بطلان عقيدة البداء الشيعية 6

توجد المحاولات الفاشلة الآتية للتخلص من القول بالجبرية:

1. محاولة المعتزلة الذين قالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله.

2. محاولة الشيعة في قولهم بالبداء.

3. محاولة الأشعرية في قولهم بالكسب.

وكل تلك المحاولات تؤدي، لا محالة، إلى إنكار سمات إلهية ثابتة.

*******

أما الدعاء "أطال الله عمرك" فرغم أنه لا يجوز الاحتجاج به لإثبات البداء فالاحتجاج به يدل على تصور أنه يؤدي إلى تغيير الأجل المكتوب عند الله! وهذا غير صحيح.

هذا الدعاء هو سبب من الأسباب العادية الذي يؤدي عند قبوله إلى زيادة عمر الإنسان مثل الرعاية الصحية والغذاء الجيد والعلاج الصحيح.

وهذا الدعاء يتضمن أن يُوفق الإنسان إلى كل سبب من أسباب إطالة العمر مثل أعمال البرّ وصلة الرحم.

المشكلة هي في تصور الناس أن للإنسان أجلا مكتوبا فيما يسمونه بالأزل، وأن الدعاء يمكن أن يغيره! أجل الإنسان يكتبه الله تعالى المتعالي علوًّا مطلقًا فوق الزمان والمكان والأكوان، وهذا يعني أن حكمه هو حكم مصير الإنسان نفسه!

باختصار: الأجل عندما يُكتب عند الله تعالى لا يتبدل ولا يتغير.

إن بيان أسباب النجاح والحصول على درجة عالية في الاختبار لا يعني تغيير ما هو مقدر من أن فلانا من الناس سينجح فيه وسيحصل على درجة عالية.

فنتيجة أحد الناس في اختبار ما بالنسبة للمعلم لم تتحقق بعد، وستظل أمرًا قابلا لاحتمالات متعددة بدرجات قوة متفاوتة إلى أن يحدث الاختبار بالفعل، والمعلم المهموم بأمر الطالب يتغير تقديره من حينٍ لآخر بناءً على كل ما يتكشف له، وعلى كل ما يستجد من الأمور والمعطيات.

أما ما يقدره الله تعالى لهذا الطالب ويكتبه فهو أمرٌ ثابت، وذلك لأن كل الأمور مكشوفة أمامه ظاهرة له، فهو سبحانه لا يكتب عنده احتمالات متنوعة، وإنما الأمر عنده واحد، وكل ما يظن الناس أنه يومئ إلى تغيرٍ عنده إنما يشير إلى أسباب مقررة طبقًا للسنن، فالشرب سبب للارتواء، والأكل سبب للشبع، وأعمال البرّ سبب لطول العمر، واستذكار المقرر جيدا سبب للنجاح فيه، ... الخ.

وكتابة الله تعالى لأجل إنسانٍ ما مثلا هي أمر بالنسبة لله منزه عن أن يتقيد بزمن معين، فهو لم يحدث بالضرورة في لحظة محددة في الزمن السحيق، أو قبل خلق هذا العالم الظاهر، وإنما هي أمرٌ يتم بمقتضى السنن الإلهية، وأعمال الإنسان الاختيارية سبب من أسباب تحديد الأجل، مثلما أنها سبب لتحديد مصير الإنسان في الدار الآخرة.

*******

يحتج الشيعة بسوء تأويلهم لبضع آيات قرءانية لإثبات قولهم بالبداء، وقد نشرنا كثيرًا بعض ردودنا على تأويلاتهم هذه، نرجو الرجوع إليها منعًا للتكرار.

*******

من أكبر أخطاء المتكلمين في العقائد نقلهم الخلافات في أمورهم الإنسانية إلى خلافات في حقيقة الذات الإلهية.

*******

من هو الذي يغير تقديراته وأحكامه وقراراته لمراعاة مصلحة أو لمواجهة أمرٍ بدا له أو ظهر من الناس؟ إنه الإنسان!

من هو الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقَدْ خَلَقَ الإِنسَانَ وَيعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وهو معه أينما كان؟ إنه الله!

القول بالبداء يتضمن تشبيهًا لله تعالى بمخلوقاته وظنًّا بأنه يغير تقديراته بناءً على أفعال الناس، وظنًّا بخضوعه لمقتضيات الزمان

*******

دين الحقّ يعطي لكل أمر ديني وزنه القرءاني الصحيح، الميزان في القرءان، ولقد أنزل الله كتابه بالحق والميزان.

*******

إن كنت تؤمن إيمانا لا يتزعزع بأن الخالق الأعظم لا يستطيع أن يخلق من هم خيرٌ من مشايخ مذهبك فلتبك على نفسك

*******

قال الشيعة الإمامية بالبداء بمعناه المعلوم لإنقاذ نظريتهم في الأئمة، فلما اشتد النكير عليه وضعوه عنوانا لمجموعة من الأمور الأخرى التي لا علاقة له بها، وهذه محاولة غير مجدية بالطبع، فهي لا تحل المشكلة التي قالوا بالبداء بسببها.

ومن ذلك مثلا أنهم جعلوا من البداء إجابة الدعاء، ووضعوا الناس أمام خيارين:

1. إما أن تؤمن بالبداء.

2. وإما أن تؤمن بأنه لا جدوى من الدعاء!!!

وهذه حيلة معروفة، والردّ عليها هو:

للدعاء جدواه، ولكن البداء باطل.

وذلك دون الخوض في أمور القضاء والقدر والمصير الإنساني وحقيقة الفعل الإنساني

*******

بطلان عقيدة البداء الشيعية

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون} [الزمر:47]

الله تعالى يبدو منه للناس ولا يبدو له، لم يرد في القرءان أبدًا عبارة تقول "بدا لله"، كل الآيات التي ورد فيها هذا الفعل ورد الفعل مسندًا للناس، وليس لله تعالى:

{بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون} [الأنعام:28]، {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين} [يوسف:35]، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الزمر:48]، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [الجاثية:33].

ولا يجوز لأحد أخذ فعل واضح المعنى، ولا يجوز أصلًا نسبته إلى الله تعالى ثم جعله عنوانًا لأمور أخرى مثل إجابة دعاء المضطر أو كشف الضرّ عن الناس مثلا، هذا في حين أن سدنة مذاهبهم يعلمون جيدًا معناه الحقيقي، ويعلمون جيدًا أسباب إقحام هذه العقيدة في مذهبهم، والسبب الرئيسي هو إنقاذ عقيدتهم في الأئمة والمهدي المنتظر.

القرءان هو المصدر الأوحد لإيمانيات الإسلام.

مرة ثانية:

"بدا لله" لا تساوي أبدًا {بَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ}

المشيئة المطلقة تتضمن "أن يبدو لهم من الله" وليس "أن يبدو لله"

"بدا لله" لا تساوي أبدًا {بَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ}

*******

بطلان البداء الشيعي

قال تعالى:

{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)} الصافات

يحاول الشيعة في نطاق البحث عما يثبت عقيدة البداء الاحتجاج بقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، هذه المحاولة في ذاتها تثبت مفهومهم الخاطئ عن البداء الذي يحاول بعضهم التبرؤ منه.

فهم بذلك يزعمون أن الله تعالى قد أمر إبراهيم بأن يذبح ابنه، ثم (بدا له) وفداه بذبح عظيم!

أي إنه سبحانه (غير رأيه) وقرر أن يفدي إسماعيل بذبح عظيم!

قولنا:

رأى إبراهيم عليه السلام فِي الْمَنَامِ أنه يذبح ابنه، نتيجة لقوة إسلامه لربه امتثل وقال لابنه: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}، ظنَّ الابن مثل أبيه أن هذا أمر إلهي، أثبت سمو نفسه وخضوعه لأمر ربه، فقال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.

وهكذا استسلم الاثنان لربهم، فدا الله تعالى إسماعيل بذبح عظيم.

والأمر كان ابتلاءً لإبراهيم وإسماعيل، وقد كانا كما قدَّر الله تعالى، فأتما الكلمات، ونجحا في الاختبار القوي، ذلك لأن الرؤيا تستلزم أصلًا تأويلا.

فالله تعالى هو أعلم حيث يجعل رسالته، وكان لديه علم سابق بأن إبراهيم وإسماعيل سينجحا، وسيجتازا هذا الاختبار، وهذا ما أثبتاه وظهر للناس، ويجب تذكر دائما أن اللَّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.

فالسمو الجوهري لكل من إبراهيم وإسماعيل هو الذي ظهر للناس بابتلاء حقيقي، أما الله تعالى فلم يظهر له شيء لم يكن يعلمه، ولم يقرر أصلا ذبح أحد ثم بدا له أن يبدل كلمته، فلا بداء بالنسبة لله تعالى.

وكان جزاء النجاح بالنسبة لإبراهيم أن بشره الله تعالى بإسحاق، لقد امتثل لما ظنه أمرًا بذبح ابنه الوحيد فكافأه ربه بأن أعطاه ابنًا ثانيا.

أما إسماعيل فقد وصفه بأنه مرضيٌّ عنده، قال تعالى:

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)} مريم.

وكل هذه الأمور مقدرة عند الله تعالى سلفًا، فلا مفاجآت بالنسبة إليه، وإنما ظهر للناس ما كان قد قدره، فالعلم بالأمر المقدَّر أصبح علمًا بالأمر المتحقق، والمقصود بالعلم هاهنا هو المعلومة ذاتها.

أما العلم الذي هو سمة إلهية تشير إليها منظومة أسماء العلم فهو كامل كمالًا مطلقًا، ولذلك لا يتغير، وإنما تتغير عناصر مجاله.

ولكي يتضح الفرق بين استعمال كلمة علم يمكن تقديم المثال التالي:

يوجد علم اسمه علم الفيزياء، يشمل جماع المعلومات المتعلقة بتحولات الطاقة، أما الإنسان فلديه ملكة ذهنية تمكنه من الإحاطة بهذا العلم، وبالإحاطة به يصبح متصفًا بأنه عالم.

فالملكة الذهنية التي لدى الإنسان تشير إلى السمة الإلهية المسماة بالعلم، ووجود أُناس يتصفون بأنهم علماء يشير إلى عليمٍ فوقهم أجمعين.

والملكة الذهنية التي لدى الإنسان مقيدة بدرجته، وهي بالضرورة ناقصة، وهي متفاوتة بين الناس، وقابلة للتغير بالنسبة لنفس الإنسان على مدى عمره، أي هي متغيرة كدالة في الزمن.

أما السمة الإلهية فهي كاملة كمالًا مطلقًا، ولذلك لا تتغير، ولذلك أيضًا لها الإحاطة المطلقة بكل شيء، وما الزمان إلا معلومة من المعلومات

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457