قرية متميزة (مجموعة قصصية)

1لحوم مسمومة

الجدول

نشأ حشاد البهيمي في أحد المناطق العشوائية في القاهرة، كان "البهيمي" هو اسم عائلته التي هاجرت إلى القاهرة من الصعيد بحثا عن الرزق، كان هذا بعد أن ضاقت بهم السبل في قريتهم وأدركوا استحالة العيش فيها، كان لقب العائلة هو البهيمي، لا يدري أحد هل كان هذا هو اسم جد العائلة أم إنه لقب أطلقه أحد الناس عليه واشتهر بعد ذلك به!

بالطبع قاسى المنتمون إلى ذلك البهيمي الأمرين بسبب هذا الاسم، كانوا دائمًا موضع تندر صبية وشباب القرية الذين لم يرقبوا فيهم إلَّا ولا ذمة، وفي كل مكان كان الويل لمن يُضطر إلى ذكر اسمه كاملا لأحد من الناس لأي سبب من الأسباب.

في الحي العشوائي بالقاهرة بدأت الأسرة حياتها الجديدة، عمل والداه في شتى المهن المتواضعة والشاقة ليعولا أبناءهما، ذاق معهما مرارة الفاقة والجوع والحرمان.

في بيتهم العشوائي في الحي العشوائي في أطراف المدينة كانت تقاسمهم العيش أسر عديدة، تعرف من بينهم على مبروك، كان يماثله تقريبا في السن، نشأت بينهما صداقة بحكم الجيرة، وبحكم أنه كان يعاني مثله من البؤس والحرمان وقسوة الحياة.

التحقا معًا بذلك المعهد الأزهري الذي تمَّ إنشاؤه حديثا بالقرب من المنطقة بناءً على طلب الجماهير العريضة وإلحاحهم، كان ذلك في زمن تلك الصحوة (الدينية) العاتية التي اجتاحت البلاد بأمر شياطين الإنس والجن فقلبت الأمور رأسًا على عقب، وقضت على أكثر القيم الدينية والإنسانية والوطنية في البلاد مفسحة الطريق لعصر جهلوتي فاسد منافق مظلم، ففي زمن تلك الصحوة انتشرت تلك المعاهد وتكاثرت في شتى ربوع مصر.

لاحظ أن صديقه يأخذ أمور الدين بجدية شديدة، سمعا معا مرة مدرس إحدى المواد الدينية يقول إن أحد الخلفاء العباسيين كان يصلي كل ليلة مائة ركعة، أبدى حشاد دهشة شديدة، وأخذ يترضى عنه بصوت عالٍ، نظر إلى صديقه، وجدَه يصغي باهتمام شديد دون أن ينطق بحرف.

أثناء عودتهما كالعادة سيرا على الأقدام بدأ مبروك الحديث:

  • هل سمعت ما قاله المدرس

  • بالطبع

  • وما رأيك؟

  • ماذا تقصد؟ لقد أبديت رأيي أثناء الدرس بينما ظللت أنت صامتا!

  • كنت أفكر في مدى صدق ما قاله المدرس!

  • وما الذي يضطره للكذب؟

  • أقصد صدق القصة التي رواها.

  • وما الذي يضطر من نقلها ليكذب؟

  • إذًا لماذا لا نفعل مثل ذلك الخليفة خاصة وأن التهجد مذكور في القرءان؟

  • أوووه، كيف نفعل مثله؟ إنه كان خليفة!

  • بل يجب لذلك بالذات أن نفعل مثله، رغم أنه كان خليفة يحكم أكثر العالم المتحضر في وقته لم يقصِّر في واجباته تجاه ربه، ونحن مازلنا في مطلع الشباب ودون مسئوليات.

  • دون مسئوليات؟ ألا تعلم أنني أساعد والديّ في شتى أعمالهما بعد عودتي إلى البيت؟

  • لا تكن كسولا، أداء مائة ركعة قد لا يستلزم إلا ساعة واحدة، أتبخل على نفسك بساعة؟ من طلب العلى سهر الليالي، ما رأيك أن نصليها معًا ويشد كلٌّ منا أزر الآخر؟

  • دعني أفكر

  • الموضوع لا يحتاج أي تفكير، يمكننا الاستيقاظ قبل الفجر بساعة لنصليها، أو نصليها قبل النوم، ماذا تختار؟

  • لماذا لا نؤجل هذا الموضوع إلى الصيف بدلا من الاستيقاظ في هذا البرد القارس؟

  • يبدو أنه لا فائدة تُرجى منك، سأنتظرك قبل الفجر!

  • لا تنتظر شيئا، فحتى لو تمكنت من الاستيقاظ قبل الفجر فسأنفق الوقت المتاح فيما هو أجدى وأنفع!

  • وما هو؟

  • مراجعة دروس اليوم السابق وقراءة ما تيسر من دروس اليوم الجديد، لابد من التفوق الحاسم في الدراسة، أما أنت، فلا تنسنا من دعائك!

أظهر هذا الحوار لكلٍّ منهما طبيعة الآخر، إن مبروك يأخذ كل أمور الدين بجدية شديدة، يحوِّل كل ما يسمعه إلى برنامج عمل يلزم به نفسه قبل أن يلزم به غيره، لم تكن المكاسب المادية تعنيه كثيرا، بينما كان حشاد ينظر إلى الدين كمهنة يتعلمها في المعهد ليحصل بها رزقه من بعد.

*****

1

1.png