مدينة خسيسة 3

كان الجزار الجديد قد تعلم أنه بحاجة ماسة إلى تأييد سكان المنطقة وأكثرهم من الدهماء والغوغاء، وكان يعلم أن موقفهم هو الذي سيحسم الأمر، ولذلك استبق الأحداث، وأحكم المكيدة والتدبير، أعلن على الناس عن طريق أعوانه الذين أرسلهم إلى هناك أو استمالهم أن جزارته سيكون اسمها جزارة الدين، وأن كل أحكام الشريعة ستطبق بحذافيرها على المذبوحات، وأنه لن يكون هناك ظلم ولا غش ولا تطفيف بعد اليوم.

وزعوا أيضا منشورًا يفضح كل أساليب الغش والتطفيف التي يتبعها جزار الأمانة مشوبًا بقدر كبير من المبالغات والتحريض، كذلك وزعوا بيانًا بممتلكات وثروة جزار الأمانة التي كونها من مصّ دماء الناس، أمكن بذلك تعبئة الشعور العام ضد جزار الأمانة.

في اليوم المحدد لتنفيذ الخطة تسلل بعض بلاطجته قبيل الفجر إلى أسطح بعض العمارات المنتقاة بعناية، كان هدفهم إلهاب حماس الناس وتأجيج غضبهم باصطياد بعضهم بالرصاص عندما يبدؤون التحرك.

تحركوا جميعا فرادى إلى أن التقوا عند مدخل المدينة، فوجئ جزار الأمانة باقتحامهم المدينة، علم أنهم في الطريق إليه، استدعى جنوده وأنصاره على عجل، واستعد للمقاومة.

كان جزار يعلن شعاراته على الناس من مضخم صوت كبير وهو يزحف باتجاه جزارة الأمانة على رأس بلاطجته، كانت قواته تتزايد بانضمام بعض الناس إليها كلما توغل في المدينة، كان أكثر الناس لجبنهم وهلعهم مترددين في انتظار الانضمام إلى الغالب.

أخذ البلاطجة يطلقون الرصاص من على أسطح المنازل على من انضم إليهم من أهل المدينة، لم يصب هذا الرصاص بالطبع أحدًا من البلاطجة، ألهب الرصاص حماس الناس وزاد من عزمهم وتصميمهم على حسم المعركة مع جزار الأمانة.

أخذ حشد جزار الذي لم يكن كبيرا يقترب من جزارة الأمانة بخطى حثيثة واثقة، ولكن جزار الأمانة كان قد استعد بجنوده المدربين وانتقى مواقع قتال متميزة، ها هم الجمعان وجهًا لوجه، تأهب الطرفان للقتال حتى الموت.

كان بمقدور جزار الأمانة وجنوده سحق الجزار الجديد وبلاطجته والقلة التي انضمت إليهم، ولكنهم فوجئوا في اللحظة الحاسمة بما لم يكن في الحسبان، كان أكثر المترددين قد حسموا أمرهم وقرروا الانضمام إلى جزار الإسلام.

فوجئ جزار الأمانة بانحياز أكثر أهل المنطقة لعدوه، كانوا يأتون من كل شارع وحارة مرددين هتافات مدوية بحياة الإسلام وباستعدادهم للموت في سبيل الإسلام، صحيح أنهم لم يقيموا لهذا الدين من قبل في حياتهم أي وزن، بل كانوا يتقربون إلى بعضهم البعض بسبِّه، ولكن مع ذلك كان لابد لهم من الوقوف مع من يرفع راية الدين، أصبح عندهم الإسلام هو الانتصار لجزارة الإسلام، خاصة وأنهم كانوا ناقمين على جزار الأمانة، أجج غضبهم تعرضهم لإطلاق الرصاص أثناء زحفهم تجاه جزارة الأمانة وسقوط بعضهم قتلى وجرحى.

كان المشهد مهيبا مخيفا، وكان جنود جزار الأمانة من أهل المنطقة، لذلك لم يتقبلوا أبدا أن يصوِّبوا سلاحهم نحو أهاليهم، فجأة، أخذوا يتسللون إليهم، واحدا تلو الآخر، أخذت أعداد الفارين في التزايد.

سرعان ما وجد جزَّار الأمانة نفسه وحيدا، انفض جنوده من حوله، تخلى عنه كل أنصاره، لاذ بالفرار -تاركًا كل ما يملك- مشيَّعا بلعنات أهل المنطقة وضحكات بلاطجة الجزار الجديد المدوية، كان بإمكان جزار قتله، ولكنه لأمرٍ ما تركه يفر بجلده.

وبذلك تمّ حسم المعركة وطرد جزار الأمانة من المنطقة والاستيلاء على محله بسهولة فاقت التوقعات!

وهكذا حقق جزار الإسلام أهدافه كاملة وانفرد بسكان المدينة.

أما أهل المدينة فبلغت بهم النشوة مداها الأقصى، أخذ كل واحد منهم يتفنن في حكاية ما تعرض له على يد جزار الأمانة من مهانة في الماضي البغيض ويبالغ في وصف دوره في الإطاحة به، أخذوا يمنون أنفسهم بعهد سعيد مع الجزار الجديد، أصبح الجميع يعتبرون أنفسهم جند الإسلام المظفرين واستعدوا لاستقبال عهدٍ إسلامي باهر، شكلوا لجانًا ثورية لإدارة الأمور لحين استقرار الأوضاع.

لم يضيِّع هذا الجزار وقتًا كثيرا، كان رجلا جادا لا يعرف التصنع أو المداهنة أو المراوغة، وزَّع كل الغنائم على من أتى بهم من البلاطجة، بدأ يرد الجميل لأهل المدينة بطريقته الخاصة.

كان يؤمن إيمانًا راسخا بأنه خلصهم من وحش كاسر وأنهم بذلك أصبحوا مدينين له بكل شيء، وكان أخشى ما يخشاه أن يظنوا أنه مدين لهم بأي شيء، كان ينظر إليهم كمغفلين بلهاء أو كحمير وبغال امتطاها ليحقق بهم أغراضه، كان يتوقع منهم أن يوجهوا إليه الشكر على كل صفعة أو لطمة أو ركلة يجود بها عليهم.

ولكن كانت ردود أفعالهم سلبية وغير مشجعة وغير متوقعة بالنسبة له، بل فوجئ بأنهم بدأوا ينددون بأفعاله في مجالسهم!

إن هؤلاء يعضون اليد التي امتدت إليهم بالمعونة ويتطاولون على من خلصهم من الوحش الضاري الذي كان يمتص دماءهم، لم تعد المعاملة الحسنة تجدي معهم!

لذلك قرر أن يكشِّر لهم عن أنيابه وأن يريهم عينه الحمراء!

بدأ يبيع لهم أسوأ أنواع ممكنة من اللحوم بأغلى ما هو ممكن من الأسعار، وضع خطة شاملة لتشتيت شملهم وتفريق جمعهم وضربهم بعضهم ببعض، أخذ يستدرج بعضهم ليوقعهم بين أيدي بلاطجته الذين كانوا يقومون بكل ما يلزم لكي يعلموهم شيئا من الأدب، وليجعلوا منهم عبرة للآخرين.

ضج أهل المدينة وعلا صخبهم بسبب أفعاله وطغيانه، قرروا وضع حدّ لهذه المأساة أو المهزلة غير المتوقعة، وغير المبررة، لقد استولى جزار الإسلام على الجزارة وما فيها بفضلهم هم، وليس بسبب من أتى بهم من البلاطجة الذين يتمرغون الآن في النعيم بسببهم.

قال لهم شيخهم إن تصرفات جزار الإسلام ليست من الإسلام في شيء، كانت ذكريات الثورة المجيدة مازالت حية في نفوسهم، اجتمعت اللجان الثورية وقرروا العمل.

اتفقوا على يوم الحشد، أخذوا يوزعون المنشورات التحريضية ضد جزار وبلاطجته، قالوا إنه أسوأ بكثير من جزار الأمانة الذي ثاروا ضده وأن من خلعوا جزار الأمانة لن يعجزهم خلع جزار الإسلام.

كانت الأنباء قد تسربت إلى جزار، أغلق المحل ونشر بلاطجته على أسطح المنازل، جاءت الحشود، بدأت على الفور في رشق محله المغلق بالحجارة، لمح أحد القناصة شابا يحمل زجاجة مولوتوف عاجله برصاصة أردته قتيلا، بدأ البلاطجة يحصدون في المتظاهرين بغل شديد ونشوة، تفرقوا جميعا وولوا الأدبار تاركين القتلى والجرحى، صاح جزار: يا لها من وليمة جاءت بدون توقع.

لم يعد جزار وبلاطجته بحاجة إلى العمل! حملوا الجثث إلى الداخل، وأخذوا في تقطيعها وتجهيزها!

كان أهل المدينة لا يعلمون أن جزار وبلاطجته من عتاة المجرمين الخطرين، وأنهم لن يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة، كما كانوا يجهلون أنهم أصلا من آكلي لحوم البشر!

كانت البداية عندما ذبح جزار ذات مرة أحد شبان الحي الذي كان يقيم فيه، كان هذا الشاب قد رآه وهو يحاول أن يخطف حقيبة من إحدى النساء فتصدى له، فوجئ هو بجرأة هذا الشاب فهجم عليه هجوما ضاريا، نشبت بينهما معركة طاحنة انتهت بأن سقط جزار تحت قدمي الشاب الذي أخذ يكيل له الركلات في رأسه حتى غاب عن وعيه، أفاق ليجد نفسه ملقى في الحجز في قسم الحيّ.

تذكر لتوه ما حدث فأخذ يصرخ ليسري عن نفسه معبرا عن توعده للشاب ورغبته في الانتقام مهما كان الثمن، أصبح مجال سخرية وتندر الناس، ما إن أفرج عنه حتى أخذ يعد العدة هو وزملاؤه للثأر من الشاب، لم يعد له همّ إلا بأن يتخيل نفسه وهو يمزقه إربًا ويستمتع بأكل كبده مشويا.

تمكن بعض زملائه من معرفة عنوانه ورصد تحركاته، ترصدوا له عند عودته ذات ليلة، فوجئ الشاب بالجزار أمامه وكأن الأرض انشقت عنه، أخذته رجفة من المفاجأة، ولكنه سرعان ما تماسك وعاجله بلكمة من لكماته الهائلة طرحته أرضا، ألقى نفسه عليه، ولكنه فوجئ بطعنة نافذة في ظهره، حاول أن يتماسك، ولكنه تلقى طعنة أخرى غيبته عن الوعي، جاء جزار وذبحه أمام الناس الذين فروا من الهلع، لم يكن هذا كافيا لكي يشفي غليل جزار، حمل معاونوه ضحيتهم إلى الوكر الذي يقيمون فيه، قرر هو طبخ جثمان الشاب وأكله، لم يستسغ ذلك أصحابه المجرمون، ولكنهم تركوه وشأنه.

أخذ يتناول اللحم بنهم شديد أغرى زملاءه بالتشجع ومشاركته، تغلبوا واحدا بعد الآخر على ترددهم وأخذوا يأكلون اللحم معه، أعجبهم طعم اللحم البشري بشدة، ولما لم يكن لديهم أي دين ولا وازع من الإنسانية، بل كانوا مجرد وحوش ضارية تحركها غرائزها فإنهم أضافوا إلى سجل إجرامهم اصطياد البشر والتهام لحومهم.

اشتدت سطوة جزار وبلاطجته في المدينة، بعد أن هزم الثائرين وطاردهم اضطرت الشرطة لمصانعته بل والخضوع له، كان ردهم على كل طلبات المساعدة من الأهالي: دبروا أمركم معهم بعيدا عنا.

تذكر أحد شبان المدينة من المتدينين القليلين أن الجزارة مازالت تحمل اسم "الإسلام"، أخذته الحمية والحماسة وقرر أن يذهب إليه بعد أن أقسم أن يلقنه درسًا في أخلاقيات الإسلام، خرج وراءه بعضهم ليتابع ما سيحدث عن كثب، استمع الجزار إلى محاضرته عن أخلاقيات الإسلام بكل هدوء وأدب، وبعد أن انتهى قال له:

  • كل ما قلته جميل، ولكن كل ما أفعله أنا مما لا يعجبك هو الإسلام.

  • يا للتناقض! أبعد كل ما سمعته تقول إن ما تفعله هو الإسلام.

  • أي نعم!

  • إن كل أفعالك هي النقيض التام للإسلام.

  • ألم تقرأ عنوان الجزارة جيدا؟

  • بلى قرأته.

  • هل اعترض أحد منكم على هذا العنوان؟

  • كلا، بل رحبنا جميعا به.

  • بل إنكم قاتلتم معي باعتباري أمثل الإسلام.

  • صحيح

  • إذًا أنا الإسلام، وكل من يعترض عليَّ يكون معترضا بالضرورة على الإسلام، بل وخالعًا للربقة ومفارقًا للملة وموقدا لنيران فتنة

  • ماذا؟

  • وحيث أنك كنت زعيم المعترضين فقد وجب علينا تطبيق الشرع الحنيف عليك.

قبل أن يستوعب الشاب هذا الادعاء الفاجر كان الجزار قد قام واستل سكينته الكبيرة وبكل هدوء ذبحه أمامهم، أخذ يضحك بصوت مجلجل ويستمتع برؤية جسده وهو ينتفض أمامه، أصيب من جاؤوا معه جميعا بالهلع ولاذوا بالفرار.

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 412