إليه بأسمائه الحسنى، وذلك أمر قرءاني ملزم لا يُعذر من لم يعمل بمقتضاه، ذلك لأنه ملزم للإنسان في كل أحواله، ولا يستلزم بذل أي مجهود عضلي.

إن ذكر الله تعالى هو الوعي والإحساس الصادق بالحضور الإلهي، ولكي يصل الإنسان إلى تلك الحالة ويتحقق بها لابد له من التذكر، وهو يعني الالتزام بكل ما يذكر الإنسان بالحضور الإلهي معه في كل أحواله حتى يتحقق له هذا الذكر فلا يغفل عن ربه أبدا ويتولد لديه إحساس صادق دائم بهذا الحضور، ومن لوازم هذا الركن ذكر الآيات التي وردت فيها الأسماء الحسنى والتسبيح لله والتسبيح بأسماء الله والتسبيح بحمد الله تعالى والتكبير والاستغفار وخاصة بالأسحار والتبتل إلى الله، وكل هذا قد يستلزم الإعراض عن الغافلين عن ذكر الله ولو في المرحلة الأولى من بدء السعي إلى الله تعالى، لأن مجرد مخالطتهم وربما مجرد رؤيتهم قد تبدد آثار ما يبذله الإنسان من جهد للتحقق بهذا الركن، ومن كبائر الإثم المضادة لهذا الركن الإعراض عن ذكر الله والغفلة عنه والغفلة والإعراض عن آياته وسننه.

*******

إن الذكر هو ملكة أو نشاط قلبي رئيس لابد من تزكيته، وللتحقق بذلك لابد من حمل القلب على أن يتذكر، والتذكر هو إعمال تلك الملكة في مجالاتها التي تتزكي بها، وهذا التذكر هو من مقاصد تبيين الآيات وتفصيلها ومن مقاصد الآيات الكونية والأوامر الشرعية.......، قال تعالى :

{وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} البقرة221 * {وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}الأنعام126 * {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الأنعام152 * {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } الأعراف3 * {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }الأعراف26 * {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }الأعراف57 * {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }الأعراف130 * {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}الأنفال57 * {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }يونس3 * {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}هود24 * وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }إبراهيم25 * {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }النحل13 * {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ }النحل17 * {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90 * {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }المؤمنون85 * {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النور1 * {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}النور27 * {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }النمل62 * {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }القصص43 * {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }القصص46 * {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }القصص51 * {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ }السجدة4 * {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقرءان مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }الزمر27 * {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ }غافر58 * {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }الدخان58 * {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}الجاثية23 * {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الذاريات49 * {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ }الواقعة62 * {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}المدثر56 * {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقرءان لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}القمر17

فالذكر من مقاصد الوصايا والتعليمات والأوامر الإلهية ومن مقاصد تفصيل الآيات وتدبير الأمور وإنزال الكتاب وتفعيل السنن وضرب الأمثال.

*******

إن المقصد الأعظم للدين هو تعريف الإنسان بأسماء الله تعالى وسماته حتى يقوم بحقوق تلك الأسماء أي بحقوق تجلياته، وذلك يستلزم السعي إلى فقه القوانين الكونية، فهي من مقتضيات وظلال السنن الإلهية الكونية، التي هي بدورها من مقتضيات الأسماء الإلهية.

والتجلي الأعظم الذي يجب على الكل القيام بحقه هو الحضور الإلهي مع كل شيء، قال تعالى: 

{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الحديد: 4).

فذكر الله تعالى هو الإحساس الصادق بالمعية الإلهية أو بالحضور الإلهي بكافة الأسماء الحسني التي هي لوازم الكينونة الإلهية، وهو يشمل بالإضافة إلى ذلك كل ما يزكي هذا الإحساس وينميه من قول أو فعل أو سعي وهو ما يعرف أيضًا بالتذكر.

فالإحساس بالحضور الإلهي هو ذكر الله؛ أي عدم الغفلة عنه، وهو الهدف الأكبر من كل الأوامر والتعليمات والعبادات، قال الله تعالى لموسى عليه السلام: 

{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذكْري} (طه: 14)،

 وقال:

 {إِنَّ الصَّلاّة تَنْهَى عَنْ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ} (العنكبوت: 45)،

 أما ترديد الأسماء أو التسابيح أو الأدعية أو الأذكار المأثورة فهو ليس إلا وسيلة للوصول إلى هذا الذكر والتحقق به، وتبين الآيتان أن ذكر الله أكبر من الصلاة؛ ذلك لأن الحكمة أو المقصد أو الغاية من الأمر أعلى منه من حيث المرتبة.

وذكر الله درجات، ويبدأ الذكر بتـدبر معاني الأسماء الحسني مع استحضار عظمتها وكمالها وشمولها وتدبر آيات الكتاب التي جاءت مصاحبة لها، وأعلى درجات الذكر ألا يغفل الإنسان عن ربه طرفة عين، وهذا يستلزم أن تكون صلاة الإنسان ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين؛ وحده بلا شريك، فمن كان كذلك فهو في جناتٍ ونهر في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر.

إنه لكي يتحقق الإنسان بمرتبة الإحساس الصادق بالحضور الإلهي والمعية الإلهية يجب أن يوطن نفسه على ذكر الله بأسمائه الحسنى مع استحضار معانيها، ومن الوسائل الفعالة أن يذكر الاسم في سياق تلاوته للآية التي ورد فيها، وثمة صور عديدة للذكر وردت كلها في القرءان الكريم.

ولقد زعم السلفية أن الاسم الإلهي "الله" لا يأتي بفائدة حتى يتركب مع جملة مفيدة وأن ذكره لا يفيد شيئا، وذلك ظنهم الذي ظنوا بربهم أرداهم فأصبحوا خاسرين، ذلك لأن لهذا الاسم كل الأسماء الحسنى فمن ذكره جاعلًا ذلك نصب عينيه فقد فاز، وذكر الله هو لبّ أركان الدين.

إن الإنسان الذي يوفق إلى ذكر ربه سيفوز بالجائزة الكبرى وهي أن يذكره ربه الذكر الخاص الذي يرتفع به ذكره على المستوى الجوهري، قال تعالى:

 {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون} [البقرة:152]

ومن يتحقق بذكر الله تعالى فقد فاز بالله الذي هو خير وأبقى.

{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)} الأعلى 14

إن الإنسان بتزكية كيانه يصبح مؤهلًا لكي يتذكر الحضور الإلهي ويذكر اسم ربه، وبذلك يمكن له أن يقيم صلة وثيقة به، وويل لمن غفل عن محاولة إقامة تلك الصلة.

إن التزكي والذكر لازمان للصلاة الحقيقية، والتي هي هاهنا إقامة صلة حقيقية واعية بالله تعالى مصدر الأمن والسلام والحسن والكمال.

إنه لكي يتحقق الإنسان بمرتبة الإحساس الصادق بالحضور الإلهي والمعية الإلهية يجب أن يوطن نفسه على ذكر الله بأسمائه الحسنى مع استحضار معانيها، ومن الوسائل الفعالة أن يذكر الاسم في سياق تلاوته للآية التي ورد فيها، وثمة صور عديدة للذكر وردت كلها في القرءان الكريم.

*******

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} الأحزاب

إن ذكر الله تعالى هو من أركان الدين الجوهرية، والتحقق به هو من لوازم إعداد الإنسان الرباني الفائق، وتسبيح الله هو لون من ألوان الذكر، وهو بالإضافة إلى ذلك من لوازم العلم الحقاني بالله ومن لوازم ركن الاستجابة لله تعالى بالقيام بحقوق أسمائه الحسنى ومن لوازم ركن إقامة صلة وثيقة بالله تعالى والعمل على دعمها وترسيخها، فأوامر الدين الكبرى تتداخل ويقوي بعضها بعضا ويعضد بعضها بعضا.

والتسبيح لا يعني مجرد أن يقول الإنسان "سبحان الله"، ولن ينتفع الإنسان بهذا القول إلا إذا كان يدرك شيئا ولو يسيرًا عن معناه.

وذكر الله تعالى بأسمائه الحسنى وكذلك تلاوة آيات القرءان التي يتكلم فيها عن نفسه هي أيضًا من ألوان التسبيح، والتسبيح يتضمن كل سعي نحو الله وكل دوران في فلكه وكل عمل يراد به وجهه، فوجهه سبحانه هو القبلة الحقيقية لقلب الإنسان؛ أي للبّ كيانه الجوهري.

والأمر بالتسبيح بكرة وأصيلا يبين أهمية التسبيح في هاذين الوقتين، وهما يميزان بداية النهار والسعي وبداية الليل والسكون، وهو يبين أيضًا أهمية التسبيح في كل الأوقات والأحوال.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 413