نظرات في تاريخ القرن الإسلامي الأول

نظرات في تاريخ القرن الإسلامي الأول


1. الرسول أسس أمة تحكم نفسها بنفسها، ولم يؤسس مملكة أو دولة ليورثها لأحد، بل إن ما زعمه له المحسوبون على الإسلام هو ما ادعاه عليه كفار قريش وأعداء الإسلام، ولقد برأه الله تعالى من كل لوازم ومظاهر التسلط عندما أعلن أنه ليس عليهم بجبار أو مصيطر أو حفيظ أو وكيل.

2. الرسول أوصى بولاية أمر الأمة للإمام عليّ لأنه هو الذي استحق ذلك وأثبته بعمله وعلمه وجهاده طوال العصر النبوي، فهو الذي نشأ وتربى وتزكى في بيت النبوة، فتشبع بدين الحق، وهو بطل كل معارك العصر النبوي، كان دائمًا في مقدمة الصفوف، وكان هو الذي يثبت بينما يفر أكابر القرشيين المعبودين الآن، وكان هو أعلمهم، بينما لم يؤثر عن غيره منهم أي أثارة من علم، وهذا مما أثار ضده الكثير من الحقد المرير، هذا بالإضافة إلى أنه قتل الكثير من صناديد قريش، فأصبح القرشيون يتربصون به الدوائر في مجتمع كان دينه الحقيقي هو العصبية القبلية.

3. كان من مهام الإمام من بعد الرسول أن يستكمل المهام التي كانت منوطة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ومنها تعليم وتزكية أكثر من مائة ألف أعرابي أسلموا في نهاية العصر النبوي، ولما يؤمنوا، وكان هو المؤهل لذلك وليس غيره، وكان أهل العلم من القرن الأول هم من يعرف له قدره، ولقد أعلن الرسول ذلك عندما بين لهم أنه منه بمثابة هارون من موسى.

4. كان معلومًا للرسول أن إنشاء أمة ثابتة صلبة تظل معتصمة بالحق، لا تنقلب على أعقابها، ولا تبدل، ولا تنحرف، وتقدم للناس المثل الإسلامي الأعلى يستلزم أن يليها اثنا عشر إماما، كانت هذه أمنيته، التي لم تتحقق.

5. لم يكن من سلطة الرسول أن يتدخل في سير الأحداث من بعده، فمهامه محددة بدقة في القرءان، وكان هو العبد المحض الخالص لربه، وبحكم أنه رحمة للعالمين لم يشأ أن يكرههم على شيء، أو أن يأمرهم بأمر كانوا سيعصونه فيؤدي ذلك إلى هلاكهم.

6. بدأت بوادر تمرد القرشيين أثناء مرض الرسول، وتمثلت في عدم الاستجابة له عندما طلب أن يكتب لهم كتابًا لا يضلون بعده أبدا، فأبى أعلاهم صوتا، وصرخ بشعار "حسبنا كتاب الله"، فكان أول من قال كلمة حق ولكن يُراد بها باطل، وكان عليهم أن يعلموا أن الرسول هو الذِّكر، وأنه القرءان الحيّ المتجسد لهم، وأن ما سيقوله هو مقتضى كتاب الله، علم الرسول من تنازعهم واختلافهم أن القضاء قد نفذ، وكان الرسول عندما نزلت الآية {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون} [الأنعام:65] قد استعاذ بربه فأجابه في أول أمرين، ولم يجبه في الأمرين الثالث والرابع، وأسباب ذلك معلومة.

7. أما تمردهم الثاني فتمثل في عدم إنفاذ بعث أسامة، وفرار أكابرهم من المعسكر، وإصرارهم على البقاء في المدينة، وقد كان الرسول -حتى بعد أن مرض فجأة مرضه الذي كان يعلم أنه الأخير- حريصًا على إنفاذ هذا البعث، فلما تباطؤوا خرج إليهم عاصبًا رأسه فقال: (أيها الناس انفذوا بعث أسامة).

8. بعد انتقال الرسول ذهب الأنصار إلى سقيفتهم ليتباحثوا في أمر مدينتهم، لا أكثر ولا أقل، فهرع قادة القرشيين إلى السقيفة، وتحول الجدال إلى صراع حول السلطة، لا علاقة له بالإسلام، ولقد برع قادة القرشيين في إدارة الحوار، وفي التلاعب بالأنصار واستغلال طيبتهم وكرم أخلاقهم، وكذلك في استغلال العصبية القبلية القديمة بين الأوس وبين الخزرج، فولوا أبا بكر الأمر، مع إعطاء وعد زائف للأنصار بأنهم سيكونون الوزراء، لم يستمع الأنصار إلى نصائح عقلائهم وتحذيراتهم، بل داسوا بأقدامهم زعيم أنصار الله ورسوله من الخزرج، وقد دفعوا من بعد ثمن ذلك غاليا.

9. بمجرد تولي أبي بكر الأمر صار في نظرهم إلهًا لا يُسأل عما يفعل، قرروا إلزام العترة النبوية التي لم تُستشر في الأمر أصلا بما اتفقوا عليه، لم يحترموا حتى أحزانهم في مصابهم، أرسلوا فرقة عسكرية لتحاصر دار السيدة فاطمة، هددوا بحرق دارها بمن فيها، فكانت الفاجعة الكبرى، وكانت أول فتنة كبرى ضربت الأمة كما تنبأ الرسول من قبل.

10. كانت حجتهم في السقيفة أن العرب لن تخضع إلا لقريش، ولكن الذي حدث بالفعل أن الجزيرة العربية انتفضت ضدهم، أما الدهاة من قادة القرشيين في مكة فقد فطنوا إلى حقيقة الأمر، وأدركوا أن الفرصة سانحة لتأسيس ملك قرشي يكون دولة بين بطونهم، فلم يتمردوا، وتبعتهم الطائف، وبذلك تجمع لدى أبي بكر جيش قوي من القرشيين وحلفائهم، ومن الأنصار الطيبين الذين اعتبروا قتال الأعراب جهادًا في سبيل الله وانتصارًا للرسالة التي آمنوا بها.

11. أعلنها أبو بكر مدوية، قال إنهم لو منعوه عقالا كانوا يؤدونه إلى الرسول لقاتلهم عليه، وبذلك بدأ التاريخ الدموي للأمة، وأصبحت الأشياء المادية أثمن من الدين ومن الدماء البشرية.

12. تمّ تأسيس الدولة القرشية بالحديد والنار، وباستعمال أبشع الأساليب، وقد أثبت خالد بن الوليد أنه كان سيف أبي بكر المسلول، ولكن القرشيين كانوا أول من سنّ للناس أن ينسبوا أفعالهم وأهواءهم إلى رب العالمين!!

13. كل ما حدث من بعد الرسول هو تصرفات بشرية تُحسب على من اقترفها، ولا شأن لها بالإسلام، بل يجب الحكم عليها من حيث منظومات الإسلام، ومنها منظومة قيمه.

14. بعد تأسيس الدولة القرشية على جماجم الأعراب اتخذ العبقري ورجل الدولة أبو بكر قرارا تاريخيا جريئا، وهو أن يقذف بالجميع في حرب ضد الفرس والروم في نفس الوقت، ولو لم يفعل لثاروا ضده من جديد، ولما انتهت الحروب الانتحارية بين الأعراب إلا بذهاب ريحهم، وكان أبو بكر يعلم جيدا مدى ضعف وهشاشة الإمبراطوريتين، وكيف أنهما استهلكا قواهما في الصراع فيما بينهما، وأن الرعية ثائرة ضد الروم بسبب محاولات هرقل الحمقاء لفرض مذهب جديد عليهم بالقوة والإرهاب، وأن إمبراطورية الفرس قد دخلت في طور الاحتضار، وأن الغنائم المنتظرة ستلهي الأعراب عن الانخراط في القتال فيما بينهم من جديد.

15. كان حرص القرشيين شديدا على ألا يتولى القيادة في أي جيش إلا قرشي، وبذلك أخذت قريش تستأثر بالأمر وبالقوة وبما سيترتب عليها من ثراء أسطوري، وأصبح الأمر محسومًا لصالح قريش على حساب الدين الذي توارى ولم يعد أحد -إلا القلة- يتذكره إلا في الأمور الجزئية الثانوية.

16. عيَّن أبو بكر، وهو يحتضر، عمر بن الخطاب، خليفة من بعده، كان قرارا دكتاتوريا استبداديا، منافٍ لقيم الإسلام وسننه، ومع ذلك خروا له ساجدين، وهم الذين طالما جادلوا الرسول في الحق حتى من بعد أن كان يتبين، وهم الذين كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوته ويرهقونه من أمره عسرا، أما أتباع الدين السني فقد اعتبروا ما فعله أبو بكر سنة دينية يمكن اتباعها لتداول السلطة، فهم يعتبرون من يروق لهم من (الصحابة) أربابًا مشرعين، فهم المشركون في زي الموحدين، يقولون إنه استشار، والحق أنه لم يستشر إلا بعض الموالين لهما، ولقد كان عمر خليفة في عهد أبي بكر، كما أعلنها أبو بكر نفسه.

17. انهارت جيوش الفرس والروم تحت وطأة ضربات الأعراب المتمرسين بالقتال والمولعين به، ولما كان الأعراب يقدسون القوة والانتصارات والظفر بالغنائم فقد ازداد إيمانهم بأنهم على الحق بعدما تحقق ذلك لهم، ولكنهم لم يكونوا على مستوى الإسلام، فلم يجدوا من يعلمهم أسسه وقيمه ومقاصده، كل ما كانوا يعلمونه هو بعض الأمور العملية وما يحفزهم لقتال (الكفار والمشركين)، اقترفوا شتى الجرائم في حقوق الشعوب المقهورة، نهبوا أموالهم وسبوا نساءهم وفرقوا شمل أسرهم، أما أهالي هذه الشعوب فقد روعتهم المجازر التي اقترفها خالد، فكانوا يستسلمون للقادة الأكثر لينا، أو قل الأقل وحشية.

18. كان عمر رجل دولة حقيقي، ولكن كان علمه بالإسلام ورسالته بسيطا، وكان من أعلام الحزب القرشي المصرين على أن يظل الأمر دولة بين بطون قريش التي كان يدين لها بالولاء المطلق، وكان لذلك حريصُا على ألا يولي أحدًا من بني هاشم الأمر، فقد كان يعلم توجهاتهم الدينية العالمية وتحررهم من العصبية القرشية، وأنه لو تولى أحدهم الأمر لما خرج منهم.

19. في عهد عمر تدفقت ثروات أسطورية على المدينة، أطنان من الذهب، تحف أثرية لم يكن الأعراب يعرفون لها قيمة إلا أنها من الذهب فصهروها، سنَّ عمر نظامًا تراتبيا لتوزيع هذه الأموال أدَّى إلى تكديس الثروة بين قلة من (سادة قريش) الجدد، لم يدرك إلا مؤخرا مغبة سوء عمله، أعلن عن عزمه على تصحيح هذه الأوضاع، قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فرددتها على الفقراء"، وقال: "والله لئن بقيت إلى الحول لألحق أسفل الناس بأعلاهم"، فتمَّ اغتياله في مؤامرة مشبوهة، والله تعالى أعلم بما أفضى إليه، وعلى العموم فإن قانون العدل الإلهي الكوني الصارم لا يحابي أحدا، لقد اقترف جنوده شتى ضروب سفك الدماء والإفساد في الأرض دون أن يقدموا للناس المثل الإسلامي الأعلى، وكيف يقدمون ما يجهلونه؟ أم كيف كانوا يطالبون الناس بالاعتناق الفوري لدين ظل أكثرهم يحاربونه طوال العصر النبوي؟ لذلك سُلِط عيه رجل من الملايين من ضحاياه الذين شتت جنوده شملهم وانتهكوا حرماتهم، كان لهؤلاء الضحايا أيضًا ربهم، وهو ربّ العالمين الذي يحكم بالحق ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن سفك الدماء والإفساد في الأرض، أما الانتقام من هذه الأمة الظالمة فلم يكن أوانه قد حان بعد.

20. ظل عمر وفيا لما آمن به، حتى وهو يحتضر، كان يخشى أن يؤول الأمر إلى الإمام عليٍّ من بعده، ولكنه لم يرد أن يظهر أمام الناس وكأنه هو الذي استبعده من الأمر، أو أنه خالف عن الأمر بالشورى لذلك، لذلك شكل لجنة هي في مجملها معادية للإمام وراغبة في استمرار التسلط القرشي، وتحسبًّا لأي مفاجآت جعل الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف الموالي لعثمان في حال التساوي، أما ابن عوف فأبى إلا أن يتفوق عليه في الكيد، فوضع شرطًا إضافيا من عنده لا يمكن لأي مسلم مخلص إلا رفضه، وهو وجوب العمل بسنتي أبي بكر وعمر، هذا الشرط المخالف لكل أسس الإسلام وقيمه هو أيضًا مستحيل في ذاته! أما المضحك في الأمر فهو أن عمر أراد أن يستمتع بتلاعبه بالأنصار واستغلال طيبتهم الشديدة إلى المدى الأقصى، فقَالَ لأَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ: " يَا أَبَا طَلْحَةَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ طَالَمَا أَعَزَّ الإِسْلامَ بِكُمْ، فَاخْتَرْ مِنْهُمْ"، وَقَالَ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ: " إِذَا وَضَعْتُمُونِي فِي حُفْرَتِي فَاجْمَعْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ فِي بَيْتٍ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلا مِنْهُمْ"، وَقَالَ لِصُهَيْبٍ:" صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَدْخِلْ عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَطَلْحَةَ إِنْ قَدِمَ، وَأَحْضِرْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَلا شَيْءَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ، وَقُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَإِنِ اجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وَرَضُوا رَجُلا وَأَبَى وَاحِدٌ فَاشْدَخْ رَأْسَهُ أَوِ اضْرِبْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَرْبَعَةٌ فَرَضُوا رَجُلا مِنْهُمْ وَأَبَى اثْنَانِ فَاضْرِبْ رُءُوسَهُمَا، فَإِنْ رَضِيَ ثَلاثَةٌ رَجُلا مِنْهُمْ وَثَلاثَةٌ رَجُلا مِنْهُمْ فَحَكِّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ حَكَمَ لَهُ فَلْيَخْتَارُوا رَجُلا مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَاقْتُلُوا الْبَاقِينَ إِنْ رَغِبُوا عَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ "، هذا بالطبع يتضمن الإصرار على قاعدة أن الأنصار لا شيء لهم في الأمر، وإنما هو محض شأنٍ خاص بالشعب المختار الجديد!!!

21. نجحت المؤامرة بالطبع، وتولى عثمان، وبعد فترة هدنة مع أكابر القرشيين أغدق عليهم من أموال الأمة ما لا حصر له كشف عن ولائه المطلق لبني أمية، وأنهم مقدمون عنده على الدين وقيمه ومثله، لقد نزعت تصرفات القرشيين القداسة عن السابقين الأولين، وأصبح الأمر لمن يغلب بقوة الدهاء والمال والسلطة، كان من ضحايا عثمان هؤلاء السابقون الأولون، وكان منهم أيضًا من كانوا زملاءه في لجنة عمر بن الخطاب، ومنهم من لعب الدور الأكبر لتولية عثمان، وهو ابن عوف، الذي اضطر لأن يعير عثمان بفراره يوم أحد، ولكنه اكتفى بأن خاصمه، فقد كان متورطًا في الإثم معه، وكان منهم سعد ابن أبي وقاص قائد القادسية، فقد عزله عن الكوفة وولى مكانه الفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي (العدو اللدود للرسول)، ولما قدم الوليد على سعد قال له: والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال: "لا تجزعن أبا اسحاق، فإنما هو الملك يتغداه قوم، ويتعشاه آخرون"، فقال له سعد "أراكم ستجعلونها ملكا"، ولكن سعدًا لم يفعل شيئا، فقد كان قد تورط مثلهم! وكان من ضحايا عثمان القائد الداهية عمرو بن العاص الذي عزله عن مصر وولى مكانه المرتد السابق عبد الله بن سعد بن أبي السرح فتفنن في الجور بأهل مصر ليزيد من الأموال التي يرسلها لسيده، وقد دار بين عثمان وبين عمرو ذلك الحوار التاريخي الذي يكشف دوافع توسع الأعرابي الحقيقي، وسيظل حجة على عبيدهم تقطّع به قلوبهم، ولكن تصرف عثمان هذا كان من الأسباب المباشرة للثورة التي سيذهب هو ضحية لها، أما ابن عمه سعيد بن العاص فقد أعلنها على الملأ عندما أشار إلى أرض العراق قائلًا: "إنما هذا السواد بستان قريش".

22. وهكذا تبلور وتكرس انقسام الأمة في عهد عثمان، كان هناك الحزب القرشي، وعلى رأسه السيدتان عائشة وحفصة، وكذلك طلحة والزبير وابن عوف وأبناء أكابر القرشيين السابقين إلى الإسلام، وكان هناك الحزب الأموي الذي أفصح عن نفسه وكشَّر عن أنيابه، وأصبح يطالب عثمان بجعل الأمر ملكًا أمويا، وكان هناك أولو بقية من السابقين الأولين، هذا بالإضافة إلى خضمّ هائل من الأعراب الناقمين الذين هالهم استئثار قريش بالأمر وبجلّ الأموال، وهكذا كان لا مفرّ من الصدام الذي حتمه أيضًا وجوب القصاص السريع من هذه الأمة التي طغت وبغت وسفكت الدماء وأفسدت في الأرض، وأُعطيت الفرصة تلو الأخرى لتراجع نفسها فأصرت على ما هي عليه.

23. في إطار الصراع القرشي-الأموي أخذ عثمان يستبعد أكابر القرشيين غير الأمويين من الأمر، ألغى الامتياز الذي كان من نصيب السيدة عائشة، فأعلنت كفره وخروجه على السنة، ففتحت هذا الباب على الأمة الشقية التعسة، كما أخذت تحرض الناس عليه، كانت تودّ أن يتولى الأمر من بعده طلحة بن عبيد الله لكون من تيْم مثلها، استعان عثمان على الأمة بشرّ الأمويين، ومنهم ابن عمه مروان، وهو واحد من أخسّ الشخصيات في التاريخ العربي، وكان الرسول قد طرد أباه من المدينة لسوء أدبه وخسته، وحاول العودة في عهدي أبي بكر وعمر فرفضا، أما عثمان فقد أعاده، وأغدق عليه من أموال الأمة، مخالفًا سنة الشيخين التي تعهد بأن يلتزم بها لكي يتولى السلطة، ففقد شرعيته ومصداقيته، كان مذبذبًا حائرا يتجاذبه أمران رئيسان، إيمانه وحياؤه وكراهيته لسفك الدماء من ناحية، وولاؤه لقبيلته الأموية وحبه الجارف للمال من ناحية أخرى، لم يكن يريد أن تُسفك في أمره نقطة دم واحدة، فتسبب في إغراق الأمة في بحار من الدماء، فهو شخصية تصلح لدور البطولة في تراجيديا كبرى كتراجيديات شكسبير، ولكن الأعراب لا يعلمون شيئًا عن التراجيديات الرفيعة.

24. ثارت الأمة ضد عثمان، أخذ يتذبذب بين هؤلاء وهؤلاء، يتوب ويبكي ويعد بالتصحيح، ثم ينكث بسهولة بما وعد به، ترك نفسه ألعوبة في أيدي الأمويين وخاصة مروان ابن عمه، تلاعبوا بالوفد المصري، نال هؤلاء وعدا من عثمان بعزل واليه الظالم والاستجابة لمطالبهم، فلما رحلوا وقع في أيديهم كتاب ممهور بختم الخليفة يوصي واليه بصلبهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف!!! عادوا، وحاصروه في داره برضا أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، طالبوه بالعدل والإنصاف، لم يستجب، كان أشد المحرضين عليه هو طلحة بن عبيد الله، وهو من أكثر من نالوا من عطاياه الجزيلة، وهو أيضًا الذي نصحهم بمنع الماء عنه، كان الإمام علي يدافع عن عثمان ما استطاع إلى ذلك سبيلا إلى أن أتاه أمر عثمان بالنفي إلى ينبع، فامتثل، أرسل عثمان يستنجد بمعاوية فلم يعره اهتماما، خرج مروان على المحاصرين يتمنطق بسيفه، فأمسك به فتى أنصاري فصفعه على قفاه، وكاد يقتله، لولا أن أنقذته امرأة، صار لقبه هو "مضروب القفا"، لم يجد عثمان بدًّا من الاستعانة بالإمام الذي كان قد نفاه، كتب إليه قائلا: " فإن كُنْتُ مَأكُولًا فكُنْ خيرَ آكِلٍ*وإلاَّ فَأَدْرِكْنِي ولمَّا أُمَزَّقِ"، عاد الإمام إلى المدينة، فوجد الموقف مشتعلا، وقد خرج عن نطاق السيطرة، كان المحاصرون بضعة آلاف من مصر والكوفة والبصرة وأهل المدينة، علموا أن جنودًا من أنصار عثمان من البصرة والأمويين الشاميين قد خفوا لنجدة عثمان (رغم أنف معاوية)، فعقدوا العزم على الانتهاء من الأمر قبل قدومهم، وهكذا حاولوا اقتحام الدار، فأصابوا الحسن بن أبي طالب وقنبر مولى الإمام علي ومحمد بن طلحة، وكانوا من المدافعين عن عثمان، فخشوا مغبة التمادي في ذلك، تسلل بعضهم إلى الدار من سطحها، وقتلوا عثمان، وبدأت بذلك الفتنة الكبرى، وهي أول انتقام كبير من الأمة الظالم أهلها.

25. تولى الإمام عليّ الأمر بعد إلحاح شديد من الثوار، وخاصة من المصريين، وكذلك من أولي البقية من المهاجرين والأنصار، وكان أول المبايعين منهم طلحة، وكان أيضًا أول الناكثين، وسرعان ما أدرك الحزب القرشي خطورة الأمر، استجمع قواه، وقرر الدفاع عن مسعاه الثابت وعن مكتسباته المادية، والحيلولة بين الإمام وبين القيام بالأمر، طالبه طلحة والزبير بأن يوليهم أمري الكوفة والبصرة، وطالبه القرشيون بأن يميزهم على الناس في العطاء كما كان يفعل عمر وعثمان، وجدوه مصرًّا على العمل بقيم الإسلام الرفيعة، استبان لهم الأمر، تذكروا عثمان وتحريضهم الناس عليه، ندموا على ما فرطوا في جنبه، قرروا المطالبة بثأره، قاد طلحة والزبير والسيدة عائشة جيشًا كثيفًا، تولى عبد الله بن الزبير تحريض السيدة عائشة على الخروج، فاستجابت له، نبحتها كلاب الحوأب، فتذكرت النبوءة، وحاولت الرجوع، فغلبوها على أمرها، هاجموا البصرة، فكانوا أول جيش (إسلامي) يهاجم مدينة عربية إسلامية، اقتحموا على والي البصرة بيته، وقتلوا حرسه، ومثلوا به، فتكوا بأنصار الإمام في المدينة، قتلوا حراس بيت المال.

26. تبين للناس كيف أن الاعتصام بالمثاليات لا يُجدي نفعًا في السيطرة على أمة في حالة انهيار، كان الاستماع إلى نصائح دهاة العرب مثل عبد الله بن عباس والمغيرة بن شعبة كفيلًا بتثبيت (الملك) للإمام لو كان يريده، ولكنه لم يكن يحفل بالدنيا أصلًا، ولا يريد إلا إحقاق الحقّ والقيام بالقسط وأداء الأمانات إلى أهلها، فالتف حوله البقية من السابقين الأولين، وكذلك المتقون والزهاد والضعفاء والمساكين والقراء، ولكن التحق بجيشه أيضًا الناقمون على قريش واليائسون من عدالتها والفوضيون.

27. اتضح أن الأمة تُساق إلى مجزرة، كان من الموقدين لنيرانها شياطين الإنس، وعملاء الشجرة الملعونة، وهكذا نشبت معركة الجمل، وفيها اغتال مروان قائده طلحة المطالب معه بثأر عثمان، فحقت على طلحة دعوة عثمان، فكان منها صفرًا وسُفِك دمه، ذُكِّر الزبير بقول الرسول له بأنه سيقاتل عليا وهو له ظالم، حاول الانسحاب، ولكنه قُتِل، أصبح الجيش تحت قيادة السيدة عائشة، فبدأت المجزرة، أُسرت السيدة عائشة، كما قُتل حوالي عشرين ألفًا من المسلمين، ربما كان هذا العدد أكبر من عدد من قُتِلوا حتى الآن في كل (الفتوحات)، كانت النتائج مع ذلك كارثية على قضية الدين، فقد بدأ تضعضع معسكر أهل الحق رغم انتصاره وتبين اختلاف دوافع طوائفه، كان المنتفع الأكبر مما حدث إبليس وتابعه معاوية، ولكن الموقعة كانت حلقة من حلقات الانتقام من الأمة الظالم أهلها.

28. بعد ذلك قرر الشيطان أن ينزل بنفسه إلى ميدان المعركة، تعززت مكانة أمير أهل البغي بمن انضم إليه من القرشيين الموتورين، وهكذا زحف معاوية بجيشه الذي لا يكاد يعلم شيئا عن الإسلام ليقاتل الجيش الذي يحمل راية الحق، بعد سلسلة من الاشتباكات الدامية كادت الهزيمة تحل بجيش معاوية، استعمل معاوية خدعة رفع المصاحف طلبًا للتحكيم، وبذلك أفلت معسكر أهل البغي من الهزيمة العسكرية، ولكنه كان في الحقيقة قد ظفر بالغلبة على المستوى الاستراتيجي، إذ خرج جيش الشر والبغي مُوحدًّا متماسكا، بينما تكرَّس انقسام الجيش المحسوب على الإمام، وتبين أن أنصار الحق الحقيقيين قليلون، قُتل في المعركة حوالي سبعون ألفا، أي أضعاف من قُتِلوا في (الفتوحات)، بدأ معاوية في شن سلسلة من الغارات الإرهابية لترويع المؤمنين الآمين بقيادة أكابر الشياطين الذين التفوا حوله مثل بسر بن أرطأة، كما بدأ عملية وضع المرويات لحسابه، واستعمل أموال الأمة التي أصبحت ملكًا خالصًا له لتخريب الذمم وإفساد النفوس، كما أخذ يمارس كل الأساليب التي تعلمها على أيدي موظفي الدولة البيزنطية العميقة وأحبار أهل الكتاب الذين دخلوا جميعًا في خدمته لتوطيد سلطانه والقضاء على أعدائه.

29. استولى معاوية على السلطة والأمة وأموال الأمة، بدأ التنكيل بكل من يُخشى على ملكه منه، كان السمّ سلاحه الفعال، استعمل الإرهاب المجنون للتخلص من أنصار الأمام، أعلن أن الأمر أمر ملك، وأنه قد ظفر به، أدرك أن أكبر خطر على ملكه هو وجود الدين الصحيح، لما لم يكن يستطيع محو أو تحريف القرءان خشية ثورة عاتية تطيح بملكه فقد بدأ وضع المرويات واختلاق طبقة من القصاص المتكسبين بالدين، بدأت عملية صياغة دين محرف أساسه إخضاع (الرعية) للمتسلط عليهم، ساعد معاوية في ذلك عائلة سرجون الرومي وفلول الدولة البيزنطية العميقة.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 452