نظرات في تاريخ السلف

الوصف المختصر لمباراة (معركة) صفين
1

الوصف المختصر لمباراة (معركة) صفين


كان الناس يعيشون تماما كالملائكة، ومن فرط قداستهم ربما كانوا يطيرون فوق الأرض حتى لا تدنس أقدامهم، كان كبارهم –باستثناءات قليلة- يتمرغون في الدنيا ظهرا لبطن ويقتنون في قصروهم ما لذَّ وطاب من شتى أنواع النساء ويكنزون القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والتي نهبوها من الشعوب التي أبت أن تتعلم الفضيلة على أيديهم.

وفجأة ظهر شيطان مريد اسمه ابن سبأ، لم يظهر في العالم الحقيقي وإنما في خيال معلق آخر من أتباعنا، كان يجمع بين كل الصفات التي يكرهها أتباعنا من الأعراب، فهو ابن يهودية وأسود ورافضي من قبل أن يوجد الرافضة، ورغم أنه كائن خيالي فإنه تمكن من الإيقاع بين هؤلاء الملائكة، تلاعب بهم كما يشاء وكيف يشاء وبسهولة لم تخطر ببال الشيطان نفسه، كان أمهر منهم في الطيران، يطير من اليمن إلى مصر إلى العراق في غير زمن يُذكر، كان سرّ نجاحه مهارته في الطيران السريع وقدرته على التلون والمناورة، ولا عجب في ذلك، فهو مجرد كائن خيالي لم يبرح أبداً خيال صاحبنا، كان يظهر دائماً في الوقت والمكان الذي يريده صاحبنا ليسد الثغرات في السيناريو المهلهل الذي وضعه، ويبدو أن صاحبنا هذا اكتسب براعته تلك من عشقه للأفلام الهندية التي ستظهر من بعد في القرن العشرين، يا له من مؤلف بلا نظير، وهكذا قرر أمير البغي وإمام الداعين إلى النار والملك العضوض (الذي سيقرر سلفنا المقدس أن يتخذه إماما وكاتبا للوحي وخالاً للمؤمنين ومعيارا للتمييز بين الكفر وبين الإيمان وربا حقيقيا ومصدر للسنن والتشريعات والقوانين) التمرد على الإمام الشرعي للحصول على أقصى ما يمكنه الحصول عليه من الدنيا، خاصة وقد علم أن كل ما بناه وخطط له على وشك الانهيار، وأنه سيجد نفسه لا محالة طريداً للعدالة، صحيح أنه قد اقترف من الجرائم ما لا يجرؤ على اقتراف مثله أحقر رئيس الآن في دولة من أشد الدول تخلفا لكنه لم يحقق بعد شيئا يعادل ما يتطلع إليه، نعم لقد اعتبر كل مال ولايته ماله الخاص له مطلق التصرف فيه وأنشأ لحساب نفسه جيشا خاصا يدين له وحده بالولاء المطلق وانفرد بقبائل الشام وخاصة بني كلب يعلمها الدين الذي صاغه هو وطرد كل من تسول له نفسه الاحتجاج على ذلك وحظر دخولهم مملكته، ولكنه لم يشف غليله بعد ممن قتلوا سادة قبيلته الأموية، لم يستمتع برؤية مذابح على نطاق واسع، لم يستول على باقي الولايات الأكثر ثراء، لم يقوض بعدُ الدين الذي قوض سلطان الأمويين على قريش، إنه يريد مساحة أوسع للحركة والفعل والتأثير، وهو يعلم أن كل الظروف تلعب لصالحه وأن أكثر الناس مهما رفعوا من شعارات مقدسة هم في الحقيقة عبيد الدنيا، وهكذا كان سلفنا المقدس أيضا، وهكذا قرر رفع شعار المطالبة بدم الخليفة الذي تركه يُقتل ليتجر بقميصه من بعده، هل رأيتم كيف كان السلف المقدس والخلف الضال المفلس محقين في الولاء المطلق لمعاوية أمير الصعاليك الأفاقين وخال المجرمين؟

كان الإمام الشرعي يدرك حقيقة أمير البغي ولكنه حاول تذكيره بقيم الدين وتحذيره من سفك دماء المسلمين، حاول استعمال الطرق الدبلوماسية، كان أمير البغي يدرك أن الدين والعدل وكل القيم الإسلامية والإنسانية ضده، وأن جرّ المسلمين إلى معركة دامية ماحقة هو أمله الوحيد للحصول على كل ما يريد أو شيءٍ مما يريد، أو على الأقل للنجاة بنفسه، ويبدو بالطبع أنه كان يدرك أن سدنة مذهبنا سيعطونه صك غفران يجعله فوق كل شيء بل ويجعله مثاباً على كل جرائمه مهما بلغت فداحتها، وهذا صك غفران لم وبالتأكيد لن يظفر به إنسان على مدى التاريخ، بل تفوق تفوقاً ساحقا على وعد بلفور الذي سيعطيه الإنجليز لليهود في القرن العشرين؛ إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق! فما أعطوه له يشمل الدنيا والآخرة!!! لذلك تصرف تماما وفق ما يحقق أهدافه ضارباً عرض الجدار بأقدس ما عرفته الإنسانية من القيم والمبادئ والمثل.

وهكذا بدأت المباراة الرياضية الشيقة، اختلف أشباه الملائكة الآخرين، فانقسموا حسب اجتهاد كل منهم إلى ثلاث فرق، فرقة بقيادة الإمام الشرعي وفرقة بقيادة زعيم أهل البغي وعبيد الدنيا وفرقة فضلت أن تتفرج على المباراة وتنتظر النتيجة، توجه كبير المنتظرين إلى الإمام الشرعي واشترط عليه أن يعطيه سيفا متحدثاً ويستطيع أن يميز المؤمن من الكافر ليناصره!! لم يستطع أهل الغرب أو اليابانيون حتى الآن أن يخترعوا سيفاً كهذا، كان هذا هو المستحيل بعينه، خذلت هذه الفرقة الإمام الشرعي وأخلت بذلك بواجبها الشرعي، ولكن لا مشكلة طالما أن سدنة مذهبنا قد أعطوا لأنفسهم سلطات إلهية وقرروا أن يغفروا للجميع، بل قرروا أن يدخلوهم جميعا الجنة، هم قرروا أن كل فرقة من هذه الفرق لها أجرها وإن كانت على خطأ، وعلى رب العالمين أن يرضى بحكمهم، لا يمكن أن تجمع الأمة التي هي هم وحدهم من دون الناس على خطأ، وما يعقدونه في الأرض لابد من انعقاده في السماء، ولقد تلقت الأمة كلها هذا الحكم بالقبول رغم أنها لا تعرف عنه شيئا كما أجمعت عليه من قبل دون أن تعرف عنه شيئا! لا داعي للتحسر والندم الذي أبداه المعتزلون بعد اتضاح حقائق الأمور، وكذلك نعم بكرمهم هذا أمير البغي، فكل الجرائم الكبرى والموبقات العظمى التي اقترفها كانت –حتى رغم أنفه هو شخصيا- مجرد اجتهادات يثاب عليها ولا تقدح أبداً في سيرته العطرة، وهو كان يعلم جيدا أنه يقترف أبشع كبائر الإثم، وسيعلن من بعد أنه قاتل الناس ليتأمر عليهم وأنه لا يبالي بقصة ثأر عثمان، وأنه سيغض الطرف عنها رغم مطالبات ابنة عثمان حتى لا يدخل في مغامرة قد تهدد سلطانه!! أما السلف المقدس والخلف الضال المفلس فسيقولون له، لا لا، أنت أكبر من ذلك، أنت الولي الشرعي لدم عثمان، ومن حقك أن تبيد كل المسلمين طلباً لثأره!! وسيظل التراب الذي كنت تمشي عليه أفضل من كل الخلف!! هل رأيتم مدى إنصاف سلفنا المقدس وعدم تأثرهم بالأهواء في أحكامهم العادلة الصارمة؟

أما الخَلَف الطالح فعليه أن يعلم أن من حق الأرباب أن يتضاربوا بالسيوف كما يحلو لهم وعلى باقي البشر الفانين ألا يقحموا أنفسهم في أمورهم، ولا حرج على أحد في أن ينحاز إلى أي فريق منهم على ألا ينحاز إلا إلى أهل البغي كما فضل السلف!!

أما المباراة أو المعركة الدامية التي نشأت وقُتِل فيها الألوف فقد سادتها الروح الرياضية ولم يخرج فيها أي فريق على قواعد اللعبة، نعم كان جنود البغي يستغلون حياء جند الحق فيكشفون عن عوراتهم ليدرؤوا عن أنفسهم القتل، ولكن لا مشكلة، إنها مجرد دعابات بسيطة لا تفسد المنظر العام ولا تؤثر على السلوك الحضاري الذي كان سيد الموقف في هذه المباراة التاريخية.

كان أهل البغي قد احتلوا مصدر المياه فلما جاء أهل الحق يطلبون شيئا منه أفهمهم أهل البغي بكل أدب أن هذه مباراة رياضية جادة وأن من واجبهم أن يقتلوهم عطشا، اضطر أهل الحق لأن يحاربوهم ليجلوهم عن الماء، جاء أهل البغي بعد هزيمتهم ليطلبوا الماء فلم يمنعهم عنه أهل الحق!

دارت المعركة الهائلة على مدى بضعة أيام، قُتل أثناء ذلك واحد من السابقين الأولين، وهو عمار بن ياسر المبشر حقيقة بالجنة، تذكر الناس عندها قول الرسول:"ويح عمار، تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، اشتد حماس جند الحق عندما أيقنوا كلهم من عدالة قضيتهم، أما جند الباطل فقد كان أكثرهم من أجلاف الشام الذين لا يفرقون كما قال معاوية بين الناقة وبين الجمل ويظنون أن معاوية هو الرسول فلم يبالوا، ولو قيل لهم إنه ربهم الأعلى لآمنوا بذلك ولقاتلوا الناس لإلزامهم بذلك.

ولكن كان في جيش معاوية (الصحابي الجليل) عبد الله بن عمرو بن العاص الذي خرج في جيش البغي والباطل براً بأبيه!!!!!! كان تقيا روعا، هو يعلم قول الرسول جيدا، أخذ يصرخ في جيش الباطل بما يعرفه، بدئوا يرتابون في الأمر ويشكّون في أنفسهم ويتخاذلون، صاح خال المؤمنين المقدس (الصحابي) معاوية في مساعده (الصحابي) عمرو: "كفَّ عنا مجنونك"، تمكنوا من إسكاته! ولكن الخبر كان قد ذاع وانتشر، لم يخطر ببال زعيم أهل البغي أبداً أن يراجع نفسه أو أن يقيم وزناً لكلام الرسول بل كان كل همه أن يضرب به عرض الجدار بطريقة لبقة، كان لسان حاله يقول: "وهل أنال شرف زعامة أهل البغي والداعين إلى الباطل بدون تقديم ما يلزم لذلك من أعمال؟ هل أنا زعيم مزيف أو (أونطة) مثلا كما سيقول من بعد عادل إمام في مسرحية "مدرسة المشاغبين"؟ يجب أن أثبت للعالم جدارتي بهذا الشرف العظيم، وسيأتي الحثالة من عبيدنا وعبيد الشيطان من بعد ليجعلوا من أفعالنا مقدسات لا يجوز نقدها، أما النقاد الغربيون الماديون فسيعجبون جدا بنا، ذلك لأننا تمكنا من خداع هؤلاء الحثالة في حياتنا وسنصبح مقدسين عندهم بعد مماتنا، وهؤلاء الغربين لا يعترفون بشيء اسمه الآخرة!" عندها عرف ماذا يمكنه أن يفعله، صاح في جيشه؟ "أنحن قتلناه؟ إنما قتله من أرسله!" ارتفع التكبير في جيش البغي والباطل، لقد أثبت لهم معاوية أنه وحده الجدير بزعامتهم! انقشعت هذه السحابة سريعا، وعاد القتال على أشده.

برز الإمام الشرعي حاملا سيفه طالبا من معاوية أن يبارزه لحسم الأمر ولحقن دماء المسلمين، دار على الفور الحوار التالي بين معاوية وبين مساعده الداهية عمرو، قال عمرو:

- لقد أنصف وأعذر، أبرز إليه حقنا لدماء المسلمين.

- هل هذا وقت التهريج أيها المغرض؟ ألا تعلم كم سفك من دماء مشايخنا؟ أتريده أن يلحقني بهم؟

- وماذا سيقول عليك جنودك؟

- اترك لي أمر هؤلاء البهائم، أنا أعرف جيدا كيف أسوسهم، والآن: أبرز إليه أنت؟

- ماذا؟

- هذا أمر، لا تنس أني قائد الجيش، وعليك أن تطيع أمري وإلا!

وهكذا تهرب معاوية من المواجهة وظهر أمام جنوده بأنه أكبر من أن يبارز الإمام، وأنه اكتفى بأن يرسل إليه مساعده!

أما مساعده فذهب إلى الإمام وهو يرتعد، يا له من موقف أوقعه فيه صديقه اللدود، سيخسر الآن كل شيء! وما لبث أن تلقى ضربة ألقته على الأرض، كاد الإمام يفتك به، ألقاه تحت قدمه وتهيأ للإجهاز عليه، تصرف بسرعة، كشف عن عورته، أعرض عنه الإمام النبيل المطهر، انصرف قائلا: عورة المؤمن حمى، ولو قضى عليه لتغير مجرى التاريخ!

عاد المساعد الداهية مجللا بالخزي والعار.

أخذ المعاوية يسخر منه، فصاح فيه:

- أتسخر مني يا ابن آكلة الأكباد؟

- وهل أنت إلا ابن النابغة؟ ألم تكن من المحرضين على عثمان عندما عزلك عن ولاية مصر ليولي عليها من هو خير منك محتدا وأشرف نسبا؟

- أتقول إن ذلك المرتد خير مني؟

- نعم إنه منا نحن، وقد نجح وتفوق عليك في مقدار الأموال التي حصلها من المصريين.

- كما تسبب في الفتنة التي قُتِل فيها عثمان، فأورده بظلمه وبغيه التهلكة!

- خسئت، اعلم أنه ما يصبرني عليك إلا احتمال أن يكون أبوك هو أبو سفيان خير من مشى على وجه الأرض!

- ولماذا لا يكون العباس؟ وهل ستظل سادرا في غيك وضلالك.

- ضلالي؟ ألا تعلم أني صحابي جليل وخال المؤمنين؟

- صحابي جليل؟ ماذا يعني هذا؟ ألست معاوية بن هند آكلة الأكباد؟

- لا أدري ماذا يقصدون، ولكن هذا ما سيقوله عليَّ أحفاد هؤلاء الحثالة من بعد، وبذلك تصبح كل أفعالي وأقوالي دينا ملزماً للبشرية جمعاء!

- إذاً سيتحول كل البشر إلى أبالسة وعبيد دنيا ومفسدين! ولكن كيف عرفت ذلك؟

- طالما سيقولون ذلك فلابد أن ينعكس عليّ مقتضيات قولهم فأعلم الأشياء قبل حدوثها! على العموم سيأتي شاعر مجيد ويخلد ذكرى عارك في بيت رائع!

- حقًّا؟ إذًا أنشدني إياه!

- ولا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة***كما ردها، يومًا بسوءتهِ "عمرو"

- الويل له، أخبرني من هو لأفتك به!

كان الصديقان اللدودان يتجادلان بينما المعركة على أشدها، تساقط آلاف القتلى من الجانبين، ورغم كل التجاوزات والمخالفات الهائلة التي ارتكبها أمير البغي المقدس فقد لاحت له بشائر هزيمة ساحقة وكشرت عن أنيابها، استنجد بمساعده الداهية الذي كان ألد أعداء عثمان، بعد أن عزله عن ولاية مصر وآثر بها الصحابي الجليل عبد الله بن سعد؛ أشهر مرتد في التاريخ لمجرد أنه أخوه من الرضاعة.

قال له: وما هو الثمن؟ قال: "ألم أعطك مصر كلها طعمة مدى حياتك؟ هل حدث أن أعطى أحد الأباطرة عطية مثل هذه لبشر لقاء تأييده له؟ ألم نرض بك رغم أنك كنت أول المحرضين على عثمان الذي تقاتل معنا الآن طلباً بثأره؟؟؟!!"، قال المساعد: "ولماذا تركته أنت ليلقى مصيره رغم هذا الجيش العرمرم الذي هو طوع أمرك ورهن إشارتك؟

كادت الهجمة تصل إلى خيمة أمير البغي، صاح بمساعده: "الغوثّ الغوث لا وقت للمناقشات البيزنطية" قال له: "إلِّي تِغْلبُّه اِلْعبُّه"، صرخ فيه: "أهذا وقت التهريج؟ بأي لغة تتحدث؟" قال له بالعامية المصرية التي سيتحدثون بها في القرن العشرين الميلادي، قال له: "يا لك من بارع، ولكن هذه كانت دائما سياستي، سيتعلمها مني مكيافيللي فيما بعد! ماذا سأفعل بالتحديد؟ كفى ضياعاً للوقت!" قال: "ارفع المصاحف على الرماح"، نظر كل منهما للآخر نظرة ذات مغزى، صرخ المعاوية في الداهية: "إنك لست ابن النابغة بل إنك ابن عقربة! Vous êtes le fils d'un scorpion"

ونجحت الخطة الشيطانية التي أخذ بها أشباه الملائكة! تفرَّق الجند عن إمام أهل الحق فضاعت قضية الحق، ولكن إلى حين!

بعد أن أفلت من الهزيمة المحققة بالحيلة التي دبرها له عمرو الداهية، بل ضمن الانتصار وأخذ يعد العدة لجني ثماره، بدا له أن يراجع نفسه، ربما تهيَّب قليلا ما قد تورَّط فيه لبقية من صلاح كانت لا تزال حية في نفسه، إنه لكي يحافظ على ما حققه من مكاسب لابد له من الاستمرار في الضرب بكل المبادئ والمثل والقيم الدينية والإنسانية عرض الحائط، ولو تراخى قليلا لانهار كل ما بناه!

قالوا له لا بأس: تستطيع أن تقترف كل ما يحلو لك من كبائر الإثم، لك أن تسفك الدماء وأن تفسد بالأرض وأن تنكل بخصومك، ادفنهم أحياء، تفنن في التمثيل بهم، اشغل المجاهدين المخلصين والطامعين في حطام الدنيا عنك بالتوسع في الأراضي البعيدة، اشغل القاعدين غير أولي الضرر من عبيد المساجد وملازميها بالقصص الطريفة، لدى أصفيائك من الأحبار والرهبان معين لا ينضب منها، تفنن في إظهار الحلم لكل من لم يعد يُخشى ضرره، اجعل من لعن أعدائك سنة دينية يجب أن يلتزم بها كل من أراد أن يتكسب بالدين في المساجد، اصلب كل من اعترض على ذلك أو ادفنه حيا، أعط الأوامر لجنودك الأوفياء بأن يحملوا رؤوسهم على الرماح وأن يطوفوا بها في البلدان لترويع الناس، اسبِ نساءهم واقتل أطفالهم، بذلك سيكونون لك خائفين مطيعين، ومن بعد موتك سيكونون لك من العابدين المقدسين، وسيضمن لك ذلك جنودنا المنظرون إلى اليوم المعلوم وسيتبعهم أكثر الناس لأنهم لا يفقهون ولا يعقلون ولا يعلمون ولا يؤمنون ولا يتبعون إلا الأوهام والظنون، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ؟ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً.

وهكذا بدأ في عهد معاوية صياغة دين جديد، ساعده في ذلك كل عدو لدود للإسلام، إنه الدين الذي يجعل من كل تصرفاته سننا دينية واجبة الاتباع، ويجعله ربا حقيقيا يسبح الناس بحمده ويقدسون له، بدأ التنكيل بالصالحين واغتيالهم ماديا ومعنويا، انفتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يدس في التراث ما يشاء من إلقاءات الشياطين، لم يعد للدين من سلطة تحميه، وإنما أصبح هناك سلطة تجيد استغلاله وتوظيفه والاتجار به، لم يُقصِّر إبليس في اغتنام الفرصة، ألقى في التراث ما ألقى، أصبح هذا الدين هو دين الأغلبية الساحقة لكونه دين السلطة المتغلبة.

ولكن بقي القرءان الذي توجد منه الآن بأيدي الناس مئات النسخ ويحفظه عشرات الألوف عقبة خطيرة في طريقهم، كان لابد من إزاحته بشتى الطرق، فتح الطريق أحد أئمة أهل الشام، ثبت عن هذا المقدس الضال أنه قال: "السنة حاكمة على الكتاب وقاضية عليه، حاجة القرءان للسنة أشد من حاجة السنة للقرءان"، وهكذا جاء من هم من بعده يُهرعون على آثاره ويتفننون في الغلو عليه وإعادة صياغة ضلالاته بطريقة أكثر إحكاما.

ولكن لابد أيضا من الحيلولة بين الناس وبين القرءان بنعومة وأدب، وهكذا تلقفوا كلمة "النسخ" وجعلوها تعني إبطال حكم آيات قرءانية لا يعلمها كلها إلا هم، وأشاعوا بين الناس أن القرءان كتاب مبهم مجمل مطلق مُشفَّر لا يقول شيئا أو يقول بكل شيء، لذلك لا يجوز لأحد أن يتعامل مباشرة معه، لابد من كاهن شيطاني يوقفه على ما قال به السلف ويجلده إن خرج عن هذا القول، ولكن الناس في شوق رغم كل ذلك للتعامل المباشر مع القرءان، لا بأس، لابد من الاستجابة لطلب الجماهير العريضة، احفظوه عن ظهر قلب بأقصى عدد ممكن من القراءات، اقرؤوه كل يوم كاملا عدة مرات، ألا تعلمون أن (الصحابي الجليل) أو (التابعي الهمام الخطير) كان يقرأُه كله في ركعة واحدة، ويحكم أيها الضالون المقصرون!!

ولكن كيف يمكن أن يتدبر القرءان من جعل أكبر همه ومبلغ علمه أن يضرب أرقاما قياسية في عدد مرات تلاوته؟!

وسرعان ما بدأت الأمة تدفع باهظا ثمن معركة صفين، وسرعان ما وجدت نفسها في أسفل سافلين بل في قاع الجحيم، أصبحت إمبراطورية طاغوتية دموية إمبريالية، واقترفت كل الجرائم البشعة والعظمى.

لم يحفظ للأمة بعض الشرف والكرامة إلا سلسلة طويلة من الشهداء والعلماء العاملين، كما أن الأوامر القرءانية كانت تزكي بعض النفوس التي تطلب الهدى وتدفعها نحو العمل بأوامره.

ولكن كل هؤلاء كان يذهبون ضحية الاغتيال أو القتل المادي والمعنوي بأيدي المتسلطين، ومن يستعبدونهم من السفهاء والغوغاء، كان ذلك ما سنَّه لهم زعيم أهل البغي والداعين إلى النار.

ولكن كان على الأمة أن تدفع من بعد غاليا ثمن كل هذه الجرائم، بالحق والعدل، فلا عبث في الوجود، وسيظل كل من يتباهى بالانتماء إلى المجرمين يحمل معهم أوزارهم، وأوزارا مع أوزارهم.

*******

1

1.png