ما هو الإسلام طبقا لما اتفق عليه الشيخان (البخاري ومسلم)؟

إجابة هذا السؤال ستوضح للناس الكثير من منهجنا في التعامل مع المرويات.

جاء في كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان:

1. حديث أبي هُرَيْرَةَ قال كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم بارزًا يومًا للناسِ فأَتاه رجلٌ فقال: ما الإيمان قال: الإيمان أن تؤمنَ بالله وملائكتِهِ وبلقائِهِ وبرسلِهِ وتؤمَن بالبعثِ قال: ما الإسلامُ قال: الإسلامُ أن تعبدَ اللهَ ولا تشركَ به وتقيمَ الصلاةَ وتؤدِّيَ الزكاةَ المفروضةَ وتصومَ رمضانَ..........

2. حديث طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله قال: جاءَ رجلٌ إِلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أهل نجْدٍ ثائرُ الرأسِ يُسْمَعُ دوِيُّ صوتِهِ ولا يُفْقَهُ ما يقول، حتى دنا فإِذا هو يسأَل عن الإسلام؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمسُ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ فقال: هل عليّ غيرُها قال: لا إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيامُ رمضانَ قال: هل عليّ غيره قال: لا إِلاَّ أَن تَطَوَّعَ قال، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاةَ قال هل عليَّ غيرُها قال لا إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ قال فأَدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أَنْقصُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.

3. حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَعْرابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: دُلَّني عَلى عَمَلٍ إِذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجنة قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمفْروضَة وَتَصُومُ رَمَضانَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلى هذا فَلَمّا وَلّى، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلى هَذا.

4. حَدْيث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً رضي الله عنه عَلى الْيَمنِ قَالَ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلى قَوْمِ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً مِنْ أَمْوالِهِمْ وَتَردُّ عَلى فُقَرائِهِمْ فَإِذا أَطَاعُوا بِها فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرائِم أَمْوالِ النَّاسِ

5. حديث ابْنِ عَبّاس قَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ قَالُوا: رَبِيعَةَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزايا وَلاَ نَدَامَى فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ في الشَّهْرِ الْحَرامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذا الْحَيُّ مِنْ كُفّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمانُ بِاللهِ وَحْدَهُ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقامُ الصَّلاةِ وَإِيتاءُ الزَّكاةِ وَصِيامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمغنَمِ الْخُمُسَ وَنَهاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ وَرُبَّما قَالَ المُقَيَّرِ وَقالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَراءَكُمْ.


6. حديث ابْنُ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتّى يَشْهَدوا أَنْ لا إِلهَ إِلاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إِلاّ بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسابُهُمْ عَلى اللهِ.

7. حديث أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إِلهَ إِلاّ اللهُ، فَمَنْ قَالَ لا إِلهَ إِلاّ اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنّي نَفْسَهُ وَمالَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسابُهُ عَلى اللهِ.

8. حديث أَبي بَكْر وَعُمَر قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب، فَقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: كَيْفَ تُقاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتّى يَقُولوا لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، فَمَنْ قالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسابُهُ عَلى اللهِ.

9. حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بُنِيَ الإِسْلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَان.

10. حديث أَبي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا يا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ.

11. حديث عبْد اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ

التحليل Analysis

المروية1 لم تذكر إلا أربعة أركان، ولا ذكر فيها للحج.

المروية2 لم تذكر إلا ثلاثة أركان، ولا ذكر فيها للحج أيضا.

المروية3 لا تذكر إلا أربعة أركان فقط، ولا ذكر فيها للحج أيضا.

المروية4 لا تذكر إلا ثلاثة أركان فقط، ولا ذكر فيها للحج أيضا، ولهذه المروية أهمية خاصة، فهي تبين أسلوب الدعوة، وتبين بكل وضوح أنه يمكن التدرج في مطالبة المسلمين الجدد بالأوامر الدينية بما فيها أهمها.

المروية5 تذكر خمسة أركان، ولا ذكر فيها للحج أيضا، والركن الخامس هو إعطاء الْخُمُسَ مِنَ الْمغنَمِ، وهي تستعمل كلمة "الإيمان" بدلا من كلمة "الإسلام".

المروية6 تنص على أن الرسول كان مأمورا بقتال الناس (المشركين من قومه) حتى يؤدوا ثلاثة أركان، وهي الأركان المذكورة مرتين في سورة التوبة، ومنها الآية: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} [التوبة:11]، فالمروية لها أصل في القرءان، وهي تبين أركان الإسلام الكافية لاعتبار الفرد عضوا في الأمة وأخا في الدين لكل من فيها، بغض النظر عن حقيقة إيمانه، ولا ذكر فيها للحج أيضا.

المرويتان7، 8، تجعلان قول "لا إِلهَ إِلاّ اللهُ" كافيا لاعتبار المرء مسلما، وهما يتناقضان مع المروية6، ويتبين أن عمر بن الخطاب استعملهما كحجة ضد قرار أبي بكر بقتال من امتنعوا عن أداء الزكاة له، بينما المروية6 تجعل هذا القتال حقا للرسول فقط، وليست حقا لأي فرد آخر.

المروية9 هي المروية الوحيدة التي ذكرت الأركان الخمسة المشهورة.

المرويتان10، 11 تجعلان الإسلام هو التحلي بمكارم الأخلاق والعمل بمقتضاها.

ومن كل ذلك يتضح ما يلي:

1. لم يكن المقصود إعطاء تعاريف جامعة ممانعة للإسلام.

2. اعتبار هذه المرويات كآيات قرءانية تُتلى وتُفسر يعني أن هذا الدين متناقض.

3. لم يسجل الرواة التواريخ التي قيلت فيها المرويات، وهذا خطأ جسيم ناتج من معاملتهم المرويات كآيات قرءانية بل أكثر، فبينما لم يقيدوا هذه المرويات بأوقاتها وملابساتها وظروفها فإنهم يقيدون آيات القرءان بما يسمونه بأسباب النزول، ويهتمون بالتوقيت انطلاقا من إيمانهم الراسخ بأن في القرءان آيات منسوخة، وأنه يمكن أن ينسخ اللاحق منها السابق، وإن كانوا تورطوا أيضا في الزعم بأن آية سابقة نسخت آية لاحقة! وهذا يدل أيضا على قصور منهجهم وعلى اندثار العلم بالكثير مما يتعلق بالمرويات.

4. كل المرويات المذكورة لها أصول صحيحة في القرءان، ما عدا جزء من مروية5، فهي تتضمن النهي عن بعض الأشياء غير المذكورة بلفظها في القرءان، وربما لا يعرف أحد لها معاني مؤكدة، وبالتالي فهي لا تلزم أحدا بشيء.

5. لو سجلوا التاريخ الدقيق لكل مروية لتبين ما هو معلوم أصلا، وهو أن هذه المرويات مقيدة بظروفها وأنها تعبر عن تطور فرض الأحكام، فهي لم تُفرض كما هو معلوم دفعة واحدة، فهذه المرويات كان المعني بها أساسا أهل العصر النبوي، وفي مثلها ورد الأمر بالنهي عن التدوين حتى لا تسبب للناس من بعد لبسا.

6. وكذلك يمكن بيان القاعدة التي نقول بها، وهي: "إن المروية ذات الأصل الصحيح هي المروية التي يمكن الاستغناء عنها بالقرءان"، فهذه المرويات يمكن الاستغناء عنها كلها بما ورد في القرءان، وحتى الحج الذي لم يرد إلا في مروية واحدة فهناك أمر قرءاني به مع التأكيد أنه لمن استطاع إليه سبيلا، وهذا يبين حقيقة وزنه القرءاني بالنسبة للأوامر القرءانية الأخرى.

7. المرويات من 1 إلى 9 تعبر عن الإسلام الظاهري أو المقيد أو الشكلي  (Restricted or limited or superficial or minor or formal Islâm)، وهو جماع ما يعلن به الإنسانُ من الناحية الظاهرية على الأقل انتماءَه للأمة المؤمنة المسلمة ومسالمتَه لها وولاءَه لها، وكان يعني في العصر النبوي إظهار القبول والخضوع لما أتى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وفيه قال تعالى: 

{فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }التوبة5، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }التوبة11، {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الحجرات: 14، وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} آل عمران20، 

وهو يتضمن الأركانَ الثلاثة المذكورة في الآيات؛ أي التوبة إلى الله من الشرك (الإيمان) وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو لا يتضمنُ بالضرورة إيمانا أو إحسانا، وهو الإسلام الذي كان قومُ الرسولِ مطالبين به، وبه يكتسب المرءُ الهوية الإسلامية؛ أي يكون من حقه أن يكون عضواً في الأمة الإسلامية، فأداء هذه الأركان كان بمثابة بطاقة الهوية The identity card للمسلم المنتمي إلى هذه الأمة، وبذلك تجب معاملته كمسلم يكون له كافةُ حقوقِ المسلم ولو كان يخفي نفاقاً عريقا، ولكنه يكون أيضًا ملزمًا بما عليه من واجبات، ومثلُ هذا لا يجوز إخراجه من الجماعة المؤمنة وإن كان يجب أخذُ الحِذْرِ منه وجهادُه بالقرءان، والالتزام بالأركان المعلومة هو بمثابة بطاقة هوية لكل من ينتمي إلى الأمة، لذلك يجب مؤاخذة من لا يلتزم بها في حالة وجود تلك الأمة وامتلاكِها لمقدراتها ووجود ولاة أمر لها منها، ومن الجلي أن إسلاماً كهذا لا يضمن النجاة لصاحبه، أما من اعتنق هذا الإسلام رغبةً في الاهتداء وليس نفاقا أو على سبيل التقية فإنه بقيامه بأركانه وحرصه على العمل بما فقهه من كتاب الله سيدخل الإيمان في قلبه شيئاً فشيئا ويصبح مؤهلاً ليكون مسلماً بالمعنى الحقيقي.

8. المرويتان 10، 11 تهدفان إلى بيان أهمية التحلي بمكارم الأخلاق والعمل بمقتضاها.

9. ما يسمونه بالأركان الخمسة لم ترد إلا في مروية واحدة منسوبة إلى عبد الله بن عمر، ومع ذلك فقد اعتبروها قدس أقداس المذهب السني وأعرضوا عن جلّ أوامر القرءان الكبرى بسببها، وهذا يبين طبيعة المذهب السني، فهو المذهب الذي يعتبر مصدره الأعلى هو المرويات بكل ما يعنيه ذلك من معنى، ولا يعبأ في سبيل ذلك بالقرءان، فلا يوجد فيهم من يرتاب في أن الأركان الخمسة الواردة في مروية ابن عمر هي الإسلام، ومن أراد التعمق في مثل هذا الإسلام فإنه يكثر من هذه الأركان، فيصلي نوافل أكثر، ويصوم تطوعا أكثر ويحج ويعتمر أكثر!!

10. كل هذه المرويات يمكن اعتبارها مرويات تاريخية، ولا يجوز شغل الناس بها، فالقرءان يغني عنها تماما، هذا مع أن هذه المرويات هي من أصح المرويات عندهم، وهي أيضا التي تتعلق بأمور الدين الكبرى.

11. الاعتماد على المرويات المذكورة لا يمكن أن يؤدي إلى أية نتائج مثمرة، بل أدى على مدى التاريخ إلى الإعراض عن القرءان واختزال الدين، وكان لذلك آثاره الكارثية على الأمة.

12. ما هو مذكور هنا لا يجوز تعميمه على كل المرويات، فهناك مرويات أخرى تحقق القاعدة المذكورة، ولكنها تؤدي إلى نتائج مثمرة.

13. من آثار منهجهم الكارثي أن تم اختزال الإسلام وتفريغه من مقاصده العظمى وأكثر أركانه الكبرى، وفي المقابل تم توثين الصلاة والصيام والحج وتحويلها إلى مقاصد عظمى.

14. ومن كل ذلك يتضح أهمية الاحتكام إلى القرءان واعتماده كمصدر أوحد لأركان الإسلام الكبرى، والمقصود بالإسلام هاهنا هو دين الحق الملزم للناس كافة (The religion of truth, The official or the true Islâm)  ، والذي كان الرسول مجسدًا له بأقواله وأفعاله وسنته وحياته، وهذا الإسلام هو الدين الكامل الجامع الخاتم، وهو أيضاً الدين العالمي والرسمي والاصطلاحي، وهو دين الفطرة في صورته الكاملة التامة، وهو الذي أعلن الله تعالى في القرءان أنه أكمله للناس وأنه سيظهره على الدين كله، {....الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً.....}المائدة3، ولهذا الدين سماتُه وعلومُه وبيِّناته ومقاصده وقيمه وأركانه وسننه، ولكل عنصر من العناصر الواردة في القرءان مكانه في هذا الدين، وأركانه هي كل ما ورد به أمر شرعي ملزِم ومشدَّد وحرص القرءان على تأكيده وبيان أهميته، وعلى رأس تلك الأركان الإيمان بالإله الواحد الذي له الأسماء الحسني والأفعال والشئون المذكورة في القرءان، ولب هذه الأركان عبادة الله تعالى بإخلاص وذكر الله والعمل على إقامة صلة وثيقة به والتزكِّي، ولا نجاة لإنسان الآن إلا بالالتزام بهذا الإسلام طالما بلغه البلاغ الكافي، وقد كان يجب بداية استخلاص هذا الدين من القرءان ثم تحكيمه والاستناد إليه لتمحيص الآثار الأخرى.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 419