مسألة إقامة الصلاة باختصار

مسألة إقامة الصلاة ثابتة بالقرءان الكريم، ولم تكن لتنتظر أكثر من مائتي سنة ليكشف البخاري وشركاؤه (أسرارها) للناس.

بل إنها كانت معلومة للأمم السابقة: عرفها المصريون القدماء والبابليون والمجوس والصابئة والعبرانيون، ولذلك كان لديهم صور منها، ولذلك يتهم بعض الجهلة الإسلام بأنه نقلها عن غيره، هذا مع أن الدين الأصلي واحد، مع أنه لم يرد أبدًا في القرءان أنها أمرٌ جديد خاصّ بهذه الأمة.

والإسلام لم يبدأ بالرسالة المحمدية، وإنما كان القرءان كما هو مذكور فيه مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، قال تعالى:

 {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون} [المائدة:48]

وباتباع النهج القرءاني يتبين ما يلي:

الرسول كان مأمورًا باتباع ملة إبراهيم، قال تعالى:

 {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} [النحل:123].

ومن البديهي أن الله تعالى قد أمره باتباع ما هداه إليه: 

{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} [الأنعام:161]

عناصر ملة إبراهيم مذكورة في القرءان، إبراهيم عليه السلام كان مأمورًا بإقامة الصلاة، ولذلك كان حريصًا على أن يوفقه ربه لأدائها، فقد كان عبدًا خالصًا لله تعالى، قال تعالى:

{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء} [إبراهيم:40]

ولكن ذريته من بني إسرائيل أضاعوها، قال تعالى: 

{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)} مريم

فقد أضاعها بنو إسرائيل بصفة عامة، ولكن مازال لدى بعض طوائف اليهود شيء منها.

أما ذريته من بني إسماعيل فقد حفظوها لشدة حرص إسماعيل عليه السلام عليها، وهذه مأثرة جعلها الله تعالى قرءانا يُتلى، قال تعالى: 

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)} مريم.

لذلك ظل الصفوة من بني إسماعيل يتناقلونها، وكانوا يقيمونها، وكان المسلمون طوال العصر المكي، من قبل الإسراء والهجرة، يؤدونها، والأوامر بها موجودة في سور مكية، ولقد أمرهم الله تعالى بأن يقيموا الصلاة كما أمرهم بأن يأكلوا وأن يشربوا على ألا يُسرفوا، فلم يكن الأمر يستدعي تعليمهم إقامة الصلاة كما لم يستدع تعليمهم كيف يأكلون وكيف يشربون.

الذي حدث في العصر النبوي تطهير الصلاة من بعض ما لحق بها لطول العهد بكيفياتها والتأكيد على جوهرها ومضمونها وأركانها الحقيقية والذكر وتلاوة القرءان والتسبيح فيها، وقد ورد كل ذلك موزعا، طبقًا للنهج القرءاني، على آيات عديدة.

تمثل كل ذلك في تلك الصورة البسيطة التي علمهم إياها، وأدوها معه، وتأسوا به في تلاوة القرءان والتسبيحات التي أمرهم بها، ولم يكن ذلك أبدًا بتلك الصورة النمطية الآلية الرهيبة التي هي عليها اليوم، فبعد الالتزام بالإطار العام البسيط هي مجال للإبداع الذاتي والتفاعل الحرّ للإنسان مع ربه.

انتقلت إقامة الصلاة الشعائرية بالتواتر العملي الجماهيري؛ نقلها مئات إلى ألوف إلى ملايين إلى أن دونها أئمة (الفقه)، وكان من البديهي أن تختلف من إمام إلى آخر، فلم يكن للصلاة الشعائرية، أصلا، صورة جامدة آلية ثابتة، ولا يمكن أن يحدث ذلك أصلا في دين من أهم سماته أنه دين يُسر ولا حرج فيه.

إقامة الصلاة الشعائرية هي أمرٌ واحد من أوامر الدين الكبرى، لا يجوز تنميطها أو استخدامها لضرب الأوامر الأخرى والتقليل من شأنها أو إبطالها، الصلاة هي وسيلة لأوامر أكبر مثل ذكر الله وترسيخ الصلة به وتلاوة كتاب الله والانتهاء عن الفحشاء والمنكر.

من بعد أن توارى دين الحقّ حدث غلوّ في شأن الصلاة الشعائرية وشكلياتها وكل ما يتعلق بها، كما تمّ توثينها، وأصبح مقياس الأكرمية ضرب أرقام قياسية في عدد الركعات التي تؤدى يوميا، وشجع المجرمون والطغاة والفاسقون الذين استولوا على السلطة هذا الغلو والتوثين، وقد استجاب لهم رجال دينهم، ومازال أكابر المجرمين المتسلطين يتوارثون ذلك المسلك، وأصبحت كل ذنوب وآثام الخليفة الجائر الظالم اللص المجرم المفسد في الأرض مغفورة عند رجال دينه طالما لم يعطل إقامة الصلاة ولم يظهر كفرا بواحا!!! والأهم أنهم ألزموا (الرعية) بذلك فقضوا عليها بأن تظل في جحيم الجهل والتخلف والاستبداد والطغيان.

وبذلك توارى دين الحقّ، وحلت محله أديان شركية بديلة، وتمَّ وضع كل ما يلزم من قواعد لمنع ظهوره.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63