top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 159، خلاصة بحوثنا في التقويم، 2019، (1)

النسيء الكفري والتقويم

قال تعالى:

{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)} التوبة

آية التوبة 36 تؤكد اعتماد الأشهر القمرية وتقرّه، وكذلك تؤكد حرمة أَرْبَعَة أشهر معلومة منها، وهي تنهى عن الظلم في الأشهر الحرم، والظلم منهي عنه في كل وقت، ولكن النهي عنه مؤكد في هذه الأشهر بالذات، أي لا يجوز بالأولى أن يتظالم المسلمون في هذه الأشهر الحرم.

فقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} يعني أن الأشهر المعتمدة هي الأشهر القمرية وأنها هي المعول عليها في تحديد الأشهر الحرم، فالإسلام أقرَّ واعتمد اختيار العرب للدورة القمرية لتحديد الشهر، وهذا ما تؤكده أو تتضمنه الآيات:

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [البقرة:189]، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [البقرة:217]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [المائدة:2]، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقرءان هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [البقرة:185]

والقتال في الشهر الحرام من الكبائر.

فعِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، هذا أمر مقرر ومقدر منذ خلق الله السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، ولذلك كان لابد من اقتران ذلك بظواهر فلكية ثابتة بحيث تصل البشرية جمعاء ومن كافة الاتجاهات إلى نتائج متشابهة، والنص على أن ذلك كان فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ يتضمن أن اهتداء الإنسان إلى ذلك كان بوحيٍ إلهي.

والتقويم The calendar هو حاجة أساسية وملحة لكل حضارة نشأت في الأرض، وكان لابد بالطبع من ارتباط الوحدات الزمنية الرئيسة (يوم-شهر-سنة) بظواهر فلكية دورية مناسبة، وكون هذه الظواهر مختلفة ومستقلة يجعل الحاجة إلى التقويم (بمعنى التصحيح Correction) أمرًا ملحا، واختلاف الطرق التي اتبعتها الشعوب على مدى التاريخ لمعالجة هذه المشكلة هو الذي تسبب في وجود تقاويم عدة.

فكل وحدة زمنية لابد من ارتباطها بدورة فلكية، وكل دورة كبيرة لا تتضمن بالطبع أعدادا صحيحة من الدورات الأصغر، وذلك لاختلاف الظواهر الطبيعية، وهذا ما يستلزم التقويم (بمعنى التصحيح)، ولولا التقويم لتراكمت الفروق وخرجت بالتقويم عن مقاصده.

والوحدة الأولي الظاهرة لكل الناس هي اليوم المكون من الليل والنهار، فهو ناتج أو معبر عن دوران الأرض حول نفسها بينما هي (تدور) حول الشمس أيضا، فهذا اليوم ناتج من دوران الارض حول نفسها مرة كل 24 ساعة تقريبا من منظور شمسي، وهي تدور في الحقيقة مرة كل 23 ساعة و56 دقيقة و4 ثواني من منظور نجمي، ودوران الارض حول نفسها يتباطأ بمرور الوقت، فاليوم في الماضي كان أقصر مما هو عليه الآن، وذلك بسبب تأثيرات المد والجزر التي يسببها القمر على دوران الأرض.

أما الشهر الطبيعي فهو ناتج أو معبر عن اكتمال دورة للقمر حول الأرض، والقمر يدور حول الأرض في فترة زمنية مقدارها 27 يوما و7 ساعات و43 دقيقة و 11.87 ثانية؛ أي حوالي 27 يوما وثلث اليوم، وهذه الفترة الزمنية تُعرف بالشهر القمري النجمي، ولكن بعد انقضاء هذه المدة الزمنية من عمر القمر الوليد، لا يعود القمر للاقتران مرة أخرى، وذلك لأن الأرض تكون قد سبقت القمر بحوالي 27 درجة، وبما أن القمر يقطع في اليوم الواحد مقدار 13 درجة في المعدل، فإن القمر يحتاج لأكثر من يومين حتى يصبح في الاقتران، لذلك تصبح المدة الزمنية للشهر القمري الوسطي 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة و3 ثوان، وليست هذه هي المدة الزمنية للشهر القمري الاقتراني دائما، بل هي معدل مدة الشهر القمري الاقتراني، حيث تتغير مدة هذا الشهر من شهر لآخر، وذلك بسبب عدة عوامل مثل تغير سرعة القمر في دورانه حول الأرض، وتغير سرعة دوران الأرض حول الشمس، .... الخ، وذلك يبين أنه لابد من تقويمٍ ما، وذلك يظهر في اختلاف عدد أيام الشهر من 29 إلى 30 يوما، فلا يمكن أن يبدأ الشهر في منتصف النهار مثلا، فلابد دائما من التقريب أي التقويم.

أما السنة الطبيعية فهي السنة الشمسية، وتنتج عن دوران الأرض حول الشمس، ومدتها 365 يوما و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، أي ما يعادل 365.2425 يوما، وهي السنة المتسقة مع الفصول المناخية، وفي السنة الشمسية تتناوب الفصول لتعود إلى حيث بدأت عند البداية.

ففي تتابع الأشهر الشمسية توجد نقطة محددة يمكن الرجوع إليها، فالوضع الفلكي المناخي في نهاية السنة الشمسية هو مثل بدايتها، والحديث هو عن الأوضاع الفلكية النسبية، حيث أن الشمس تجري ومعها كواكبها.

وتتابع الأشهر القمرية لا يرتبط بظاهرة طبيعية أو فلكية متكررة، فلا توجد أية دورية Periodicityفي ذلك، ولا يمكن القول بأن السنة تساوي 12 شهرا إلا في إطار تقويم حقيقي يحقق الدورية المطلوبة ولو كان ذلك على مدى أطول؛ فلا معنى لهذا الرقم إلا أنه عدد الأشهر القمرية الطبيعية داخل السنة الشمسية، ولذلك فإضافة ما يلزم للتقويم (بمعنى التصحيح اللازم) لا يعني تغيير عدد الأشهر، فسيظل ما تحتويه السنة الشمسية من الأشهر القمرية الطبيعية ثابتا.

فارتباط الوحدات الزمنية الرئيسة (يوم-شهر-سنة) بظواهر فلكية دورية مختلفة يجعل الحاجة إلى التقويم Correction   أمرًا ملحا، واختلاف الطرق التي اتبعتها الشعوب على مدى التاريخ لمعالجة هذه المشكلة هو الذي تسبب في وجود تقاويم عدة، فبدون التقويم Correctionلا معنى للتقويم Calendar.

فعِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عَندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرا، هي الشهور القمرية المعلومة، فبها يتم تحديد الصيام والحج والأشهر الحرم، فمن هذه الشهور القمرية أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ.

وقد اختلفوا فيما يتعلق بأول شهر من الأشهر العربية، وقد ورد في الآثار أن اختيار التقويم واختيار بدايته كانا محلا جدال بين المسلمين فيما بينهم وكذلك فيما بينهم وبين غيرهم.

إنه لما كانت الأشهر القمرية متكافئة، ولما كان تتابعها وعددها غير مرتبط بظاهرة فلكية دورية، فإنه كان يمكن اختيار أي عدد من الشهور ليكوِّن السنة القمرية، وتحديد عدد الشهور باثْنَي عَشَرَ شَهْرًا يبين أن السنة شمسية-قمرية، فهذا العدد هو عدد الأشهر القمرية الطبيعية الذي يمكن أن تحتويه السنة الشمسية.

والسبب الثاني هو أنهم عندما كانوا يستعملون النسيء كانوا حريصين على بقاء عدد الأشهر الحرم سليما، ولذلك كانت أشهر السنة تتجاوز العدد 12، ولقد منع القرءان مسلكهم هذا بتحديد عدد الأشهر.

جاء في روح المعاني للألوسي: ((وفي بعض «شروح البخاري» أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب إنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري بأيها نعمل، وقد قرأنا صكا محله شعبان فلم ندر أي الشعبانين الماضي أم الآتي. وقيل: إنه هو رضي الله تعالى عنه رفع إليه صك محله شعبان فقال: أي شعبان هو؟ ثم قال: إن الأموال قد كثرت فينا وما قسمناه غير مؤقت فكيف التوصل إلى ضبطه فقال له ملك الأهواز وكان قد أُسر وأسلم على يده: إن للعجم حسابا يسمونه ماه روز يسندونه إلى من غلب من الأكاسرة ثم شرحه له وبين كيفيته فقال رضي الله تعالى عنه: ضعوا للناس تاريخا يتعاملون عليه وتضبط أوقاتهم فذكروا له تاريخ اليهود فما ارتضاه والفرس فما ارتضاه فاستحسنوا الهجرة تاريخا)).

وهذا يبين أن أمر التقويم لم يكن بالصورة الأسطورية المهولة الراسخة الآن في قلوب التراثيين وأنه كان من الممكن أن يرتضي عمر بن الخطاب التقويم الفارسي أو اليهودي!! ولو فعل لكان ما ارتضاه هو الساري إلى الآن!!!! وكيف لا؟! إنه عمر!

ويقدم الألوسي في روح المعاني شرحًا مفيدًا ووافيًا للمقصود بكلمة "شهر" وأنه ينقسم إلى شرعي وحقيقي واصطلاحي، فيقول:

((والشهر عندهم ينقسم إلى شرعي وحقيقي واصطلاحي؛ فالشرعي معتبر برؤية الهلال بالشرط المعروف في الفقه، وكان أول هلال المحرم في التاريخ الهجري ليلة الخميس كما اعتمده يونس الحاكمي المصري وذكر أن ذلك بالنظر إلى الحساب، وأما باعتبار الرؤية فقد حرر ابن الشاطر أن هلاله رؤي بمكة ليلة الجمعة.

والحقيقي معتبر من اجتماع القمر مع الشمس في نقطة وعوده بعد المفارقة إلى ذلك، ولا دخل للخروج من تحت الشعاع إلا في إمكان الرؤية بحسب العادة الشائعة، قيل: ومدة ما ذكر تسعة وعشرون يوما ومائة وأحد وتسعون جزءا من ثلاثمائة وستين جزءا لليوم بليلته، وتكون السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وخمس يوم وسدسه وثانية وذلك إحدى عشر جزءا من ثلاثين جزءا من اليوم بليلته، وإذا اجتمع من هذه الأجزاء أكثر من نصف عدوه يومًا كاملا وزادوه في الأيام وتكون تلك السنة حينئذٍ كبيسة وتكون أيامها ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما، ولما كانت الأجزاء السابقة أكثر من نصف جبروها بيوم كامل، واصطلحوا على جعل الأشهر شهرا كاملا وشهرا ناقصا، فهذا هو الشهر الاصطلاحي، فالمحرم في اصطلاحهم ثلاثون يوما وصفر تسعة وعشرون وهكذا إلى آخر السنة القمرية الأفراد منها ثلاثون وأولها المحرم والأزواج تسعة وعشرون وأولها صفر إلا ذا الحجة من السنة الكبيسة فإنه يكون ثلاثين يوما لاصطلاحهم على جعل ما زادوه في أيام السنة الكبيسة في ذي الحجة آخر السنة.

وحيث كان مدار الشهر الشرعي على الرؤية اختلفت الأشهر فكان بعضها ثلاثين وبعضها تسعة وعشرين في بعض آخر منها.))

فهذا الكلام المعلوم والمتبع بالفعل لا يكاد المحسوبون على الإسلام يعلمون عنه شيئا.

وآية التوبة 36 توضح أن وجود الأشهر الحرم واحترامها وتعظيم شأنها من ٱلدِّين ٱلْقَيِّم؛ أي المستقيم ذي القيمة والهيمنة، دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

والمسلمون مأمورون بألا يَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَهمْ بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرِّم في الأشهر الحرم، وتخصيصها بالنهي لتعظيمها، ولله سبحانه أن يميز بعض الأوقات على بعض فاقتراف المعصية فيهن أعظم وزرا كاقترافها في الحرم وحال الإحرام أو كاقتراف كبيرة في أحد المساجد مثلا، فالآية تؤكد على تحريم الظلم في الأشهر الحرم، وإلا فالظلم محرم في الشهور كلها.

والجمهور على أن حرمة القتال في الأشهر الحرم منسوخة وأن الظلم فيها مؤول باقتراف المعاصي، وهذا غير صحيح، فلا وجود لآيات قرءانية منسوخة، والقتال في الأشهر الحرم من الكبائر إلا إذا كان ردًّا لعدوان، وذلك طبقًا للأوامر القرءانية المحكمة:

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين} [البقرة:194]، {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} [البقرة:190].

والأمر {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} هو موجه بالأصالة إلى أمة المؤمنين التي آمنت بالرسول واتبعته، وذلك لحسم الأمر مع قوم الرسول وفقًا السنن المتعلقة بأقوام الرسل، فالمشركون هاهنا هم المشركون المعهودون؛ أي هم المشركون بالمعنى الاصطلاحي الذين لم يكتفوا برفض الرسالة الإلهية إليهم، وإنما انخرطوا في حربٍ عدوانية ومصيرية ضد الأمة المؤمنة.

فالأمر مندرج في سياق كل الآيات التي تتحدث عن القتال وشروطه الشرعية، ولا يجوز استعماله لإلغاء أية آية قرءانية، ولقد أعلن القرءان أن أكثر الناس بما فيهم الذين آمنوا مشركون، قال تعالى:

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} [يوسف:106]، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)} الروم

فلو كان الأمر بقتال المشركين أمرًا مطلقا لوجب على المسلمين مقاتلة أكثر الناس بل مقاتلة أنفسهم، فأكثر الناس، بما فيهم الذين آمنوا هم، بنصّ القرءان مشركون، ومن بعد تفريق الدين أصبحت كل شيعة تعتبر المسلمين الآخرين كفارا ومشركين، وهذا يعني طبقا للتفسير المغلوط حتمية نشوب حروب متداخلة متشابكة متبادلة، وهذا هو المحال، ولا تكليف بالمحال، والأصل هو السلم، والأمر هو بالجنوح إليه وتفضيله على غيره.

وللقتال شروطه في القرءان، وأهمها أن العدوان منهيٌّ عنه نهيًا باتا إلا ردا لعدوان، ويحب ألا يتجاوز الردّ المثل، وهو لا يكون إلا لاسترداد الديار والأموال وللقضاء على الفتن والاضطهاد الديني ولنصرة المستضعفين.

1

bottom of page