مسألة القبلة

نحن نقول إنه لا توجد في القرءان أيةُ آياتٍ منسوخة، بل توجد فيه آيات ناسخة لبعض أحكام الشرائع السابقة من حيث أن الدين عند الله واحد هو الإسلام الذي بدأ رسميا برسالة إبراهيم عليه السلام، واكتمل وخُتِم بالرسالة المحمدية؛ فهذه الرسالة تتويج لهذا الدين وبها تمَّ واكتمل.

أما الحكم المنسوخ فلا يوجد نص عليه في القرءان، وإنما هو يُدرَك من فحوى الخطاب أو بأية وسيلة أخرى، وعلى سبيل المثال كان المسلمون يصلون تجاه قبلة معينة قبل أن ينزل الحكمُ الناسخ لذلك والذي يتضمن الأمر بالتوجه شطر المسجد الحرام، فلا توجد في القرءان آيةٌ تأمرهم بالتوجه نحو القبلة القديمة، وإنما توجد في القرءان الآيات الناسخة التي تأمرهم بأن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام، هذه الآيات هي:

{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون} [البقرة:144]، {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون}[البقرة:149]، {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [البقرة:150].

أما حقيقةُ القبلة القديمة فلا تعني المسلمين الآن في شيء، وليس من الصعب استنتاج أنها كانت نفس قبلةِ أهل الكتاب؛ أي بني إسرائيل، أي هي المسجدُ الأقصى أو الهيكل، وكان موجودا في إيلياء أو أورشليم التي سيسميها المسلمون من بعد بيتَ المقدس، فهو الهيكلُ أو المعبد أو ثاني بيت وُضِع للناس وبارك الله حوله، وتوجد مرويات تؤكد ذلك وتقول بأن المسلمين ظلوا أكثر من سنة في المدينة يولون وجوههم شطر هذه القبلة، ولا يوجد أي مبرر لرفض هذه المرويات.

ولم تكن هناك مشكلةٌ بالنسبة للمسلمين عندما كانوا في مكة، فكان يمكنهم الجمع بين القبلتين، ولكن المشكلةَ نشأت بعد الهجرة إلى المدينة والتي تقعُ شمال مكة، فلا يمكن الاتجاه شمالا وجنوبا في نفس الوقت، وهذا ما كان يحزُّ في نفوس المؤمنين، وكان تغيير القبلة أمرا مقدرا عند الله تعالى فمن البديهي أن تكون القبلةُ العالمية هي البيتُ المبارك للعالمين في مكة؛ فهو أول بيت وُضع للناس.

وبذلك يتبيَّن الأمر؛ القرءان ليست به آياتٌ منسوخة؛ فلا توجد آيةٌ تأمرهم باتخاذ المسجد الأقصى أو أي مكان آخر قبلة، وإنما توجد الآيات الآمرة بالتوجه شطر المسجد الحرام، وهي ناسخة للحكم السابق غير المنصوص عليه في آية قرءانية، ولا يوجد نصّ يحدد القبلة القديمة، ولكنيوجد نصّ على أن القبلة القديمة قد جُعلت لمقصد معين ومذكور، قال تعالى:

{... وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم}[البقرة:143]

فلا يوجد في القرءان آية تأمر الناس بالصلاة إلى تلك القبلة القديمة؛ أي لا يوجد آية تأمر باتخاذها قبلة، ولذلك توجد هاهنا الاحتمالات الآتية:

1- إما أن يكون النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قد توجه إليها تأسيا بالأنبياء السابقين حيث لم يكن لديه نص في الأمر، فهو في ذلك كان متأسيا بموسى وعيسى عليهما السلام وهما من أولي العزم من الرسل، وكان الرسول مأمورا بالاقتداء بهداهم في آيات مكية، ولما كان الهدى بالأصالة هو هدى الله فإن توجهه نحو المسجد الأقصى كان طاعة لأمر إلهي وإن لم يأت بطريقة مباشرة، والله سبحانه هو الفاعل الحقيقي في كل الأحوال وهو ينسب إلى نفسه أفعال رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كما هو ثابت في القرءان بل وينسب إلى نفسه أفعال مخلوقاته من حيث أنهم آلاته وأدواته.

2- إما أن النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كان مفوضا في الأمر فاختار ذلك والله سبحانه هو الفاعل الحقيقي في كل الأحوال وهو ينسب إلى نفسه أفعال رسوله كما سبق بيانه.

3- إما أن الله أمره بذلك بدون إنزال آية قرءانية.

4- إما أنه كان ثمة آية تأمر بذلك فأبدلت أو نسخت أو أنسيت فلم تعد من القرءان المحكم الثابت ولم يعد لها وجود فيه.

والاحتمال الأول هو القول الحق، ولم يُذكر غيره إلا لإقامة الحجة عليهم، وفي كل الاحتمالات المذكورة فإن الذي نُسِخ لا وجود له في القرءان الذي هو بين أيدي الناس الآن.

أما المغضوب عليهم من أهل اللاسنة فيقولون بوجود احتمال خامس ورد في أكثر ما قالوا فيه بالنسخ، وهو وجود الآيتين المنسوخة والناسخة في القرءان الذي بين أيدي الناس الآن، وهذا احتمال لا يؤمن به إلا من كانوا أضل من بهيمة الأنعام، واستنادا إلى زعم كهذا نسخوا كل آيات الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة بما أسموه بآية السيف، إنه يجب القول بأن الأمر القرءاني قد نسخ ما كان لدى أهل الكتاب من أمر قديم بما هو خير منه، قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة106.

أما بخصوص موضوع القبلة فهو يؤكد كلامنا، إنه لا توجد آية قرءانية أمرت المسلمين باتخاذ المسجد الأقصى قبلة، ولكن توجد في القرءان فقط الآيات الناسخة لما كان عليه المسلمون، فكل آية لها مجال عملها.

*****

قال تعالى:

{وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة115

قالوا إن هذه الآية منسوخة بالأمر بتولية الوجوه شطر المسجد الحرام، هذا رغم أن الآية تتضمن أخبارا، وتذكر اسما إلهيا من الأسماء الحسنى، فهي غير قابلة للنسخ أصلا حتى وفق قواعدهم، فالنسخ لا يسري على الأخبار عندهم.

ويجب العلم بأن المسلمين لم يؤمروا في القرءان باستقبال بيت المقدس حتى يقال إن ثمة نسخا لأمر قرءاني، ولكن كثيرا من السلف وقعوا أسرى في قبضة الشيطان فسوَّل لهم القول بوجود نسخ في القرءان، وتلك الآية ليست مختصة بتحديد القبلة ليقال إنها منسوخة بالأمر بالتوجه شطر المسجد الحرام، وإنما تتضمَّن الآية ذكر شؤون إلهية وحقائق مطلقة غير قابلة للنسخ أبدا، ذلك لأن الحقائق لا تنسخ، فالآية تبين أن المشرق والمغرب لله تعالى، وأنهم أينما تولوا فثمَّ وجهه، فألوهيته نافذة على الكل محيطة بالكل، وكل شيء إنما هو له.

فأينما توجه المرء في عالم محسوس أو معقول فثمَّ وجهه من حيث أنه هو المحيط بكل شيء ومن حيث أنه هو رب كل شيء، ذلك لأنه هو الواسع العليم، فالآية كلها من مقتضيات هذا المثنى، فهي تبين مقتضيات المثنى (الواسع العليم) وتفصِّله، فمن ذلك أن له سبحانه المشرق والمغرب وأنه أينما تولى الإنسان، فثم وجهه بمعنى أن لألوهيته الإحاطة التامة بكل ما يمكن أن يتجه إليه إنسان على كافة المستويات، وتبين الآية كذلك أن لا مفر منه إلا إليه وأن من لم يأت إلى ربه بمحض إرادته من مكان قريب فسيؤتى به من مكان بعيد.

ولا يجوز لأحد أن يقول إن الله موجود في كل مكان، فالمكان والزمان من مخلوقاته مثل العوالم التي لكل منها إطاره الزمكاني، فكما خلق الله كل عالم فقد خلق معه زمانه ومكانه، وقد كان هو قبل كل ذلك، والكينونة هنا فوق كل إدراك أو تصور، فله سبحانه العلو اللانهائي المطلق فوق كل مخلوقاته ومفاهيمهم وتصوراتهم، وله الإحاطة المطلقة بالزمان والمكان والمباني والمعاني واللطائف والكثائف، لذلك أينما توجه الإنسان فثم وجه الله، ولا مفر لإنسان منه إلا إليه.

والآية أيضًا تتضمن أيضًا حكما خاصا بمن لا يستطيع التحديد الدقيق للقبلة، فعليه أن يتوجه إلى حيثما أداه اجتهاده، وكذلك حكما خاصا بما استجد من وسائل نقل، فلا حرج على الإنسان في أن يؤدي الصلاة فيها باتخاذ أي قبلة، فهو يعلم أن ربه غير مقيد بالجهة.

وربما تمكَّن الإنسان من السفر إلى كوكب آخر مثلا، فسيسري عليه الحكم الذي تقتضيه الآية، فهو أينما توجه فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ، ذلك لإِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

وفي الآية إشارة إلى القبلة الحقيقية التي يجب أن تتوجه إليها القلوب، إنها وجه الله، فيجب أن يكون القلب الإنساني خالصًا له، وأن تكون له المكانة العظمى فيه.

*****

قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) البقرة.

إن تلك الأمة قد اصطفاها الله تعالى لتكون شاهدة على سائر الأمم، وتلك الوظيفة باقية ببقاء هذا العالم يتوارثها من استعدوا وأُهِّلوا لها، أما الرسول فهو شهيد على تلك الأمة ما بقيت وهو شهيد على شهدائها يراقب مدى التزامهم وحسن أدائهم لما نيط بهم من مهام، وهذا يقتضي بقاءه البقاء الحقيقي التام الذي يكفل له الاطلاع على أحوال تلك الأمة.

أما القبلة القديمة فقد نسب إلى نفسه أنه هو الذي جعلها للناس لأنه هو الفاعل الحقيقي، ولقد جعلها كذلك لمن سبق؛ أي لبني إسرائيل، ولكنه لم يجعلها كذلك بآية قرءانية، ذلك لأن علمه سبحانه قد سبق بأن تكون قبلة المسلمين إلى يوم الدين هي المسجد الحرام، وهو لم يكن ليعرِّض للنسخ كلمة من كلماته أو آية من آيات كتابه المحفوظ والتي لا تبديل لها ولا تحويل، وإنما له أن يعتبر وأن يعتمد اجتهاد عباده، ولما كان كل فعل إنما يتم بمقتضى قوانينه وسننه فله أن ينسبه إلى نفسه، أما ما سبق في علمه أنه سيبدل فلم يجعله في القرءان، فلا نسخ في القرءان، وإنما لأحكام القرءان نسخ ما سبقها من أحكام، وأمر تحويل القبلة هو حجة على عبيد النسخ وليس بحجة لهم، فعبيد النسخ خلطوا بين أمرين: 1- وجود تطور وتدرج في التشريع وهذا أمر طبيعي مسلم به، 2- وجود آيات قرءانية منسوخة، وهذا زعم باطل وإلقاء شيطاني.

وإلى عبيد النسخ هذا التحدي: ائتوا بآية قرءانية تأمر المسلمين باتخاذ بيت المقدس قبلة.

*****

ويلاحظ أن الآية التي تتحدث عن نسخ آية بخير منها وردت في إطار التمهيد لتغيير اتجاه القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، أي نسخ الحكم السابق (الاتجاه إلى المسجد الأقصى) الذي كانوا يلتزمون به اتباعا لملة إبراهيم وموافقة لأهل الكتاب (وهو لم يرد في القرءان)، واستبدال به الاتجاه إلى المسجد الحرام.

فالذي حدث هو تغيير القبلة، ولا توجد في القرءان أية آية تأمر المسلمين بالاتجاه شطر المسجد الأقصى أو حتى تنص على اتجاه القبلة القديمة، وإنما توجد الآيات التي تنسخ الحكم السابق، وهو حكم من أحكام الشرائع السابقة، وتحدد اتجاه القبلة الجديدة، وهي المسجد الحرام.

فمسألة القبلة تؤكد قولنا وهو أنه لا توجد في القرءان آيات منسوخة وإنما توجد الآيات الناسخة لبعض أحكام الشرائع السابقة.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 418