حقيقة مصطلح الصحابة

إن موضوع المصطلحات من أخطر الأمور في التاريخ الإنساني على كافة المستويات الدينية والمعرفية، وخطورة الأمر أن المصطلح يكتسب بالتقادم قوة هائلة وتأثيرا رهيبًا على الناس مما يجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل على أحد مراجعته، وقد يتسبب المصطلح في مشاكل خطيرة، ومع ذلك لا يجرؤ أحد على إعادة النظر فيه فيظل يحوم فقط حول ما ترتب عليه أو يحاول فقط أن يحدّ من تأثيره.

وعلى سبيل المثال في العصر الناصري اكتسبت بعض المصطلحات معاني إيجابية هائلة مثل: الثورة، الشعب، القومية العربية، الجماهير، الزعيم، ... الخ، أو معاني سلبية بشعة مثل: الاستعمار، الإقطاع، الرأسمالية، العصر الملكي ... الخ حتى حُجب الناس بالهالات الملائكية أو الشيطانية التي أُحيط بها كل مصطلح عن رؤية الحقائق الدامغة التي كانت تحدق في أعينهم، بل شُغلوا حتى عن البحث الحقيقي الجادّ عن مضامين ومصاديق هذه المصطلحات.

وأخطر المصطلحات أثرا هي المصطلحات الدينية، ذلك لأنه انطلاقًا منها يتم صياغة البنيان العام للدين وإضافة لبنات جديدة إليه، كما أنه يترتب عليه إعطاء المصداقية لبعض الأمور كأمور دينية أو سحبها منها، كما يترتب عليه التزامات دينية تتحدد بناءً عليها مصائر الأفراد والأمم.

ومشكلة المصطلح أنه لا يشير بالضرورة إلى تصور أو مفهوم حقيقي أو صحيح، بل إن كثيرا من المصطلحات وخاصة في المجالات الدينية والإنسانية تشير إلى مفاهيم وتصورات خاطئة أو باطلة أو خرافية أو وهمية أو تشكل خليطا من بعض ذلك مع شيء من الحقانية أيضا، ويكون على الإنسان الأخذ به كله.

والحق هو أن الكثير المصطلحات الدينية تشير إلى مفاهيم متشابهات (Ambiguous concepts) أو ذات طبيعة باطنة أو غيبية، وذلك بحكم طبيعتها وبحكم الطبيعة الإنسانية، لذلك يلزم بيان الحد الأدنى الذي يمكن الاعتداد به بخصوص هذه المصطلحات، وهو الذي يضع الإنسان على بداية الطريق القويم ويحدد له الاتجاه الصحيح.

وكل مفهوم تكوَّن لدى إنسان على مدى التاريخ هو محفوظ في عالم المعاني أو العالم البرزخي أو عالم الخيال، وهذا العالم ليس باطلا أو عدما، إنه عالم مؤثر وفعال، وإنما هو عالم لطيف بالنسبة لعالم الشهادة الكثيف، والنفس الإنسانية الحقيقية الجوهرية متعينة فيه، ومنه يستمد الإنسان كثيرا من الأمور شاء أم أبى، والإنسان الذي تيقظت لديه الملكة القلبية الخيالية يتلقى إمدادات من هذا العالم، وخطورة هذا العالم أن الحق فيه ممتزج بالباطل، فلا يمكن التعويل على كل ما يمكن أن يأتي منه.

والإنسان بحكم طبيعته يتلقى من هذا العالم ما يوافق حالته الجوهرية، فهو يتلقى مثلا من العقائد ما يتلاءم مع ما يجزم هو بصحته وما يؤمن به إيمانا لا يتزعزع مهما كانت هذه العقائد باطلة، فما يأتي منه لذلك ليس وسيلة لتصحيح المعتقدات.

وهذا العالم هو محل العقائد والأفكار التي تربط مجموعة من الناس ببعضهم البعض وفق أي إطار.

وتقييد الإنسان بمصطلحات باطلة يجعل الإنسان يتشبث بالعدم، وينتصر له على حساب الوجود، فيضلّ ويتهاوى.

أما تقييده بمصطلحات متخلفة تجاوزها التطور والتقدم فهو من أكبر العقبات في سبيل النهضة والرقي والتقدم والتطور، فهو يجعل الإنسان يتخبط كطائر مذبوح في عالم يمضي قدما.

فالاعتصام بمصطلحات خاطئة أو باطلة أو متخلفة يجعل الإنسان يعيش في صراع يائس مع الحقائق الدامغة.

والمصطلح الديني هو ما يترتب عليه التزامات دينية، فهو لأي كيان إنساني الأخطر على الإطلاق، فله أكبر التأثير على حياة الفرد بصفة خاصة، وعلى حياة الأمة بصفة عامة.

وعلى سبيل المثال كلمة "إله" ذاتها هي مصطلح، وكل الأديان والمذاهب تختلف فيما بينها في دلالات هذا المصطلح، بل يمكن القول بأنه لا يوجد اثنان يتفقان حول الدلالات الحقيقية لمفهوم الإلهية.

ومن أسباب كفر أو إلحاد إنسان أنه لا يستسيغ المفهوم الذي نشأ عليه أو الذي تكوَّن لأي سببٍ لديه، مع أن هذا المفهوم هو بالضرورة ليس صحيحا!

ولذلك أيضًا فإن القول "كل طوائف المسلمين واليهود والنصارى بشتى مذاهبهم وأطيافهم يؤمنون بالله" يتضمن حقًّا وباطلًا في الوقت ذاته.

ولكل ذلك فالمصطلح الديني له أكبر التأثير على حياة الإنسان في البلدان المحسوبة على الإسلام، فهو يُبرمج على مفهومه ومعناه منذ صغره، ويظل من بعد متمسكا به طوال حياته، وتتحدد مواقفه من كل شيء بناءً عليه.

ومن البديهي أن يكون القرءان هو المصدر الأوحد للمصطلحات الشرعية الدينية أو بالأحرى القرءانية، فهو النص الذي تعهد الله تعالى بحفظه وأعلن أنه لا اختلاف فيه وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أما قولهم بأن "السنة"، ويقصدون بها عمليا وواقعيا المرويات الظنية، قاضية على القرءان وحاكمة عليه أو أن حاجة "القرءان للسنة أشد من حاجة السنة للقرءان" أو أنه "لولا السنة لهلك القرءان أو لأصبح في مهب الريح" ... الخ فهو من الكفر البواح بالقرءان، ويجب أن يُضرب بقولهم هذا عُرض الجدار أو في وجه قائله؛ أيهما تيسر.

ومن يتبع دين الحق ومنهجه لن يجد أي خلل أو فوضى في المصطلحات، ذلك لأن من أسسه أن القرءان هو المصدر الأوحد لكل المصطلحات الدينية؛ أو بالأحرى القرءانية، وكل المصطلحات لها معانيها القرءانية الدقيقة المحكمة والتي تغني عن مصطلحات الناس الضحلة والباطلة والخاطئة والتي تسبب الغموض والمشاكل.

ولقد أعلن الله تعالى عن مقاصده في القرءان بأجلى بيان، وله وحده -وليس للناس- حق تحديد معاني مصطلحاته المذكورة في كتابه، أما قاعدة "لا مشاحة في الاصطلاح" فهي تصلح بين أرباب أي فن أو تخصص من الناس أو لما لم يرد صراحة في القرءان الكريم.

فلا حرج من إحداث مصطلح موجز أو التعبير بمصطلح موجز مألوف للناس عن مفهوم قرءاني محدد تحديدا دقيقا، وهذا بالطبع أمر اختياري، فطالما لا يوجد نص صريح في القرءان أو ذكر صريح لهذا المصطلح فالناس مخيرون بشأنه، ولا يجوز لأحد أن يفرضه على الناس فرضا، ويظل من حق أي إنسان أن يرفضه أو أن يبحث لنفس المفهوم القرءاني عن مصطلح أفضل، والمهم ألا يترتب عليه أي التزامات إلا ما هو ماثل في القرءان الكريم.

ومن ذلك مثلا مصطلح "الركن الديني" فهو يمكن أن يُستعمل للدلالة على أمر قرءاني هام أو كبير أو مُشدد، كما يُمكن أيضاً أن يُكتفى بالقول عن هذه الأركان إنها الأوامر القرءانية الكبرى أو العظمى، فهذا أمر اختياري طالما تم تعريف المقصود به جيدا، وطالما هو مصدق لما هو في القرءان، وطالما لن يسبب للناس لبسا، وطالما لا يتضمن خداعا أو تدليسا أو أهواء مذهبية، ولكن يجب التأكيد دائما على أن مصطلح "الركن" ليس مصطلحا قرءانيا أو دينيا، وأنه من حق أي إنسان أن يبحث لنفس المفهوم القرءاني عن مصطلح أفضل.

ولكن من المرفوض تماما أن يضع أحدهم مصطلحا من عنده لا يقابله أي مفهوم قرءاني، وليس له أي مدلول قرءاني، ثم يزعم أن مصطلحه هو مصطلح ديني يترتب عليه التزامات دينية.

ومن المرفوض أيضا تحريف معنى مصطلح قرءاني أو تحميله بما يوافق الأهواء الشخصية أو المذهبية.

ومن يكتشف شيئًا أو يضع نظرية أو يخترع جهازا من العلماء والمهندسين يكون له حق التسمية ووضع المصطلحات لما اكتشفه أو وضعه أو اخترعه، فلا يجوز بالأولى لأحد منازعة الله تعالى حقه في وضع وتقدير المصطلحات الخاصة بدينه!

وموضوع المصطلحات الدينية هو أمر على أعلى درجة من الخطورة، فلا يمكن أن يُترك المصطلح الديني فارغا ليملأه كل واحد وفق هواه أو وفق توجهاته المذهبية، كما لا يجوز لأحد الزعم بأن كلمة لم يكسبها القرءان أية دلالة اصطلاحية هي مصطلح ديني، وكذلك لا يجوز ملأ المصطلح بأمور ظنية.

ومن أخطر الأمور في تاريخ الأديان إحداث مصطلح ديني خاطئ أو تحريف معنى مصطلح ديني موجود، إن ذلك أشبه بوضع ألغام في أساس بناء أو دس فيروس خطير في جهاز حاسب.

ومصطلح "الصحابة" الذي أحدثه بعض السلف وجعلوه عمليا وواقعيا المصطلح الديني الأقدس كان له ومازال آثاره المدمرة الهائلة على دين الحق وعلى أمة الإسلام وعلى البشرية جمعاء، ولا يكاد يعادله أي مصطلح آخر في اتساع وخطورة آثاره على أعداد هائلة من البشر والشعوب.

وهذا الكتاب يهدف إلى بيان حقيقة مصطلح الصحابة من كافة جوانبه وما ترتب عليه، كما يقصد إلى بيان كيفية إنقاذ دين الحق من آثاره القاتلة المدمرة.

فمسألة مصطلح "الصحابة" ليست مسألة هينة، بل هي من أخطر المشاكل ذات الصلة المباشرة بدين الحق، والاختلاف بشأنها كان من أسباب تمزيق الأمة وتفريق الدين، وهي من أخطر الأسباب التي أدت إلى ظهور المذاهب التي حلَّت محلّ الإسلام وإلى تكريس الشرك والضلال في العالم المحسوب على الإسلام، وإلى إلقاء الأمة في هوية سحيقة من الجهل والتخلف لا ترضى بها بدلا ولا تبغي عنها حولا.

وتعريف الصحابي وما ترتب على ذلك من القول بما يسمونه عدالته هو الذي أعطى للمرويات الظنية والآثار شرعيتها ومصداقيتها ثم جعلها قاضية على القرءان وحاكمة عليه وناسخة له عند التعارض.

ولقد لعبت الخلافات السياسية وتطلع بعض عبيد الدنيا إلى محاولة الاستيلاء على ما هو ليس بحق لهم إلى التضخيم من حجم المشكلة، ولقد أدى تصدي السابقين الأولين لمحاولات أهل البغي الاستيلاء على السلطة إلى لجوء أنصار أهل البغي الذين كانوا من الطلقاء أو الأعراب إلى تحويل مصطلح الصحابة التاريخي إلى مصطلح ديني وتوسيع هذا المصطلح لحساب الطلقاء والمنافقين، وقد حرَّفوا المصطلح ليسمح لهم بمكانٍ بسيط فيه ثم سرعان ما أصبحوا هم في ذروته وأصبحوا هم المنتفعين الأساسيين به!

وكل ما أحدثوه في الدين كان دائما لحساب الشياطين والمتسلطين وضد المصلحين المخلصين، فكأنهم أحدثوا ما هو مخالف للدين الخالص والمنطق لكي يستدرجوا هؤلاء المصلحين وليوقعوا بهم وليسلطوا عليهم الدهماء والغوغاء وغيرهم من القوى العمياء، ومن ذلك ما أحدثوه بخصوص الصحابة وما ترتب عليه من مشروعية ومصداقية المرويات وعصمة من جمعوها.

ولو كان الأمر أمر حجة من القرءان أو دليل منطقي أو برهان لما كان ثمة اختلاف في هذا الشأن، ولكن المشكلة هي في وجود مذاهب متناحرة يتصور أتباع كل مذهب منهم أنهم الفرقة الناجية، وأكثر الأتباع هم من الغوغاء الذين لا يتبعون إلا ما ألفوا عليه أسلافهم، وهم -مهما علت مراتبهم الدنيوية- في أمور الدين لا عقل ولا منطق لهم، فهم يتبعون كل غرٍّ ساذج تخرج من أحد مراكز نشر الجهل والتخلف، وهم يظنون أنه اكتسب بذلك هوية جديدة دائمة أو سرًّا يجعله حجة في كل أمور الدين ومعصوما من أي خطأ، هذا لسان حالهم، وهم لا يتصرفون إلا بمقتضى ذلك.

والمتكسبون بالدين يهولون للناس أمر الاختلافات فيما بين المذاهب المحسوبة على الإسلام، حتى يتوهم دواب الغوغاء أن من لا يعتنق مذهبهم من المسلمين الآخرين هو شيطان مريد وأنه أخطر على الإسلام من عتاة الكفار والمشركين!

ولا يجوز أبدا القول بأن أي فرد هو حجة على الإسلام والمنطق، بل لابد أن يكون توقير الشخصية التاريخية بقدر ثبوت التزامها بالإسلام، وليس لأحد أن يجعل من أعمالهم التي تتضمن اقترافا لكبائر الإثم اجتهادات مأجورة.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65