الجدول

الإسلام وقضايا ملحة ومعاصرة

الإسلام والعلمانية 1

العلمانية تعني الدنيوية، وهي مذهب اجتماعي سياسي يدعو إلى إقامة الحياة على المصالح الدنيوية المباشرة والعلم الوضعي والعقل الإنساني بعيدا عما يسمونه بالدين؛ أو بالأحرى بعيدا عن المؤسسات الدينية والكهنوتية، ويتضمن ذلك اعتبار الدين شأنا شخصيا، وعلى المستوى السياسي فهي تعني ألا يكون للدين بصفة عامة دخل عند سنّ القوانين التي تنظم السياسة الداخلية وأمور الناس عامة ولا في السياسة الخارجية، وأن تكون المصالح الاقتصادية والتشابه أو التنافر في النظم السياسية والاجتماعية هو أساس هذه العلاقات.

فالعلمانية تهدف إلى إقامة مجتمع العدل والقسط والحرية والمساواة والوفرة والرفاهية والرخاء والتقدم واحترام كافة حقوق الإنسان؛ أي باختصار إلى إقامة فردوس أرضي بعيدا عن المؤسسات الكهنوتية، ولقد نجحت كثيرا في ذلك بينما لم تقدم الأديان والمذاهب المختزلة والمحرفة للإنسانية إلا نظما وحشية دموية إجرامية أذاقت الإنسان أشد ألوان العذاب.

فالإنسان في الدول الهمجية التي ما زالت خاضعة للمذاهب والأديان المحرفة يتمنى الفرار إلى المجتمعات العلمانية مثلما فرت الشعوب الغربية قديما إليها بعد أن دفعت الثمن باهظا.

ولا شك أن العلمانية قد أخذت من الدين قيمه مثل القسط والعدل والرحمة والتكافل، وقد وصلت إلى بعض القيم بمقتضى التطور البشري.

ولكن لا شك أيضًا في أن الأديان المسماة بالسماوية بصفة خاصة قد تعرضت لتحريفات بشعة واختزالات مخلة أدت إلى جعلها حربا على البشرية جمعاء، ولقد أبيد ما لا حصر له من البشر في أوروبا لفرض الكاثوليكية الرومانية عليهم، وهلك الملايين في محاولة التحرر منها، وضحايا الحروب الصليبية في الشرق لا حصر لهم، وقد هلك الملايين من البشر في العالم الجديد على أيدي وحوش صليبية، وفي القرون الوسطى هلك الملايين من البشر في الحروب التي أججها المحسوبون على الإسلام أو بسبب طريقتهم في حكم البلاد التي غزوها أو بسبب التخلف والهمجية التي فرضوها على هذه البلدان، هذا فضلا عن الحروب المذهبية فيما بينهم والتنافس على السلطة وتوسيع الممتلكات، وفي هذا العصر يكمل أتباع هذه المذاهب التخريب والإفساد في الأرض ونشر الجهل والتخلف والقضاء على مظاهر الحضارة ووضع كل العراقيل في سبيل التقدم تأسيا بأسلافهم.

ومازالت مقولات الأديان التي حلَّت محلّ الإسلام حية في نفوس كل العالم المحسوب على الإسلام، بل إنهم مبرمجون عليها حتى وإن لم يعملوا بهذه الأديان، فهي أكبر أسباب شقائه، وهي الكفيلة بتحويل كل نعمة في النهاية إلى نقمة، وأكبر دليل هو ما فعلوه بالثروة البترولية التي اكتشفها لهم الغرب العلماني ثم تركها لهم، فقد جعلوها وسيلة لنشر المذهب الوهابي الدموي الإقصائي ولتقويض دين الحق وللتصدي لكل مشاريع النهضة والتقدم ولتأجيج الفتن وتخريب البلدان وتشريد الشعوب التي كانت آمنة مستقرة، أما النهضة الشكلية والإنجازات المادية التي تحققت بسبب هذه الثروة فهي في انتظار هبوب ريحٍ كريح عاد مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ، هذه الريح العقيم هي آثار أعمال خفر النفط بمقتضى السنن.

فعندما يكون الدين هو هذه المذاهب الإقصائية العدوانية الشركية التي حلت محله فإن النظام العلماني يكون هو الأمثل لوقاية الناس من شره، وسيضطر الكائن الذي يأخذ هذه المذاهب على محمل الجد أن يحاول أن يعيش كإنسان، وليس كمجرمٍ همجي مفتون، أو أن يحترم القانون وإلا وقع تحت طائلته.

والعلمانية لا تتدخل في اعتقادات الفرد الدينية، ولا تحاول إبعاده عنها، ولا أن تفرض عليه دينًا أو مذهبًا معينا، ولا تعطي لأتباع أي مذهب مزايا أو أفضلية مجانية على غيرهم، ولكنها تلزمه بأن يتعايش سلميا مع أتباع الأديان والمذاهب الأخرى فتقيهم من شره بمثل ما تحميه من شرهم.

وفي النظام العلماني تكون القوانين والأنشطة البشرية والقرارات السياسية الداخلية والخارجية غير خاضعة لتأثير المذاهب أو المؤسسات الدينية.

فالعلمانية نظام اجتماعي سياسي يركز اهتمامه على الشؤون الدنيوية ويجعل الاهتمام بالشؤون الغيبية أمرًا شخصيا ذاتيا، فمحورها هو الإنسان بحالته التي هو عليها، وهي تسعى إلى تحقيق أقصى قدر من السعادة له في هذه الحياة الدنيا دون نظرٍ إلى الآخرة، وهذا يتضمن تحقيق أقصى قدر من الأمن والحرية والعدالة للجميع في هذه الدنيا، وهي في ذلك تلتقي مع دين الحق.

*******

إن العلمانية (Secularism) بالمعنى الإيجابي الذي نقصده تتضمن جماع الأسس والآليات التي تهدف إلي جعل الناس يهتمون بالحياة الدنيا وتلزمهم بالإيجابية فيها وتمنعهم من إدارة ظهورهم لها بحجة بطلانها وقلة جدواها، وهي لا تجعل المثل الأعلى لمن يزدري الدنيا بحجة أنه لا يجوز الاهتمام إلا بالآخرة، فهي تتبرأ من الرغبة التي كانت لدي الناس في العصور الوسطي للعزوف عن الدنيا والعكوف على التأمل في الآخرة، وهي بذلك تتفق مع دين الحق في تأكيده على أهمية الحياة الدنيا كوسيلة لتحقيق المقاصد الإلهية.

والعلمانية مثل الإسلام مضادة للكهنوت، وهي مضادة لاستعلاء طائفة طفيلية على الناس بحجة أنهم حراس الدين أو ملاك الحقائق المطلقة.

فالعلمانية مثل الإسلام تقصد إلى توكيد الشخصية الإنسانية وليس إلى إفنائها أو تذويبها أو قولبتها، فهي تنمي وترسخ في المجتمع النزعة الإنسانية ولا تحتقر ولا تجرم الطموحات الفردية، ولا يجوز اعتبارها بذلك حركة مضادة للدين وإنما هي مضادة لسوء استعمال الدين من قبل المؤسسات الكهنوتية الجهلوتية المتخلفة التي تريد تعويق التقدم وفرض وصايتها على الناس في حين أنها أحوج شيء إلي من يلقنها أبسط مبادئ العلوم وحقائق الأشياء، وهي أيضًا مضادة للمذاهب المحسوبة على الأديان التي قلبت الأمور رأساً على عقب واستخدمت الإنسان لصالحها وجعلته وقوداً لها بدلاً من أن تأخذ هي بيد الإنسان وتدله على طريق سعادته.

فالعلمانية بهذا المعاني ليست مضادة للدين الإسلامي ولكنها تهدف إلى إبراز وتوكيد ذلك الجانب منه الذي يجعل للإنسان مكانة محورية في هذا الكون بوصفه مكرما وحاملاً للأمانة ومستخلفًا في الأرض وتجعله مسئولاً عن استعمارها وحسن الانتفاع بمواردها والأكل من طيباتها والاستمتاع بزينتها وتحرم عليه الإفساد فيها وتجعله مسئولاً عن إخوانه من البشر بل عن الأمم من دواب الأرض وطيورها، ومن لوازم العلمانية الإسلامية جعل الإنسان مكلفاً بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل والقيام بالقسط والانتصار من أهل البغي والدفاع عن المستضعفين في الأرض والدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته، فبمقتضاها ليس مسموحا للإنسان بالرضا بأمر واقع يخالف الصورة المثلي التي تتحقق فيها الأمور المذكورة بحجة أن ذلك يتضمن تمردا على إرادة الله وعلى قدره وانشغالا بدنيا أمدها قصير، بل إن الإنسان مطالب بأن يعمل بقدر وسعه على أن يعمل على تحقيق المقاصد الإلهية ومنها تلك الأمور المذكورة، إن دين الحق يقرر أنه بقدر نجاح الإنسان في تحقيق مقاصد الدين في الدنيا سيفوز بالدرجات العلى في الآخرة، والقرن الإسلامي الأول لم يسبقوا الناس بحفظ ما لا يتناهى عدده من الكتب الدينية ولا بأن كلا منهم كان يصلي كل يوم ألف ركعة ولا بأنهم قد شيدوا مساجد ضخمة وإنما لأنهم حققوا ما كان مطلوبا منهم من مهام.

*******

من الملامح العلمانية للإسلام اهتمامه بشأن الحياة الدنيا وأنه جعل من مقاصده إصلاح أمر كافة الكيانات الإنسانية فيها، وجعل من استخلاف الإنسان في الأرض مقصدا إلهيا مقدسا، وأنه جعل من كثير من الأوامر الدينية وسيلة لإصلاح أحوال الناس في هذه الدنيا وجعل من كل ذلك وسيلة لتحقيق السعادة في عالم الخلود وأنه لم يدع مكانا فيه لأية سلطة كهنوتية، ومن الدلائل على أنه باطراد التقدم تتكشف عظمة سمات الإسلام أن أرقي شعوب الغرب الآن هي أشدها اهتماماً بسلامة البيئة وأحرصها على حمايتها من المفسدين، وهذا الاهتمام والحرص من لوازم قيام الإنسان بواجباته كخليفة في الأرض وكحامل للأمانة، ولقد ذكر القرءان من قبل سبب خوف الملائكة من استخلاف الإنسان في الأرض؛ كان هو الخوف من أن يسفك الدماء وأن يفسد في الأرض.

*******

إن دين الحق يتضمن أفضل القيم والسنن اللازمة للوصول بالإنسان بل بكل كيان إنساني إلي كماله المنشود ولتعامل الناس فيما بينهم بما يحفظ حقوقهم ولتحقيق التقدم الإنساني في كافة المجالات، ولكن مما لا شك فيه أن كل المذاهب التي حلت محل الدين لم تحقق للإنسان ولا للأمة شيئاً بل ألقت بالأمة في هوة سحيقة ما زالت تجاهد للخلاص منها وكادت تؤدي إلي انقراض المسلمين، ولقد ثبت ذلك بعد تجارب مريرة استمرت مئات السنين.

أما العلمانية فهي تتفق مع دين الحق في تسامحه وتقديمه للأمور الجوهرية وسعيه لتحقيق العدل والقيام بالقسط وحفاظه علي حقوق وكرامة الإنسان ورفض الظلم والاستبداد والطغيان وتساوي الناس أمام القانون....وغير ذلك من القيم التي هي من سمات دين الحق، إن ترسيخ القيم العلمانية سيؤدي بالضرورة إلي الرقي الذوقي والثقافي العام والتخفيف من حدة الأمراض الاجتماعية والنفسية الوبيلة التي فتكت بالأمة، ومن أشد الأمراض والآفات والموبقات التي ابتليت بها الأمة النفاق واتخاذ القرءان مهجورا والكفر بكثير من الآيات والشرك باتخاذ مؤسسات كهنوتية أربابا مشرعين في الدين، وازدراء القوانين والسنن وتقديس الأسلاف وتقديس الآثار والتراث وعبادة المتسلطين واختزال الدين والعدوان علي حقوق وكرامة الإنسان ومنع الماعون....

فالنظام العلماني هو أقرب إلى القيام بأركان الدين وتحقيق مقاصده من النظم التي تسلطت على المسلمين منذ أن تحولت الخلافة إلى ملك عضوض، فهذه النظم العضوضية هي النفاق مجسماً؛ ولقد كانت النتيجة الطبيعية أن هوت بالمحسوبين على الإسلام إلى الدرك الأسفل من نار الانحطاط والجهل والتخلف.

والعلمانية المقصودة هي التي لا تعادي الدين ولا تتبنى مذهبا معينا ولا تقدم لأي إنسان مزايا مجانية بسببٍ من مذهب اعتنقه.

ولا سبيل بأي حال للمقارنة بين العلمانية وبين دين الحق، فدين الحق هو النور المبهر الساطع الذي لا يقارن به أي دين أو مذهب، ولكنه مجهول، ولا توجد أية جهة أو مؤسسة تمثله الآن، فالأخذ بالعلمانية هو أفضل بكثير من العودة إلى المذاهب المحسوبة على الإسلام والنظم الإجرامية العضوضية التي ثبت بكل دليل فشلها الذريع ومزقت كل كيان تمسك بها وهوت به إلى الحضيض.

إنه من الأفضل بالطبع وصف علمانية الإسلام بمدنية الإسلام وذلك لما قد يسببه مفهوم العلمانية من لبس، ولكن يجب العلم بأنه ثمة علمانية متطرفة لا تعني مجرد فصل الدين عن الدولة أو عن الحياة، وإنما تعني فصل كل القيم الدينية عن الدولة والإنسان والتصدي العملي للأديان، وتلك العلمانية يجب بلا تحفظ رفضها والتصدي لها.

*******

إنه في ظل النظام العلماني، وهو أفضل الممكن في ظل غياب دين الحق وتحزب المذاهب الضالة ضده، فإنه قد لا يكون ثمة مفر من وجود نظام حزبي قانوني يسمح بأن تنشأ الأحزاب نشأة طبيعية قانونية، وبالطبع على الأمة التي ارتضت نظاما كهذا ألا تتطلع إلا إلى مجرد الخروج من هاوية الجهل والانحطاط والتخلف ومعايشة العصر بأقل قدر ممكن من الخسائر، وعليها عندئذ أن تعرف حدودها وألا تتجاوز قدرها وألا تتعلق بالطوباويات أو بالمثاليات مثلما حدث من النظام الناصري، وعليها أن تتبنى سياسة عملية براجماتية وألا يستفزها نباح من هم أكثر تخلفا وجهلاً وانحطاطا منها.

ويجب ألا تكون تلك الأحزاب مفتعلة، بل يجب أن تمثل كافة الاتجاهات والمذاهب الاقتصادية والاجتماعية الموجودة بالفعل، ولا يجوز افتعال أحزاب لمجرد استكمال الشكل الديمقراطي، ويجب أن تنشأ هذه الأحزاب في إطار الإقرار والتسليم بوحدة الشعب وحقوق المواطنة ومبدأ تداول السلطة واحترام الأسس الديمقراطية، وكل ذلك يتنافى بالطبع مع وجود وهيمنة الأديان التي حلَّت محلّ الإسلام وما فرضته على الناس من جهل وتخلف وهمجية.

*******

إن أسمى ما في العلمانية من قيم هو ما يلي:

1- الحكم بالعدل والقيام بالقسط.

2- احترام حقوق وكرامة الإنسان.

3- الإيمان بجدوى العلوم الطبيعية والاحتكام إليها.

4- القضاء على التسلط الكهنوتي، وهو شر ما ابتلي به الجنس البشري.

5- تحرير الإنسان من النزعات الطفولية والبدائية.

6- تحميل كل إنسان مسئولية نفسه.

7- اعتبار الإنسان مسئولاً عن عمارة الكون.

8- احترام حق الإنسان في استعمال ملكاته وتمحيص كل أمر بنفسه.

9- لا إكراه في الدين.

10- احترام حقوق الآخرين.

11- احترام الحياة الدنيا واجتناب الرهبانية.

12- احترام الجسد الإنساني.

13- احترام القوانين والسنن الكونية.

14- اجتناب الأساليب غير الموضوعية عند معالجة أي أمر.

15- احترام الحياة في عالم الشهادة، والقيام بالواجبات فيها.

ويلاحظ أن كل هذه الأمور من سمات الإسلام وملامحه وأن الإسلام يتضمنها ويتضمن ما هو خير منها، ولكن المذاهب الضالة تزدري أكثرها ولا تكاد تأخذ بشيء منها، لذلك ففي ظل تسلط هذه المذاهب وما تعانيه المجتمعات المحسوبة على الإسلام لا بديل عن نظام علماني مدني مستنير.

*******

إن النظام العلماني المدني الليبرالي الصحيح هو الآن الوسط الوحيد الملائم والممكن لإعداد وتكوين الإنسان الصالح والأمة الربانية الفائقة؛ أي لتحقيق مقاصد الدين، والأمة الربانية الفائقة ليست بحاجة إلى أن تجرد السيف أو أن تلوح به في وجوه الآخرين ولا أن تتحدى المشارق والمغارب، وإنما هي الأمة التي تقوم بأركان الدين الملزمة للأمة بقدر استطاعتها، وتلك الأمة بلغة هذا العصر هي مجتمع المسلمين الذي يعتنق دين الحق ويقوم بأركانه فيتخذ كتاب الله إماما ويتبع ما أنزل إليه من ربه ولا يتبع أي شيء من دونه، وهو يؤمن بسمات الدين وعلى رأسها عالميته وينبذ العنف والإرهاب والترويع ويقذف بالمذاهب التي تمزق المسلمين إلى سلة المهملات أو يتركها للمتخصصين في الآثار والحفريات، ولكنه أيضًا يتسامح مع المتمسكين بها ويعمل على حمايتهم من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، وهذا المجتمع يتبع الوسائل السلمية المتاحة لتحقيق مطالبه ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ويستخدم وسائل الإعلام الحديثة لتحقيق ذلك ويتخلى عن نظرة العداء المريرة التي يتسم بها المحسوبون على الإسلام تجاه كل من خالفهم.

*******

إن أدق ترجمة ممكنة للمصطلح Secularismهو الدنيوية، ليس بالمعنى التحقيري، وإنما بمعنى أن كل همها ومناهجها هو إصلاح أحوال الإنسان في تلك الحياة الدنيا أي في هذا العالم المشهود، فهي تهدف إلى تحقيق مجتمع الأمن والرفاهية والسعادة والحرية والعدالة والتكافل واحترام حقوق وكرامة الإنسان هنا، وهذا الإصلاح في الحقيقة يعني الأخذ بأكثر عناصر منظومة القيم الإسلامية، والعلمانية بالتالي من المفترض أن تنظر إلى الأمور الأخروية نظرة حيادية؛ أي لا تنظر إلى المذاهب المتعلقة بها نظرة عدائية وإنما نظرة براجماتية، ومن المعلوم أن عقلاء العلمانية وأشد أعداء الكهنوت لم يجدوا بديلاً جاداً للدين فيما يتعلق بالأمور الأخلاقية ومنظومة القيم الفردية.

*******

إن النظام العلماني هو النظام الذي يلبي مطالب العصر ويسمح لكافة الطوائف بالتعايش السلمي فيما بينهم، ويحميهم من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، وهو الذي يسمح بحرية الفكر وتبادل وتفاعل الآراء تفاعلاً سلميا، ولكنه بالطبع لا يكفي بل لا يصلح للنهوض بأمة مسلمة، بل هو الذي يحقق ما يمكن أن يطلق عليه مجرد البقاء وتجاوز المخاطر، وفي ظروف هذا العصر الراهنة لا يمكن لشعب مسلم تحقيق طفرة تقدمية إلا بنظام شمولي يستند إلى تمسك راسخ بالدين وولاء مطلق له ولا يقيم وزناً للترف ويكرس نفسه لتحقيق مقاصد الدين بالقيام بأركانه الملزمة للأمة، ولكن يجب أن يتولد إجماع معتبر من كافة قوى الشعب على ذلك، ولا يجوز ولا يجدي محاولة حملهم على هذا النظام بالقوة.

والأخذ بالنظام العلماني لا يستلزم أبدا أن يكون الأفراد غير متدينين، بل يمكن لكل منهم أن يمارس مقتضيات دينه، ولا يوجد دين حقيقي يسمح لإنسان بالاعتداء على حقوق الآخرين ولا على إكراههم على تغيير دينهم، ولا يوجد ذلك غلآن إلا في المذاهب التي حلت محل الإسلام، ولو اشتغل أتباع كل دين بأركانه الجوهرية –وليس بإضافات الكهنوت- لما سفكت دماء الناس هدرا ولساد السلم ولارتاحت البشرية.

1