top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 170، أمور وأركان دين الحق (3)، 2020، (1)

لقد أعلن الله تعالى أن المسيح لن يستنكف أن يكون عبدا له ولا الملائكة المقربون، وكذلك لن يستنكف الرسول الأعظم أن يكون عبدا لله، بل هو أول عابد لله بل هو العابد بحق لله بل هو العبد المطلق لله وكل من هم سواه عابدون لله بالتبعية، وكونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أول عابد لله لا يعنى فقط الأسبقية الزمنية ولكنه يعنى أنه أقربهم إلى الله سبحانه، فكل سالك إليه لابد من أن يجده أمامه سابقا له بحيث يجد أن عليه أن يتأسى به، ويعنى أيضا أنه أجمع الناس للكمالات التامة المحكمة وأعلمهم بما يجب للحق على الخلق من واجبات وأنه لا يطالع الحق أحد إلا من ورائه كحجاب ولا يصل إليهم شيء إلا عن طريقه.

إنه بالعبودية لله يرتفع قدر كل من هم من دونه ويزداد شرفهم وتعلو مراتبهم، لذلك فعلى المسلمين أن يعرفوا لنبيهم الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَقدره العظيم، ولكن عليهم ألا يغلو في دينهم غير الحق فإن هذا الغلو لن يفيد نبيهم أو يفيدهم شيئا، ولقد أتخذ الله ورسوله كل ما يلزم من احتياطات لكيلا يعبد الرسول من دون الله، لذلك لم تعبده فئة إسلامية مهما بلغ انحرافها عبادة صريحة وإن عبدت من هم من دونه.

لقد تصدَّي الرسول بحسم لكل محاولة لتقديسه أو لربط كل شيء به؛ فلم يأمر المسلمين بالاحتفال بأي شيء يتعلق بشخصه كيوم ميلاده مثلا أو يوم انتصاره النهائي، بل لقد نهاهم عن تدوين كلامه، ولقد كان لذلك أسبابه المعلومة، ولكن لم يتضمن الكتاب العزيز ما يمنع الناس من الاحتفال بالرسول وبكل ما يتعلق به بل إن هذا الاحتفال من لوازم ركن الإيمان به، فهذا الاحتفال ليس إلا التزاما بالأمر الإلهي بتوقيره واحترامه وعرفان قدره وفضله والصلاة عليه، وكل ذلك من لوازم ركن ديني ركين، فسبل القيام بأركان الدين تتطور بتغير العصور، وذلك من مقتضيات سمات الدين العالمي الخاتم.

إن هذا النبي العظيم والرسول الكريم هو الذي أخرج تلك الأمة من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، فالاحتفال به هو من باب عرفان الفضل لأهله، والمسلمون بهذا الاحتفال لا يقترفون أمرا منهيا عنه ولا يؤلهون نبيهم ولا يتخذونه ربا من دون الله، فإن قيل إن في ذلك تشبها بالنصارى الذين يحتفلون بميلاد المسيح عليه السلام فإن هذا القول ليس بحجة فثمة فرقان هائل ومعلوم بين طبيعة الاحتفالين، كما أن تشابه الأمم في بعض الأمور لا يعنى بالضرورة بطلان تلك الأمور، فالمسيحية مثلا تأمر بالرحمة وتحث عليها فهل يعنى ذلك أنه ينبغي ألا يتصف المسلمون بتلك الصفة حتى لا يتشبهوا بالنصارى؟ ألم يثن الله سبحانه على من اتبعوا المسيح لاتصافهم بالرحمة والمودة؟

لقد سبق القول بأن الإعجاب بالعظماء والاحتفال بهم والتأسي بهم هو فطرة بشرية أصيلة لا سبيل إلى دفعها أو كبتها وإنما يمكن حسن توجهيها وإلا فإن المسلمين إن لم يحتفلوا برسولهم فسيحتفلون قطعا بمن هم من دونه وبمن لا يساوون التراب الذي وطأته قدماه، أليس الاحتفال بذكراه العطرة هو أمر يمكن أن يوحد تلك الأمة؟

*******

الصلاة والتسليمعلى النبي

الصلاة هي أصلا صلة بين طرفين، وتكون من الجانبِ الأعلى بمعني الالتزام الاختياري بالنصرِ والدعم والرحمة والتأييد والاصطفاء والنقلِ من حالة إلى حالةٍ أفضل منها، وتكون من الجانب الأدنى بمعني الولاءِ والالتزام بالأوامر والدعاء وطلب النصر والتأييد والمداومةِ على عمل كل ما يقوي ويدعم الصلة والاعتصام بذلك، وكل عمل بمقتضى ذلك هو صلاة.

والصلاة الصادرة عن ذاتٍ ما إنما تصدر عنها كما يليق بها، ولذا فصلاة اللهسبحانه على النبي إنما هي أمر مطلق من شؤونه الذاتية وأفعاله اللازمة، ويلاحظ أن سيدنا محمدصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ هو النبي المطلق المفرد العلم، فإذا ما ذكرت كلمة (النبي) وحدها فإنما يكون المراد بها هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وبصلاة الله تعالى عليه تتحقق إمكانات وكمالات النبوة وتنتقل من بطون إلى ظهور وتفيض بركاتها على العالمين ويتحقق كونه رحمة للعالمين، أما صلاة الملائكة عليه فهي تفاصيل ومقتضيات الصلاة الإلهية من حيث أنهم آلات الإله المعتمدة والموكل إليهم تنفيذ أوامره.

ولقد نسب الله فعل الصلاة إلى نفسه، قال تعالى:

{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيما} الأحزاب43.

والصلاة تُنسب إلى كائنٍ ما كما يليق به، فصلاة الله تعالى على كائنٍ ما ليست كصلاة ملائكته وليست كصلاتنا نحن التي نرفعها إلى الله تعالى، فصلاة الله على عباده هي من مقتضياته كونه الرحيم، وكل ما نسبه الله تعالى إلى هذا الاسم في القرءان هو من تفاصيل صلاته عليهم، قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [الإسراء:66]

ولا يمكن إدراك كنه أي أمر منسوب إلى الله تعالى، ولذلك فصَّل الله تعالى الأمور المنسوبة إليه للناس بمقتضياتها وبما ينتج عنها، وصلاته على الناس بصفة عامة وعلى المؤمنين بصفة خاصة مفصلة بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وهذا الإخراج من لوازم عنايته بهم والمتمثلة في الصلات التي يقيمها معهم، وكذلك عندما نسأل الله تعالى أن يصلي على أحد، فهو يفيض عليه من خزائن رحمته.

وصلاة الله تعالى على النبي هي صلاة مطلقة تتضمن رفع الدرجة إلى المدى الأقصى، وهي من أسباب كونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ هاديًا إلى الله تعالى وداعيا إليه، ومن أسباب كونه رحمة للعالمين.

و(النبي) المطلق هو العبد المحض لله تعالى، وهو أول العابدين بكل ما يعنيه ذلك، فهو عبد الله من حيث ذاته ومن حيث أسماؤه وسماته، لذلك فهو المقصود بالأصالة بالمصطلح "عبد الله"، وهو المقصود بالأصالة بالمصطلح "عبده" أينما ذُكر مجردا في كتاب الله العزيز، فإذا ذكر الله تعالى كلمة "عبده" في القرءان فهو يقصده بالأصالة، ومن مقتضيات صلاة الله تعالى عليه إمداده بكل نتائج وآثار أعماله الصالحة وبكل ما يزيده رقيا وسموا إلى أبد الآبدين.

إن صلاة الله تعالى على عباده مثل سائر أفعاله لا يُدرك كنهها وإنما تُعرف بآثارها، ومنها إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ويلاحظ أن الظلمات عديدة أما النور فواحد، ذلك لأن الله سبحانه واحد ودين الحق واحد وكتابه واحد، فالخروج إلى النور هو الخروج إلى صراط العزيز الحميد.

وتلك الصلاة هي أمر خاص بالمؤمنين وهي من تجليات اسمه الرحيم والظلمات كلها أصلها العدم والذي ترتب عليه النقص، لذلك فهي تشمل كل نقص وكل ما ترتب على هذا النقص من المعاني والأفعال؛ فهي تشمل الكفرَ والجهل والشرك والظلم والنفاق والباطل ومساوئَ الأخلاق.....الخ، أما النور فهو أصل كل الأمور الوجودية والمعاني الكمالية فهو الوجود والظهور والهدى والحق والإيمان والفعل والتأثير......الخ، فالصلاة من حيث هي، هي شأن إلهي وهي فعل يمارسه الحق سبحانه من حيث أنه الإله ويتضمن الإيجاد والإظهار والهداية وإحقاق الحق فلها مراتب مختلفة.

ولقد أُمِر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَبالصلاة على المؤمنين وذلك أمر من لوازم حقيقته، وهو أمر يتعالى فوق الارتباط بالزمن، فهو يصلي على المؤمنين وسيظل يصلي عليهم إلى أبد الآبدين، ذلك لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حي وشهيد على المؤمنين، وبتلك الصلاة تطمئن قلوبهم ويسكن اضطراب وجيشان نفوسهم، ويحظى كل مؤمن بثمار تلك الصلاة بمقدار صلاته هو على النبي ومعرفته بقدره وإجلاله لشأنه وتأسيه به وتمسكه بهديه.

أما صلاة الله تعالى على النبي فهي أمر مطلق، وبسؤال المسلم لربه أن يصلي على النبي فإنه يحظى بشيءٍ من ثمار تلك الصلاة، وهذا الحظ يتناسب مع مقدار صلاته هو على النبي ومعرفته بقدره وإجلاله لشأنه وتأسيه به وتمسكه بهديه فهي أمر مطلق، فإذا كانت الرحمة هي التي اقتضت إخراج الناس من الظلمات إلى النور فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ هو عين الرحمة وهو الرحمة المرسلة وهو الآلة العظمى لذلك الإخراج من الضلال إلى الهدى ومن الباطل إلى الحق وكذلك كانت حقيقته هي الوسيلة لإظهار الحقائق لأنها كلها تفاصيل حقيقته الجامعة، وصلاة الله على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ هي المدد الإلهي الذي يتم به كل ذلك على كافة المستويات، والملائكة هم وسائط هذا المدد ووسائله من حيث أنهم تفاصيل حقيقته الجامعة وآلاتها.

أما صلاة الناس على النبي فهي سعيهم لإقامة صلة وثيقة به باتخاذه إماما، وبالتأسِّي به والعمل بسنته التي هي العمل بمقتضى الأوامر الإلهية المذكورة في القرءان، والصلاة اللفظية على النبي مع حضور الذهن هي وسيلة لتذكير الكيان الإنساني الجوهري بذلك، وكذلك هي وسيلة لترسيخ الصلة به، ولا يجوز ان يرتاب مؤمن في أن النبي حيّ وشهيد على أمته وعلى سائر الأمم، فهو أولى الشهداء بأن يكون حيا عند ربه يُرزق، والحق هو أن كل الأنبياء والشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، والمقتولون في سبيل الله تعالى يُلحقون بالشهداء بدون اشتراط أن يكونوا قد وصلوا إلى تلك المرتبة بأعمالهم.

وأفضل الصلوات على الرسول تلاوة الآيات التي يثني عليه ربه فيها ويبين فيها مهامه.

*****

1

bottom of page