كيف أضاع الأعراب التقويم؟

كيف أضاع الأعراب التقويم؟

الجواب: الصيغة الصحيحة للسؤال هي ما يلي: كيف بقي شيء من الدين أو التراث الديني الحقيقي ولم يضيعه الأعراب الذين بقوا على جاهليتهم، فأسلموا ولم يؤمنوا؟

من المعلوم أن الأعراب كانوا قومًا بدائيين متخلفين، رغم أنهم كانوا يجاورون أرقى الشعوب حضارة في عصرهم، وهم لضلالهم المبين ولعنصريتهم الشديدة وعنجهيتهم غير المحدودة كانوا يرفضون أن يتعلموا أي شيء منهم، فقد كان الشرف عندهم في القتال والتجارة، كانوا يزدرون كافة الأعمال الأخرى، وكانوا يعيشون في شبه معسكر دائم، وفي حالة تعبئة عامة مستمرة، في حين أن غيرهم كانوا يعتمدون على جيوش محترفة وجند مرتزقة، ومن يعشْ في حالة حربٍ مستمرة سيقتل في نفسه أي رغبة في التعلم.

وكذلك لم يخطر ببال مؤسسي الدولة القرشية وجوب وجود سلطة دينية مركزية للحفاظ على التراث الديني على الأقل، بل اتخذوا، عمدًا أو عرضًا، كل ما يلزم للقضاء على هذا التراث، ومن ذلك:

1. اعتبار العلماء الحقيقيين، وكانوا قلة، أعداء رسميين للدولة، هؤلاء العلماء كانوا الإمام علي وأنصاره.

2. إرسال حفظة القرءان الكريم، وكانوا قلة، في الجيوش الذاهبة لمحاربة الأعراب الثائرين، وبذلك استحر القتل فيهم، كما أقر عمر بن الخطاب بذلك، حتى زعم جامعو القرءان المزعومين أنهم لم يجدوا أواخر سورة التوبة عند رجل واحد فقط، كما ذكرت كتب علوم القرءان أنه ضاع كثير من القرءان، وقد تكفل الأمويون بإبادة البقية من الصالحين.

3. معاقبة وإرهاب كل من يحاول أن يروي شيئا من آثار العصر النبوي.

4. القضاء على التراث المكتوب، وكان ذلك عمدًا، وليس عرضا

ولقد مثل عمر بن الخطاب العنصرية الأعرابية في صورتها الفجة، فهو الذي كان يستعمل كلمة (العلوج) بكثافة عند الحديث عن أهالي البلاد المقهورة، وهو الذي قام بتبديد آثار العصر النبوي، وهو الذي كان يرفض بشدة استقدام العمال المهرة منهم لتحديث مدن الحجاز وتعميرها وتحصينها.

ولك أن تتصور كيف أن الأعراب الذين استوطنوا البلاد المفتوحة كانوا يعيشون في مدن حديثة متحضرة، بينما كانت مدن الحجاز على حالتها أيام العصر الجاهلي، ولذلك ستكون أهدافًا سهلة لجيوش الأمويين من بعد.

ومن المعلوم أن عمر كان يرسل لولاته أوامره بدون تأريخ، كان يكتب فقط اسم الشهر العربي الذي كتب فيه الرسالة، فكان أحد ولاته هو الذي نبهه إلى وجوب اتخاذ سنة معينة لبدء التأريخ، فحتى هذا الإجراء البدائي لم يكن يعلمه رئيس أكبر إمبراطورية في عصره!

ورغم أن الدولة الأموية نشأت في مركز حضاري، وأن معاوية تعلم من أركان الدولة البيزنطية العميقة في الشام من ضمن ما تعلمه أهمية وجود تراث ديني مدون، إلا أنه تعلم منهم في المقابل وجوب استئصال علماء الدين الحقيقيين ووجوب تحريف الدين واستغلاله لتدعيم سلطته، وبإرشاد أركان الدولة البيزنطية العميقة علم معاوية أن الدولة القرشية البدائية ستنهار سريعًا، وأنه يجب بناء دولة عصرية، وكان ذلك من أسباب تغلبه على من يمثلون القيم والمثاليات الدينية في عصر إقبال شديد على الدنيا وتهالك على حطامها.

إنه طوال عصر الدولتين القرشية والأموية لم تكن توجد جهة مركزية منوط بها الحفاظ على وثائق الدين والتراث الحقيقية، كما اختفت طائفة العادين والقلامسة المنوط بها الحفاظ على التقويم فجأة من التاريخ، ولم يبدأ التدوين الحقيقي في الدين إلا على أيدي بعض الأعاجم المتطوعين والمولدين من بعد وبعض الحالات الفردية من العرب، وكان لذلك مزاياه القليلة وكوارثه العديدة.

إن بقاء القرءان محفوظًا هو من الآيات الإلهية الراسخة والظاهرة، فلم يستطع المنافقون تحريفه أو الإضافة إليه أو الحذف منه، رغم شدة حرصهم على ذلك، ورغم تسلطهم الإجرامي الإرهابي، فلم يملكوا إلا أن يثيروا اللغط من حوله وأن يقللوا من شأنه، وأن يجعلوا لمصادرهم الثانوية المحرفة الحكم والقضاء عليه، وأن يجعلوها هي المصدر لجلّ الدين، هذا مع استمرار تبجيله وتقديسه كمجرد أصوات تُحفظ وتُجود ويُتغنى بها، أو كرقوم تزخرف بها المساجد.

*******

عدد المنشورات : 458