المخيلة

المخيلة هي ملكة قلبية عامة بها يتصور الإنسان عالم الأمر وما يتضمنه من المعاني وغيرها وكذلك عالم اللطائف وعالم الخيال أو البرزخ، وبه يؤلف Synthesise أيضا مما لديه من الصور ما يناسب المعني أو الكيان اللطيف، وبه أيضًا يضفى مما لديه من المعاني على المباني، أو يؤلف من المباني ما يُناسب المعاني، وبه يلتقط مما تركه السابقون من الصور والافكار والتصورات والمفاهيم والعقائد ما هو متوافق معه.

وبتلك الملكة أيضا يبث الإنسان ما لديه من نتاج ملكاته في عالم الخيال ليلتقطها من هو متوافق معه، وبالمخيلة يستطيع الإنسان التقاط بعض الغيوب النسبية، ذلك لأنه ما من أمر قُدِّر أو كُوِّن إلا ولا بد له من صورة في عالم الخيال يلتقطها من تزكَّت لديه تلك الملكة ومن كان متوافقاً معها.

فالمخيلة هي الملكة التي تستحضر الصور (أي الهيئات المؤلفة من المعاني أو المواد أو المفردات المرتبطة مع بعضها البعض برباط ما)، وهي التي تشكل صورا للكائنات غير المدركة وللمعاني والأمور اللطيفة مما لدى الإنسان من صور مختزنه في الحافظة، وهي أيضا التي تضفي أشياء غير حقيقية على الأمر المدرك فتجسمه أو تقلل من شأنه أو تصبغه بصبغة من لدنها أو تضفي صفة على كائن ما أو تفترض ما لا وجود له.

*****

المخيلة هي ملكة قلبية، بهم يجرد القلب الشيء المحسوس ويلطف الكثيف ويكثف اللطيف ويركب صور خيالية مما لدى حافظة الإنسان بناءً على الحالة التي يجد نفسه فيها.

*******

إن لدى الإنسان ملكة قلبية خلاقة مبدعة هي المخيلة، بهذه الملكة يولد أفكارا وصورا ومفاهيم وتصورات قد تسعده وقد تشقيه، ويخفف من آثار إحساسه بذلك وجوده المادي الكثيف، ويعتمد ذلك على مرتبته وهيئته النفسية وما لديه من عقائد وعلوم ومنظومة قيم، فإذا ما تحرر الإنسان من جسمه صارت تلك الملكة بما اكتسبته وبرمجت عليه نتيجة لآثار أعماله وطريقة استعمالها (أي الملكة) له أو عليه، فإن كانت أعماله سيئة ولم يكن يستعمل مخيلته إلا في الشر فكلما عُذِّب تخيل عذابا أكبر فيتحقق بالنسبة إليه فيكون تعذيبه لنفسه بنفسه، بالإضافة إلى أن ما كان يتخيله سيكون من آلات تعذيبه.

والمخيلة من الملكات الخاصة بالإنسان والمميزة له، وهي مرتبطة بعالم الخيال؛ فهو مجالها الذي يتضمن لوازمها من العناصر والمكونات.

*******

إن المخيلة الإنسانية في الحقيقة مقيدة، والملكات الذهنية أوسع منها من حيث المدى والإحاطة والنفوذ، ذلك لأن مادة الخيال هي هذا العالم المحسوس، فمنه يستمد الإنسان الصور والتصورات، ولذا فإن الإنسان قادر على تصور ما يسمح به عالم ثلاثي الأبعاد خاضع لقواعد الهندسة الإقليدية ولكنه لا يمكن أن يتصور أو يتخيل عالما إقليديا ذا أبعاد أكثر من ذلك (مثل الكرة في عالم خماسي الأبعاد مثلا) ولا عالما غير إقليدى  (Non-Euclidean Space)، وإن كان يمكنه التعامل مع هذا العالم من حيث الملكات الذهنية وباستخدام القواعد والمفاهيم الرياضية، ولكن يمكن للمخيلة الإنسانية إذا ما تزكت أن تختصر للإنسان كثيرا من الطريق نحو التحقق بكماله المنشود.

*******

إن للمخيلة الإنسانية شأنًا هائلًا في عالم البرزخ، فعندما تكف النفس عن الانشغال بجسمها وتتجه صوب هذا العالم تكون الغلبة عادة للمخيلة، فمن كانت هذه الملكة لديه أشد يقظة سيكون هناك أشد إدراكا لتجليات وتفاصيل هذا العالم، ويقظة المخيلة أو نموها في الحياة الدنيا يعتمد على طبيعة الشخص، وهي في النساء والأطفال أقوى منها لدى الرجال، ولإيقاظ هذه الملكة وتنميتها أساليب معروفة لدى شتى الطوائف، وأشد الناس تزكية لها الصوفية واليوجية، وبتيقظها يصبح الإنسان أشد إدراكًا للعالم الخيالي البرزخي، ولكن هذا التيقظ سلاح ذو حدين، وهو لا يعني أبدًا ارتفاع الدرجة على المستوى الجوهري، فقوة حاسة الخيال مثلها مثل قوة الجسم المادي.

*******

إن المخيلة هي من أوسع الملكات القلبية من حيث القدرة على تجسيد المعنى وتلطيف المبنى، وبها يتصور الإنسان عالم المعاني وعالم اللطائف والعالم الأمري بصفة عامة، وبها يمكن أن يشكل صورة لكل إحساس يمكن أن يعتوره، وبها يركِّب القلب من الصور ما يشاء، وبها يمكن أن يلتقط القلب ما شاء مما تركه السابقون من صور وأفكار وتصورات ومفاهيم وعقائد إذ هي سابحة في عالمها محفوظة فيه يلتقطها من ضبط مخيلته معها.

فبالمخيلة يمكن أن يتصور الإنسان ما لا صورة له، وما إن يفعل حتى تُبث صورته تلك في عالم الخيال أي العالم البرزخي، فيلتقطها من توافقت معها مخيلته، وبالمخيلة المتيقظة قد يلتقط الإنسان بعض الغيوب الكونية، فلا بد لكل أمر قُدر أو تعين من صور واحتمالات له سابقة عليه.

وكل من عقد العزم على صحة عقيدة ما سيستقبل من عالم الخيال ما يؤكدها من الصور التي كونها وبثها أسلافه، وسترفض مخيلته كل ما تعارض معها.

 *******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458