43c

طرق دلالة اللفظ (أو العبارة اللغوية) على مراد المتكلم3

3. إشارة النص، دلالة الإشارة

المراد بما يفهم من إشارة النص المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه ولا يقصد بسوقه، ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من ألفاظه، فهو مدلول اللفظ بطريق الالتزام. ولكونه معنى التزاميا وغير مقصود من السياق كانت دلالة النص عليه بالإشارة لا بالعبارة، وقد يكون وجه التلازم ظاهرا، وقد يكون خفيا، ولهذا قالوا: إن ما يشير إليه النص قد يحتاج فهمه إلى دقة نظر ومزيد تفكير، وقد يفهم بأدنى تأمل.

فدلالة الإشارة هي دلالة النص عن معنى لازم لما يفهم من عبارته غير مقصود من سياقه؛ يحتاج فهمه إلى فضل تأمل أو أدناه، حسب ظهور وجه التلازم وخفائه.

فدلالة الإشارة هي دلالة اللفظ على معنى غير متبادر منه؛ أي غير مقصود بالسوق، لا أصالة ولا تبعا، ولكنه لازم للمعنى المقصود أصالة أو تبعا، لزوما عقليا أو عاديا، واضحا أو خفيا، أو هي دلالة اللفظ على معنى التزامي غير مقصود بالسوق، ويحتاج إدراكه إلى شيء من التأمل.

وبالطبع فإن لكل طائفة أن تضع من التعريفات ما تشاء، وأن تفصلها كيف تشاء، ولكن يجب الحذر عند تطبيقها على كلام رب العالمين، فمن ذا الذي يستطيع أن يقطع بأن معنى تشير إليه العبارة القرءانية غير مقصود بالسوق أصلا؟ ولماذا أمر الله تعالى عباده بأن يتدبروا آيات كتابه وأن ينظروا فيها؟ أليس من مقاصد ذلك استخلاص تلك المعاني التي قد لا تتبادر إلى أذهانهم لأول وهلة؟

والحق أن الكثير من آيات القرءان تشير إلى أمورٍ ومعانٍ عديدة، والراسخون في الفقه القرءاني يمكنهم التوصل إلى بعض هذه المعاني، كما أن التقدم المطرد والرقي الجوهري وتطور العلوم كل ذلك يؤدي إلى التقاط إشارات جديدة من الآيات، وذلك أمرٌ ثابت بأمثلة عديدة.

قالوا: ((قوله تعالى: 

{وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]،

 يفهم من عبارة من عبارة هذا النص أن نفقة الوالدات من رزق وكسوة، واجبة على الآباء، لأن هذا هو المتبادر من ألفاظه، المقصود من سياقه. ويفهم من إشارته أن الأب لا يشاركه أحد في وجوب النفقة لولده عليه، لأن أولاده له لا لغيره، وأن الأب له عند الاحتياج أن يتملك بغير عوض من مال ابنه ما يسد به حاجته لأن ولده له، فمال ولده له، وإنما فهمت هذه الأحكام من إشارة النص، لأن في ألفاظ النص نسبة المولود لأبيه بحرف اللام الذي يفيد الاختصاص، ومن لوازم هذا الاختصاص ثبوت هذه الأحكام، فهي أحكام لازمة لمعنى مفهوم من عبارة النص وغير مقصودة من سياقه، ولذا كان فهمها من إشارته لا من عبارته)).

وبغض النظر عن مدى صحة ما حملوه للنص كإشارة، ولكن كان يجب عليهم ألا يقتطعوا العبارة من سياقها ليفرضوا عليها ما قالوا به من إشارات، الآية تقول:

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [البقرة:233]

ومن لديه السليقة السليمة يدرك أنه لا يمكن أن يُستبدل بالتعبير "الْمَوْلُودِ لَهُ" أي لفظ آخر، لا يمكن استعمال "والد"، ولا "أب" هنا، أما الولد فهو منسوب أيضًا إلى أمه ومضاف إليها أيضا بطريقة مباشرة باعتبار لفظ "والدة" اسم فاعل.

والآية تلزم المولود له بالإنفاق على ولده، ولكنها لا تمنعه من الإنفاق على الوالدة ذاتها، ولا تمنع الآخرين من فعل ذلك، كما أنها لا تتعرض لمسألة شرعية أن يأخذ الوالد من أموال ولده، وهي بالأحرى لا تعطيه الحق في ذلك، هذه مسألة أخرى، وهذا منهم تحميل للنصوص بما ليس منها، هذا مع العلم بأن الإنسان مأمور بالإحسان إلى الوالدين، وقد قرن الله تعالى حق الوالدين بحقه هو على عباده، وهو ألا يعبدوا إلا إياه، فلا حاجة إلى استنطاق لفظ يتحدث عن أمور أخرى بذلك.

ويُلاحظ أن أكثر الأصوليين والفقهاء أساؤوا في أحيان كثيرة استعمال القواعد اللغوية، وكان حرصهم على افتعال ما يثبتها أشد من الحرص على استخلاص الأمر القرءاني بوزنه السليم.

وإشارة النص عندهم هي حكم لازم لمعنى لفظ في النص، وغير مقصود من سياق النص، ولكنها في الحقيقة أكبر من أن تكون مجرد حكم فرعي جزئي بالمعنى (القانوني أو الفقهي) الذي يقصدونه، بل يمكن لإشارة النص أن تكون عنصرا دينيا بالمفهوم الذي قدمناه للعنصر أو الأمر الديني The religious matter، كما يمكن أن تكون فقها جديدا للآيات وعلوما جديدة يمكن أن يهتدي الإنسان إليها وأن يرقى بها.

مثال:

قال تعالى: 

{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة:2]،

 الأداة "الـ" هي للحصر والاستغراق، ولكنها عندما تنسب إلى شأن إلهي تفيد الاستحقاق الأصلي الذاتي لكل ما يُحمد به كائن، فالله سبحانه أصل كل الصفات الحميدة فهي ذاتية له واجبة له، وذكر الاسم رَبِّ الْعَالَمِين هنا يشير إلى أن مجال ظهور ذلك هو من حيث ربوبية الله تعالى لكل العالمين، فإشارة النص هنا هي حقيقة علوية، وليست حكما فرعيا جزئيا.

ومن سمات المعنى الذي يشير إليه النص ألا يكون مقوضا للمعنى المباشر له؛ أي يجب أن يكون متسقا المتبادر من ألفاظه، وإنما هو يزيده ثراءً ويكشف عما خفي من تفاصيله ومدلولاته.

والخلاصة هي أن اللازم الذي يُعد من مدلول الإشارة هو اللازم غير المقصود بسوق الكلام، أما اللازم المقصود بالسوق فهو من مدلول العبارة.

*****

إشارة الدلالة هي دلالة اللفظ على معنى غير مقصود بسياق الكلام، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق له الكلام، وهو المعنى الذي تشير إليه العبارة ودلالاتها، فهي ما ثبت بنَظْم النَّصّ مِن غَيْر زيادة، وهذه الإشارة من الأمور المفتوحة، بمعنى أنها قابلة للاتساع برقي الإنسان في ذاته وباطراد التقدم ماديا ومعنويا.

فالمراد بما يفهم من إشارة النص المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه ولا يقصد ظاهرا بسوقه، ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من ألفاظه، فهو مدلول اللفظ بطريق الالتزام، ولكونه معنى التزاميا وغير مقصود ظاهرا من السياق كانت دلالة النص عليه بالإشارة لا بالعبارة، وقد يكون وجه التلازم ظاهرا يُدرك بمجرد سماع النص أو بأدنى تأمل، وقد يكون خفيا يحتاج إدراكه إلى دقة نظر ومزيد تفكير، فدلالة الإشارة هي دلالة النص عن معنى لازم لما يفهم من عبارته غير مقصود ظاهرا من سياقه؛ يحتاج فهمه إلى فضل تأمل أو أدناه، حسب ظهور وجه التلازم وخفائه.

فدلالة الإشارة هي دلالة اللفظ على معنى غير متبادر منه؛ أي غير مقصود بالسوق، لا أصالة ولا تبعا، ولكنه لازم للمعنى المقصود أصالة أو تبعا، لزوما عقليا أو عاديا، واضحا أو خفيا، أو هي دلالة اللفظ على معنى التزامي غير مقصود بالسوق، ويحتاج إدراكه إلى شيء من التدبر.

واللازم الذي يُعد من مدلول الإشارة هو اللازم غير المقصود بسوق الكلام، أما اللازم المقصود بالسوق فهو من مدلول العبارة، هذا هو قول الأصوليين في دلالة الإشارة.

والحق هو أن دلالة الإشارة أوسع من ذلك بكثير، فهي يمكن أن تتضمن كل المعاني الخفية والتي تتكشف للناس باطراد العصر والتقدم، وعلى سبيل المثال، فقوله تعالى: 

{وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون} [الذاريات:47]

 يشير إلى ظاهرة التمدد الكوني، وأكثر آيات القرءان تتضمن إشارات لأولي الألباب.

فدلالة الإشارة تتضمن جماع لوازم العبارة ومدلولات العبارة على ضوء ما تكشف وما يمكن أن يتكشف من الأمور ذات الصلة.

ويجب الاحتياط في الاستدلال بطريق الإشارة وقصره على ما يكون لازما لمعنى من معاني النص لزوما لا انفكاك له، لأن هذا هو الذي يكون النص دالا عليه، إذ الدالّ على الملزوم دال على لازمه، أما تحميل النص بمعانٍ بعيدة لا تلازم بينهما وبين معنى فيه بزعم أنها إشارية فهذا شطط في فقه النصوص، وليس هو المراد بدلالة إشارة النص.

*******

4. اقتضاء النص: دلالة الاقتضاء

المراد بما يفهم من اقتضاء النص المعني الذي لا يستقيم الكلام إلا بتقديره، فصيغة النص ليس فيها لفظ يدل عليه ولكن صحتها واستقامة معناها تقتضيه، أو صدقها ومطابقتها للواقع تقتضيه.

فدلالة الاقتضاء هي دلالة الكلام على مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام على تقديره، أو لا يستقيم المعنى إلا به، لذلك فأنواعه ما وجب تقديره لصدق الكلام أو لصحته عقلا أو شرعا.

ومثال قوله تعالى: 

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ....} [النساء: 23]،

 أي نكاحهن، وقوله: 

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]،

 أي أكلها، لأن الذات لا يتعلق بها التحريم، وإنما يتعلق التحريم بفعل المكلف فيقدر المقتضى في كل نص بما يناسبه.

مثال آخر:

قوله تعالى:

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [البقرة:173]؛

 أي حُرِّم عليكم أكلها.

والحق هو أن القرءان يخاطب قوما يفقهون ويعلمون، فالمحرم هو أكلها لا ذواتها، فالمعنى المشترك بين هذه الأمور هو قابليتها لأن تكون طعامًا للإنسان، ومع ذلك ففي هذه الحالة يوجد نصّ قرءاني يوضح الأمر، قال تعالى: 

{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم} [الأنعام:145]

مثال آخر:

يقولون: ((القول المنسوب إلى الرسول: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". هذه العبارة يدل ظاهرها على رفع الفعل إذا وقع خطأ أو نسيانها أو مكرها عليه، وهذا معنى غير مطابق للواقع لأن الفعل إذا وقع لا يرفع، فصحة معنى هذه العبارة تقتضي تقدير ما تصح به، فيقدر هنا: رفع عن أمتي إثم الخطأ؛ فالإثم محذوف اقتضى تقديره صحة معنى النص، فيعتبر من مدلولات النص اقتضاء)).

والحق هو أن ما رُفع هو مسكوت عنه، ولا يمكن أن يكون المقصود هو أنهم معصومون من الخطأ والنسيان، أما ما استكرهوا عليه فأمره مختلف، فهل هم غير مؤاخذين على الإطلاق بالخطأ والنسيان؟

والمسلمين مأمورون في القرءان بأن يدعوا ربهم ألا يؤاخذهم في حالة النسيان أو الخطأ، قال تعالى:

{.... رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين} [البقرة:286]

هذا رغم أنه لا جناح عليهم فيما أخطئوا به، قال تعالى:

{ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب:5]

أما ما استكرهوا عليه، فهم غير مؤاخذين به، ولو نطق بكلمة الكفر، قال تعالى:

{مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم} [النحل:106]

والقتل الخطأ توجد عليه عقوبة دنيوية، وهذا يدل على أن العقوبات الدنيوية لا تُرفع بالضرورة عن المخطئ.

ولكل ذلك فالقول المنسوب إلى الرسول يجب أن يُفقه في إطار ما جاء في القرءان.

ومن هذا التفصيل يثبت ما قدمناه في الإجمال، وهو أن كل معنى فُقِه من النص يكون من مدلولات النص، ويكون النص حجة عليه، لأن المعنى المأخوذ من عباراته هو المعنى المتبادر من ألفاظه المقصود من سياقه، والمعنى المأخوذ من إشارته هو المعنى اللازم لمعنى عبارته لزوما لا ينفك، فهو مدلوله بطرق الالتزام، والمعنى المأخوذ من دلالته هو المعنى الذي يدل عليه روحه ومعقوله، والمفهوم اقتضاء هو معنى ضروري اقتضى تقديره صدق عبارة النص أو استقامة معناه.

ويلاحظ أن المعنى في كلٍّ من دلالة الإشارة ودلالة الاقتضاء من لوازم معنى العبارة، إلا أنه في دلالة الإشارة لازم متأخر لا تتوقف صحة العبارة عليه، أما في دلالة الاقتضاء فهو لازم متقدم، لا يصح الكلام إلا به.

والحق هو أن ما يسمونه بدلالة الاقتضاء ليست من نوع الدلالات الثلاث الأخرى، وإنما هي بمثابة التقدير اللازم لكلمة لازمة للعبارة اللغوية إما بدليل أو بالبداهة والمنطق القرءاني، وبتقدير هذه الكلمة تصبح العبارة من نوع واحد أو أكثر من الدلالات الثلاث، والذي يهم هو الحكم المستخلص من النص.

مثال: قوله تعالى: 

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]،

 فالحكم بعد تقدير المقتضى هو: "حُرِّمَ عَلَيْكُمُ أن تطعموا الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ"، وهذا نص محكم وقطعي الدلالة في هذا التحريم، والتحريم هو أيضًا بعبارة النص؛ أي بدلالة العبارة، وهي أقوى الدلالات.

أما مقتضى العبارة أو النصّ في اصطلاحنا فهو ما يقتضيه النص بكافة معانيه الممكنة من المتِّبع لدين الحق.

أما دلالة الاقتضاء عندهم فليست إلا وسيلة للتوصل إلى المقتضى المشار إليه.

ويقولون: ((وطريق العبارة أقوى دلالة من طريق الإشارة لأن الأول يدل على معنى متبادر فهمه مقصود بالسياق، والثاني يدل على معنى لازم غير مقصود بالسياق، وكل منهما أقوى من طريق الدلالة، لأن كلا منهما منطوق النص ومدلوله بصيغته وألفاظه، ولكن طريق الدلالة مفهوم النص ومدلوله بروحه ومعقوله، ولهذا التفاوت يرجح عند التعارض المفهوم من العبارة على المفهوم من الإشارة، ويرجح المفهوم من أحدهما على المفهوم من الدلالة)).

والحق هو أنه لا يمكن أن يوجد تناقض بين أقوال القرءان في مسألة واحدة بحيث يلزم تقديم طريق على آخر، فكل آيات القرءان في نفس المسألة مأخوذة أصلًا في الاعتبار عند السعي إلى استخلاص قول القرءان في المسألة.

يقولون: ((ومثال التعارض بين المفهوم بالإشارة والمفهوم بالدلالة من النصوص الشرعية:

قوله تعالى: 

{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]،

 يؤخذ منه بطريق الدلالة من قتل مؤمنا متعمدا عليه ِأن يحرر رقبة مؤمنة، لأنه أولى من القاتل خطأ بهذا التكفير عن جريمته، لأن تحرير الرقبة كفارة للقاتل عن ذنبه، والعامد أولى أن يكفر عن ذنبه من الخاطئ، وقوله تعالى: 

{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93]،

 يؤخذ منه بطريق الإشارة أنه لا يجب عليه تحرير رقبة لأن الآية تشير إلى أنه لا كفارة لذنبه في الدنيا، إذا جعلت جزاؤه خلوده في جهنم لا غير، فلما تعارضا رجحت الإشارة على الدلالة، فلا يجب على القاتل عمدا تحرير رقبة)).

كلامهم يثبت أن التعارض إنما ينشأ من خطأ منهجهم في التعامل مع القرءان، أي من خطأ وقصور قواعدهم ومن محاولاتهم تلمس ما يؤيد قواعدهم من آيات القرءان؛ أو بالأحرى محاولة فرضها على الآيات، ومن حرصهم على استقطاع أصغر جزء من العبارات ليمكنهم إثبات كلامهم، وكلامهم يوحي بأن القتل الخطأ أشد إثمًا من القتل العمد، مع أن فرض الكفارة والدية على من قتل خطأً يعني أنه لا عقوبة دنيوية أو أخروية عليه بعد هذا.

أما القاتل عمدًا فعليه عقوبة في الآخرة، وعقوبة في الدنيا أصلا تصل إلى قتله قصاصًا لمن قتله، فما هي جدوى الكفارة أو تحرير رقبة، ولماذا الخلط في الأمور؟!

ولو مدوا نظرهم قليلا إلى الآية كاملة أو إلى سياقها لوفروا على أنفسهم الكثير من العناء والخطأ في الاستدلال، قال تعالى:

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)} النساء

فكيف كان من الممكن أن يفرض عليه كفارة وعتق رقبة ليغفر له بعد أن توعده بكل هذه العقوبات المغلظة الشديد؟!

فالآية تنص على أن المؤمن لا يمكن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً، وبالتالي فمن يتعمد قتل مؤمن ليس بمؤمن، فهو إما أن يكون كافرا يقتل المؤمن لإيمانه، وإما أنه تعمد قتل المؤمن في نزاع أو للحصول على شيء من متاع الدنيا، ومثل هذا لابد من القصاص منه.

وإما أنه محسوب ظاهرا على المؤمنين فقط، والآية 93 توضح أمر هذا القاتل بالذات، فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا، وهذا يدل على أن آثار جريمة القتل ستلاحقه وتحول بينه وبين التوبة والإيمان الحقيقي.

ولكن في أحوال استثنائية نادرة قد يتوب هذا القاتل توبة نصوحا ويحرص على أن يؤمن ويتشبث بذلك، وعندها تقتضي السنن أن يُغفر له بحمايته من آثار جريمته ما لم يتورط في الشرك، قال تعالى:

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48]

ويجب بالطبع التأكيد على أن العدل سيتحقق تحققا تاما، وأن الله تعالى سيقضي بين عباده في يوم الفصل، وسيعوض المظلومين من خزائنه التي لا تنفد.

*****

دلالة الاقتضاء فهي دلالة اللفظ على معنى مسكوت عنه يجب تقديره لصدق الكلام أو لصحته شرعا أو عقلا، والمعنى المدلول عليه بالاقتضاء يسمى المقتضى (اسم مفعول)،

وهي: زيادة على المنصوص يشترط تقديرها ليصير المنظوم مفيدا أو موجبا للحكم، وبدونها لا يمكن إعمال المنظوم وتصحيحه.

ومثالها قوله تعالى: 

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة3]،

 لا بد من تقدير محذوف وهو أكل الميتة، وقوله: 

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء 23]

 يقتضي تقدير محذوف وهو الوطء ودواعيه.

ومصطلحهم في هذه كمصطلح الجمهور، وإنما وقع الخلاف في عموم المقتضى أو المقدر.

ودلالة الاقتضاء هذه لا يجوز أن تدرج كدلالة مستقلة مع الدلالات المذكورة، فاللفظ المقتضى تقديره في العبارة هو خطوة أولى لازمة يمكن بعدها تصنيف دلالة العبارة.

مثال، قال تعالى: 

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ ....} [البقرة:173]

المحرم هو أن يطعموا الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ، فما يجب تقديره هو هذه الكلمة، وبعد هذا المقتضى يصبح النص قطعي الدلالة محكما لا يحتمل تأويلا في تحريم أكل الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ، فهذا المعنى هو من منطوق النص وعبارته ودلالته المباشرة.

فهذه الدلالة هي مُقْتَضَى بيان المعنى، فهي زيادة على النَّصّ لا يَتَحَقَّق مَعْنَى النَّصّ إلا بها، فهي دلالة المنطوق على ما يتوقَّف صِحَّتُه عليه عقلاً أو شرعا، وهي زيادة على المنصوص عليه يُشْتَرَط تقديمه لِيَصِير المنظوم مفيداً أو مُوجِبا لِلحُكْم

فالمراد بما يفهم من اقتضاء النص المعني الذي لا يستقيم الكلام إلا بتقديره، فصيغة النص ليس فيها لفظ يدل عليه ولكن صحتها واستقامة معناها تقتضيه، أو صدقها ومطابقتها للواقع تقتضيه.

إن ما يسمونه بدلالة الاقتضاء ليس من نوع الدلالات الثلاث الأخرى، وإنما هي بمثابة التقدير اللازم لكلمة لازمة للعبارة اللغوية إما بدليل أو بالبداهة والمنطق القرءاني، وبتقدير هذه الكلمة تصبح العبارة من نوع واحد أو أكثر من الدلالات الثلاث الأخرى، والذي يهم هو الحكم المستخلص من النص.

وكل معنى فهم من النص بطريق من هذه الطرق يكون من مدلولات النص، ويكون النص حجة عليه، ذلك لأن المعنى المأخوذ من عباراته هو المعنى المتبادر من ألفاظه المقصود من سياقه، والمعنى المأخوذ من إشارته هو المعنى اللازم لمعنى عبارته لزوما لا ينفك، فهو مدلوله بطرق الالتزام، والمعنى المأخوذ من دلالته هو المعنى الذي تدل عليه روحه ومعقوله، والمفهوم اقتضاءً هو معنى ضروري اقتضى تقديره صدق عبارة النص أو استقامة معناه.

ويلاحظ أن المعنى في كلٍّ من دلالة الإشارة ودلالة الاقتضاء من لوازم معنى العبارة، إلا أنه في دلالة الإشارة لازم متأخر لا تتوقف صحة العبارة عليه، أما في دلالة الاقتضاء فهو لازم متقدم، لا يصح الكلام إلا به.

أما دلالة الاقتضاء فهي دلالة اللفظ على معنى مسكوت عنه يجب تقديره لصدق الكلام أو لصحته شرعا أو عقلا، والمعنى المدلول عليه بالاقتضاء يسمى المقتضَى.

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457